إشارات إلى العهد القديم – ج15 أوّلًا: الزواج والطلاق

رأينا في كلام الرب {خلقهما ذكرًا وأنثى} أي: ذكرا واحدا ‏لأنثى واحدة وأنثى واحدة لذكر واحد. فلا طلاق ولا تعدد ‏زوجات. أي أن اقتران أحدهما بالآخر كاقتران أعضاء الجسد ببعضها، هذا الاقتران لا يفكه الا...
06 مارس 2016 - 20:43 بتوقيت القدس

نقرأ في الأصحاح التاسع عشر من إنجيل يسوع المسيح بتدوين متّى- حسب تسلسل الآيات: 3 ‏الزواج والطلاق 13 الخصيان 16 الغنى.‏
وفيه خمس إشارات إلى العهد القديم؛ الأولى والثانية (1) في قول السيد المسيح: {أما قرأتم أنّ ‏الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى؟ وقال: مِن أجل هذا يترك الرجل أباه وأمّه ويلتصق ‏بامرأته، ويكون الاثنان جَسَدًا واحِدا}+ متّى 19: 4-5 والإشارة إلى سِفر التكوين 1: 27 ‏والتكوين 2: 24‏

وفي التفسير المسيحي- بتصرّف: [رأينا في كلام الرب {خلقهما ذكرًا وأنثى} أيْ: ذكرًا واحدًا ‏لأنثى واحدة وأنثى واحدة لذكر واحد. فلا طلاق (ملاخي 14:2-16؛ الأمثال 17:2) ولا تعدّد ‏زوجات. أي أن اقتران أحدهما بالآخر كاقتران أعضاء الجسد ببعضها، هذا الاقتران الذي ‏يدوم بدوام الحياة لا يفكّه وينهيه إلا الموت (كورنثوس الأولى 39:7؛ رومية 7: 2-3؛ مرقس ‏‏12:10) فضلاً عن أنّ الاقتران يدل على اتحادهما قلبًا وقالبًا وعلى اهتمام كل منهما بالمحبة ‏لإسعاد الآخر (أفسس 5: 28-31) لذا {فالذي جمعه الله لا يفرّقه إنسان} أي أن الزواج رباط ‏إلهي لا بشري. ومِن ثَمَّ لا يقوى إنسان على فكِّه. والخلاصة هي أن مبدأ الزواج ترتيب الله ‏الأصلي الذي رتَّب للإنسان وقت الخليقة. فبحسب مشيئة الله أنّ عقد الزواج لا يُحَلّ ولا ‏يُفسَخ، إنّما يُنظَر إلى الذكر والأنثى المقترنين معًا، كجسد واحد، فلا يجوز للإنسان أن ‏يفرّقهما. وإن زنى واحد منهما فقد أبطل العقد. وهذا يصحّ سواء على الرجل وعلى المرأة]- ‏بقلم: بنيامين بنكرتن.‏

وتعليقي: أرى أنّ معنى الزّنا غير محصور بترك أحد الطرفين الآخر لإنشاء علاقة عاطفية ‏مع شخص ثالث، إنما المعنى أوسع وأدقّ- حسب الشّقَّين التاليَين؛
الأوَّل- من جهة الله؛ ففي الزِّنا إساءة إلى الله، لأنّ الزنا يعني الابتعاد عن وصاياه والانحراف ‏عنها، ما قبل الإساءة إلى الشريك. والسبب: تعدّي الشريك على قدسيّة الزواج المقدَّس من الله.‏
والثاني- من جهة الإنسان؛ فإنّ لحظة تفكير أحد الطرفين بالانفصال عن الشريك، ما قبل ‏الانفصال الفعلي، قد اعتبرتُها شخصيًّا لحظة زنا. هذا باستثناء حالة واحدة؛ هي إحساس أحد ‏الطرفين، ولا سيّما المرأة، بخطورة استمرار الحياة مع الشريك. ففي حال شعورك- أختاه- ‏بخطورة العيش مع رجلك، فاتصلي بأحد أقاربك، أو بجهة قضائيّة مختصّة، لحمايتك ‏ومعالجة الموقف بأسرع وقت. لا تسمحي له بأن يتخطّى حدوده، كأن يعتدي عليك بالضرب ‏أو الاغتصاب، بل اتركيه فورًا دون رجعة، لأن ثقافته منحرفة ما لم تكن مسمومة. لا تثقي ‏في اعتذاره ولا توبته ما لم تشعري بصدقه في كلّ منهما، لأنه بحاجة إلى إصلاح اجتماعي ‏طويل المدى. هذا مع حقّك في احتضان أطفالك بالتفاهم معه أو بالقانون، لكن لا تحاولي منعه ‏من رؤيتهم، إلّا إذا ثبت لك فساد أخلاقه.‏
أمّا دينيًّا فإني أدعو خدّام الكنيسة إلى الإسراع في اتّخاذ القرار المناسب، بدون تقصير أو ‏إهمال أو محاباة طرف على حساب آخَر. وما قصدت بالإسراع التسرّع، إنّما معالجة ‏الموضوع بضمير حيّ وجدّيّة، بأسرع وقت ما أمكن، نظرًا إلى الحالة النفسيّة التي سيؤدّي ‏إليها الخصام وطول الانتظار.‏

