من حق أي كاهن أو قس أو خادم مسيحي أن يعبّر عن موقفه، وأن ينتقد سياسات أي دولة، وأن يتألم مع شعبٍ يمرّ بأزمة وطنية. لكن ما يستحق النقاش الحاد هو أمرٌ أخطر: الانتقائية الأخلاقية.
بعض الخدام المسيحيين الذين يقدّمون أنفسهم كـ "وطنيين" يملكون حنجرةً فولاذية عندما يكون الفاعل إسرائيليًا أو من المستوطنين… لكن الصوت يختفي، أو يضعف، أو يتحول إلى همسٍ حذر عندما يأتي الاعتداء من محيط عربي مسلم متشدد، أو من متطرفين محليين يضيقون على المسيحيين اجتماعيًا ودينيًا. وهنا لا أتحدث عن المسلمين ككل، فهذا ظلمٌ جديد، بل عن تيارات متطرفة تعرف كيف تضرب الأقلية حين يضعف صوت قادتها، وحين يفضّل بعض الخدام "السلامة الاجتماعية" على "العدل".
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل دور الخادم أن يتموضع داخل معسكرٍ سياسي، أم أن يلتزم معيارًا واحدًا يدين العنف والاعتداء أينما كان؟ نحن نتحدث عن جماعة مسيحية صغيرة أصلًا، لا تتجاوز نحو 2% من سكان الدولة، والأقليات لا تملك ترف الخطاب غير المسؤول. لأن أي كلمة غير متزنة لا يدفع ثمنها أصحاب المنابر، بل الناس العاديون الذين يعيشون التبعات يوميًا.
وفوق الانتقائية، هناك سمٌّ آخر يقتل النقاش داخل الكنيسة: الإقصاء.
في حالات كثيرة، لا يُكتفى بالصمت الانتقائي، بل يُمارس ضغطٌ علني أو ضمني على كل مسيحي لا يردد الخطاب نفسه. من يرفض الاصطفاف الكامل يُرمى فورًا بتهم جاهزة: "غير مبالٍ"، "غير عادل"، "لا يشعر مع شعبه"، وأحيانًا تُستعمل وصمة أقسى لإغلاق فمه نهائيًا: "صهيوني مسيحي".
وهكذا لا يعود الحوار بحثًا عن الحق، بل محكمة ولاء. والكنيسة التي تتحول إلى محكمة ولاء، لن تحمي أحدًا… لأنها ستطرد أولًا أفضل ما فيها: الضمير الحر.
ازدواجية الإدانة… حين يصبح ألم المسيحي "موسميًا"
هناك خدام يرفعون راية العدالة، لكنهم يطبّقونها بميزانين: ميزان ثقيل ضد "الخصم" وميزان خفيف مع "القريب". يصرخون ضد اعتداءات المستوطنين، وهذا حق، ثم يتعاملون مع الاعتداءات ضد المسيحيين من متطرفين محليين كأنها "حوادث فردية" لا تستحق أن تهزّ علاقتهم بالشارع أو تُغضب محيطهم.
المفارقة الفاضحة أن مجلس الكنائس العالمي نفسه، الذي يحب كثيرون الاستشهاد به عندما ينتقد إسرائيل، أصدر بيانًا في 3 فبراير 2022 يدعو السلطة الفلسطينية للتحقيق في اعتداءات ضد مسيحيين في مناطقها وضمان العدالة والكرامة.
فهل رفع "الوطنيون" الصوت بالحرارة نفسها؟ أم أن العدالة عندهم لا تُستدعى إلا عندما تخدم الرواية؟
ثم جاء مثال صارخ وحديث: في 25 ديسمبر 2025 عندما اعتقلت الشرطة الفلسطينية ثلاثة مشتبهين بإحراق شجرة ميلاد وإتلاف جزء من مشهد الميلاد في كنيسة كاثوليكية في جنين.
السؤال البسيط الذي يفضح المنهج: أين بيانات الإدانة الرنانة؟ أين الاستنفار لحماية المسيحيين حين يكون الفاعل "من البيت"؟
ولأن الكلمات في بلادنا ليست حبرًا فقط، بل قد تتحول إلى فتنة أو حماية، إلى هجرة أو بقاء. ولهذا، من حق المؤمن أن يسأل رجل الدين: هل تقودنا إلى الحق أم إلى المنبر؟
الأسئلة القادمة ليست شخصية… إنها دفاع عن بقاء المجتمع المسيحي.
1) ما تعريفكم لـ"الدور الوطني" للكنيسة؟ وما حدوده؟
هل "الدور الوطني" يعني أن تتحول الكنيسة إلى لافتة سياسية؟
هل يعني أن تصبح الخدمة منصةً تُدار بمنطق الاصطفاف لا بمنطق الرعاية؟
الدور الوطني للكنيسة، إذا كان له معنى، هو أن تكون ضميرًا للجميع. أمّا أن تصبح الكنيسة "فريقًا" داخل مباراة، فهذه ليست وطنية؛ هذه مصادرة للكنيسة باسم شعار.