وإليك، بالمناسبة، قصّة قصيرة بقلم ألبير كامو (2) باختصار شديد؛ عن سيدة جميلة كانت ‏برفقة زوجها في رحلة سياحية إلى واحة نائية جنوبيّ الجزائر. فشعرت برتابة العلاقة ‏وببرودتها وبقلّة اهتمام الزوج، متخوّفة من الشيخوخة فالموت. فخرجت من الفندق، خلال ‏إحدى الليالي الباردة نسبيًّا، لتقضي الليل حول سياج الفندق، متحرّرة من أي التزام اجتماعي. ‏ثم عادت إلى غرفتها وزوجها ما يزال غاطًّا في نوم عميق.‏
وقد لمستُ التالي حينما قرأت القصّة أيّام الصِّبا؛ تركيز كامو على استحالة اتّصال السيدة ‏برجل خلال نزهتها، لكنه اعتبر تصرّفها نوعًا من الزنا، ربّما لظنّه أنّها تمنّت إيجاد رجل ‏آخر ليهتمّ بها ما يكفي. وأغلب ظّنّي أنّه استوحى قصّته من قول السيد المسيح: {إِنَّ كُلَّ مَنْ ‏ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه}+ متّى 5: 28‏
‎ ‎بل عنوان القصّة أيضًا- المرأة الزانية- مستوحًى من قصّة المرأة الزانية المعروفة بهذا ‏العنوان في الإنجيل- يوحنّا\8 ابتداءً بالآية الثالثة- ولم يكن كامو الوحيد بين المفكّرين الذين ‏استوحوا من روايات الكتاب المقدَّس عبر التاريخ.‏

الزواج والطلاق في المسيحية

الإشارة الثالثة

هي في قول الفريسيّين حين سألوا يسوع: {فلماذا أوصى موسى أنْ يعطى كتاب طلاق فتطلّق؟ ‏قالَ لَهُمْ: إِنَّ موسى من أجل قساوة قلوبكم أَذِنَ لكم أن تطلِّقوا نساءَكم. ولكن مِن البدء لم يكن ‏هكذا}+ متّى 19: 7 والإشارة إلى سِفر التثنية 24: 1 ‏
وفي التفسير المسيحي- بتصرّف أيضًا: [قال «قلوبكم» مع أنّ الكلام عن أسلافهم، ليس فقط ‏لأن اليهود في نظره أمّة واحدة، بل أيضًا لأن قلوبهم بقساوة قلوب آبائهم. وإلّا لما سألوه عن ‏الطلاق.‏
قال الفريسيون في سؤالهم «أوصى» فقال المسيح في جوابه «أَذِن» وبين اللفظتين فرق في ‏المعنى لا يُخفى. كان الإذن لهم تحت الناموس بتطليق نسائهم كاشفًا أمرَين:‏
الأوَّل- عجز الطبيعة البشرية، لسبب سقوطها، عن تنفيذ شريعة الله الأصلية للزواج.‏
والثاني- عجز الناموس نفسه عن إصلاح الطبيعة البشرية الساقطة.‏
فالسيد المسيح، بفضل نعمته على أبناء الملكوت، رجع بهم من جهة الزواج إلى شريعة الله في ‏الجنّة، مُتجاوزًا ما حصل تحت الناموس كجملة مُعترضة، مُصادقًا على ما رتّب الله في ‏الخليقة لبَرَكة الإنسان، لم يُصادق على القساوة التي وصلت إلى قلب الإنسان عن طريق ‏دخول الخطية. إذًا موسى النبيّ كمُشترع؛ أذِن لهم بالطلاق، لكنّ الطلاق لم يكن بحسب قانون ‏الله الأصلي للزواج. فأرجعه المسيح إلى أصله.‏
لذا فالمجامع الكنائسية لا تستطيع أنْ تحلِّل ما حرَّمَ الله؛ لكنّ من المعلوم أن أكثرها أجاز ‏الطلاق لأسباب غير الزنا، فأظهر قساوة القلوب وعصيان تعليم الرب الصريح، لأنّ مَن ‏حاول أن يتداخل بين الرجل وامرأته، زاعمًا أن له سلطانًا كنائسيًا في ذلك، يُظهر نفسه ضد ‏المسيح تمامًا]- بقلم: بنيامين بنكرتن.‏