2) هل ترفضون العنف صراحة وبنفس الوضوح… دائمًا؟
هذا هو الامتحان الذي يفضح كل شيء.
الخادم الذي يصرخ ضد عنف طرف، ثم "يلف ويدور" عند عنف طرف آخر، لا يقود شعبًا، بل يدرّبه على ازدواجية: القتل عند الخصم جريمة، وعند الحليف "ظرفٌ مفهوم".
وهنا يصبح الإنجيل زخرفة لغوية، لا ميزانًا أخلاقيًا.
3) ما مصادر التمويل؟ وهل هناك "توقعات" غير مكتوبة؟
لن أتهم دون دليل، لكنني أصرّ على حق المجتمع في السؤال:
هل يوجد مانحون، مؤتمرات، شبكات علاقات، تفضّل خطابًا معينًا وتكافئه بالمنابر والتمويل والضوء؟
الشفافية هنا ليست ترفًا. هي صمام أمان. لأن السؤال المالي، عندما يُمنع، يتحوّل تلقائيًا إلى شبهة، والشبهة تقتل الثقة حتى لو كان الخادم نزيهًا.
4) هل تنشرون تقارير مالية مدققة؟ ومن هم الشركاء الدوليون؟
إن كنتم تطالبون العالم بالعدالة والمحاسبة، فابدأوا من بيتكم: أين التقارير؟ أين التدقيق؟ أين كشف الشركاء؟
الخدمة التي تتقن البيانات السياسية ولا تتقن كشف الحسابات، تترك الباب مفتوحًا لأسوأ تفسير: أن المواقف تُدار بمنطق السوق لا بمنطق الحق.
5) كيف توازنون بين الدفاع عن الفلسطينيين وعدم الإضرار بمسيحيي اسرائيل؟
يمكنك أن تنتقد إسرائيل بلا مشكلة، لكن ليس على حساب تحويل المسيحيين داخلها إلى "أضرار جانبية".
ويمكنك أن تدافع عن شعب يعيش في فلسطين دون أن تربط الكنيسة بقطار خطابٍ واحد ثم تتعجب لماذا تُستهدف.
والأرقام والتقارير تقول إن المخاوف على المسيحيين ليست نظرية: تقرير مركز روسينغ للتربية والحوار عن عام 2024 وثّق أنماط تحرش/مضايقات ضد مسيحيين وممتلكات كنسية في القدس ومحيطها، مع مؤشرات قلق داخل المجتمع من إظهار الرموز الدينية.
فهل تُعاملون هذا الألم كأولوية رعوية… أم كخبر جانبي؟
6) ما موقفكم من الاعتداء على الكنائس… أيًّا كان الفاعل؟
كي لا يزايد أحد: نعم، هناك اعتداءات خطيرة نُسبت إلى مستوطنين أيضًا.
في يوليو 2025 اتهم رجال دني مسيحيين المستوطنين اليهود بالاعتداء على مواقع مسيحية في بلدة الطيبة، مع مخاوف من الهجرة بسبب الخوف وانعدام الأمان.
لكن الامتحان ليس أن تدين "الخصم". الامتحان أن تدين القريب أيضًا.
وأن تملك الشجاعة لتقول: الاعتداء على المسيحي، من أي جهة، جريمة، لا تُغسَل بالشعار ولا تُخفَّف بالتحفّظات.
7) هل تشعرون بضغط اجتماعي… فتبحثون عن القبول بدل الحق؟
أفهم ضغط الأقليات، وأفهم حساسية العيش وسط توترات. لكن الخادم ليس موظف علاقات عامة.
حين يصبح الهدف "أن نكون مقبولين" في الشارع بأي ثمن، تبدأ التنازلات: اليوم صمتٌ صغير، غدًا تبريرٌ صغير، وبعده تحريضٌ غير مباشر على "الطرف الآمن"… وفي النهاية تصبح الكنيسة أسيرة خوفها من الناس، لا أمينة على الناس.
الخلاصة التي لا تُعجب أحدًا… لكنها حقيقة
الخادم الذي يصرخ فقط عندما يكون الصراخ "مفيدًا سياسيًا"، ويصمت عندما يكون الصراخ "مكلفًا اجتماعيًا"… لا يحمي شعبه.
هو يرسل للمسيحي رسالة قاسية: ألمك مهم إذا خدم الرواية، ومحرج إذا كسرها.
نريد خدامًا ينتقدون إسرائيل إن لزم وبوضوح.
ونريد خدامًا ينتقدون التطرف والاعتداءات من المحيط العربي المسلم المتشدد، وبوضوحٍ مساوٍ.
نريد معيارًا واحدًا: لا عنف، لا تحريض، لا تبرير، ولا صمت انتقائي.
"احسبوا النفقة" قبل أن تبنوا خطابًا يرضي الجمهور! أنتم قد تربحون تصفيقًا، لكن المسيحي البسيط هو الذي يتلقى الضربة.