وتعليقي: نِعمَ ما حلَّل الله في الكتاب المقدَّس. إنّما سموّ هدف الله القُدُّوس المُحِبّ واضح وأبعاد ‏الهدف صبّت جميعًا في مصلحة الإنسان؛ إذْ {أحَبَّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا ‏يهلك كلّ مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية}+ يوحنّا 3: 16 لذا فمن المستحيل أن يغشّ ‏العالم أو يضلّه- حاشا الله من افتراء المفترين عبر التاريخ. فإذا حصلت أخطاء في العلاقة ‏الزوجية فإنّ الإنسان، إذْ أساء اختيار شريك حياته منذ البداية، يتحمَّل مسؤوليّة اختياره. فلماذا ‏يحمِّل الجهلةُ الله مسؤوليّات أخطائهم الشخصيّة؟
‏   أمّا المحاكم الكنسية التي أذِنت بالطلاق لغير الزناة، كما يُظَنّ، فما أدراك ما معنى الزنا في ‏الكتاب المقدّس حينما أوصى الله {لا تزنِ}+ الخروج 20: 14؟
إليك المعنى التالي الوارد في العهد القديم، آملّا في التأمّل جيّدًا:‏
‏{ولقُضاتهم أيضًا لم يسمعوا، بل زنوا وراء آلهة أخرى وسجدوا لها. حادوا سريعًا عن الطريق ‏التي سار بها آباؤهم لسَمْع وصايا الرَّبّ، لم يفعلوا هكذا}+ القضاة 2: 17‏
‏{وكان بعد موت جِدعُون أنّ بني إسرائيل رجعوا وزنوا وراء الْبَعْلِيم، وجعلوا لَهُمْ بَعَلَ بَرِيثَ ‏إِلهًا}+ القضاة 8: 33‏
‏{وخانوا إله آبائهم وزنوا وراء آلهة شعوب الأرض الذين طردهم الرب من أمامهم}+ أخبار ‏الأيّام الأوّل 5: 25‏

فاستنتجت ممّا تقدَّم أنّ أيّ انحراف عن إحدى وصايا الله بمثابة زنا، سَواء أكان الزنا ‏بالقلب أم بالفعل. وإليك الأمثلة التالية بناءً على استنتاجي:‏
‏1 لقد أوصى السيد المسيح وصيّتين تعلّق بهما الناموس كلَّه والأنبياء؛ محبّة الله وهي الأولى ‏والعظمى. ومحبة القريب. فالثانية مثل الأولى (متّى 22: 37-40) فمن لا يحبّ الله يعتبر ‏زانيًا لأنّه خالف الوصيّة. ومَن لا يحبّ قريبَه (أخاه في الإنسانيّة) كنفسه يعتبر زانيًا مثل ‏الزاني الأوّل. عِلمًا أنّ معنى القرابة في الكتاب المقدَّس يشمل الناس جميعًا ولا يخصّ أقارب ‏الدرجة الأولى ولا الثانية ولا العاشرة. والأمثلة كثيرة؛ منها التالي: ‏
‏{وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك}+ ‏متّى 18: 15 وانظر-ي أيضًا التالي ولوقا 17: 3‏
‏{وأمّا أنت، فلماذا تدين أخاك؟ أو أنت أيضًا، لماذا تزدري بأخيك؟}+ رومة 14: 10 وانظر-‏ي أيضًا رومة 14: 15 و21‏
وفي العهد القديم: {كالوطنيّ منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم وتحبّه كنفسك لأنّكم كنتم ‏غرباء في أرض مصر...}+ سِفر اللاويّين 19: 34 وانظر-ي أيضًا لاويّين 24: 22 ‏وحزقيال 47: 22‏
‏ ‏
‏2. لقد أوصى الرب يسوع قائلًا- كما أشرت أعلى: {إِنَّ كُلَّ مَنْ ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد ‏زنى بها في قلبه} ومعنى الزنا بالقلب واضح لذوي الألباب وذواتها. والزنا بالقلب- في نظر ‏الله- يعادل الزنا بالفعل، لأنّ كلًّا منهما خطيئة! ففي الإنجيل: {لأنّ أُجرة الخطيئة هي الموت، ‏وأمّا هِبَة الله فهي الحياة الأبدية في المسيح يسوع ربِّنا}+ رومة 6: 23‏
‏3. لقد أوصى الله منذ القديم: {لا تقتل}+ الخروج 20: 13 فمن يقتل يعتبر زانيًا، لأنّه خالف ‏وصيّة الله، ما قبل أن تُطلَق عليه صفة القاتل أو المجرم أو السّفّاح.‏
‏4. أوصى الله: {لا تسرق}+ الخروج 20: 15 فمن يسرق يعتبر زانيًا، ما قبل أن تُطلق عليه ‏صفة السّارق أو اللِّصّ أو النَّصّاب أو الحَرامي.‏


شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا