إشارات إلى العهد القديم– ج15 ثانيًا وأخيرا: حِفظ وصايا الناموس

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

الإشارتان الرابعة والخامسة

روى متّى ومرقس ولوقا قصّة شابّ يهودي، كان غنيًّا ورئيسًا، تقدَّم إلى السيد المسيح بسؤال ‏عن إمكانية نيل الحياة الأبدية. وإليك رواية متّى: {أيّها المعلّم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون ‏لي الحياة الأبديّة؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحا؟ ليس أحدٌ صالحًا إلّا واحد وهو الله. ولكن إن ‏أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له: أيّة الوصايا؟ فقال يسوع: لا تقتلْ. لا تزنِ. لا ‏تسرقْ. لا تشهَدْ بالزّور. أكرِمْ أباك وأمَّك، وأحِبَّ قريبَك كنفسِك. قال له الشّابّ: هذه كلها ‏حفظتها منذ حداثتي. فماذا يعوزني بعد؟ قال له يسوع: إنْ أردتَ أنْ تكون كاملًا فاذهبْ وبِعْ ‏أملاكك وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني! فلمّا سمع الشاب الكلمة ‏مضى حزينا، لأنه كان ذا أموال كثيرة. فقال يسوع لتلاميذه: الحقَّ أقول لكم؛ يعسر أنْ يدخل ‏غنيّ إلى ملكوت السماوات. وأقول لكم أيضا: إنّ مرور جَمَل مِن ثُقب إبرة أيسر مِن أنْ يدخل ‏غنيّ إلى ملكوت الله. فلما سمع تلاميذه بُهِتوا جدًّا قائلين: إذًا مَن يستطيع أنْ يخلُص؟ فنظر ‏إليهم يسوع وقال لهم: هذا عند الناس غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع}+ متّى ‏‏19: 16-26‏
ومعنى الجَمَل في المعجم الوسيط: الحَبْلُ الغليظ. وفي المعجم الرائد: حبل السفينة الغليظ. ‏
وفي ذِكر السيد المسيح وصايا الناموس (أي الشريعة الموسويّة) إشارتان؛ الأولى إلى سِفر ‏الخروج 20: 12-16 والثانية إلى سِفر اللاويِّين 19: 18‏

ـــ ـــ ـــ

التفسير المسيحي

من يقرأ تفسير الآيات المذكورة، في أزيد من كتاب ومن موقع الكتروني مسيحي، لن يجد ‏اختلافًا بين تفسير وآخر، لكنه يجد تأمّلات كتبها المفسِّرون مستوحاة من الكتاب المقدَّس ‏نفسه، مستشهدين بآياته العِظام. فإليك أوّلًا مقتطفات منها- بتصرّف- بقلم القمّص يوسف ‏تادرس، عِلمًا أنّ في رواية الشاب الغني مواعظ كثيرة:‏
‏[جاء هذا الشاب كأنه يمثّل الأغنياء، وجاءت إجابة السيِّد تكشف عن إمكانيّة دخول الأغنياء ‏الملكوت خلال الباب الضيق. لكن قبل أن يجيبه على سؤاله قال له: {لماذا تدعوني صالحًا؟! ‏ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله} لم يقُلْ للشاب "لا تدعوني صالحًا" إنّما رفض أن يدعوه ‏هكذا- مجرد لقب- ما لم يؤمن بحقّ أنه الصالح وحده. فقد اِعتاد اليهود على دعوة رجال الدين ‏بألقاب لا تليق إلا بالله وحده، وقد أراد السيِّد تحذيرهم بطريقة غير مباشرة، كأنّ السيِّد يقول ‏له: إن آمنت بي أنا الله فلتقبلني هكذا وإلا فلا. هذا وقد أكّد السيِّد نفسه أنه صالح، بقوله: {أنا ‏هو الراعي الصالح}+ يوحنّا 10: 11 كما قال لليهود: {مَن منكم يبكِّتني على خطيّة؟}+ يوحنّا ‏‏8: 46‏
لقد عُرف الأغنياء بالمظاهر الخارجيّة وحُبّ الكرامات، كأنّ السيِّد المسيح بإجابته هذه أراد أن ‏يوجِّه الأغنياء إلى تنقية قلوبهم من محبّة الغِنى بطريق غير مباشر، مع رفض محبّة الكرامات ‏والألقاب المبالغ فيها.‏
وقد أظهر هذا الشاب شوقه للحياة، لذلك قدّم له السيِّد إجابة عن اشتياقه، وكما يقول القدّيس ‏كيرلّس الكبير: [الذين ينحنون أمامه بعنق عقولهم للطاعة يهبهم وصايا ويعطيهم نواميس. ‏ويوزِّع عليهم الميراث السماوي، ويقدّم لهم البركات الروحيّة، فيكون بالنسبة لهم مخزنًا لعطايا ‏لا تسقط] لقد أجابه السيِّد: {إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا} وكما يقول القدّيس ‏أغسطينوس: [إن كنت لا تريد أن تحفظ الوصايا، فلماذا تبحث عن الحياة؟ إن كنت تتباطأ في ‏العمل، فلماذا تُسرع نحو الجزاء؟] لقد دخل السيِّد مع الشاب في حوار حول حفظ الوصايا، ‏حتى يكشف له نقطة ضعفه، ألا وهي محبّة المال. وجاءت النصيحة: {إن أردت أن تكون ‏كاملًا... -الآية-... إلخ] انتهى.‏

كما أورد القمّص في معرض تفسيره عددًا من أقوال آباء الكنيسة القدامى، إليك منها التالي:‏
‏[1 هذه هي ذروة الفضيلة الكاملة الرسوليّة؛ أنْ يبيع الإنسان كل ما يملك ويوزِّعه على الفقراء ‏‏(لو 18: 22) متحرّرًا مِن كل عائق ليعبر إلى الممالك السماويّة مع المسيح. 2 خادم المسيح ‏الكامل ليس له شيء بجانب المسيح. 3 تَرجِمْ كلماتِه إلى عمل، فإنّك إذ تتعرى تتبع الصليب ‏حيث العرس، وتصعد سُلَّم يعقوب الذي يسهل صعوده لِمَن لا يحمل شيئًا. 4 يَعِد الشيطان ‏بمملكة وغنًى ليُحطّم الحياة، أمّا الرب فيَعِدُ بالفقر ليحفظ الحياة]- القدّيس جيروم.‏

‏[إن كان الكنز في السماء، فيكون القلب والعقل والمشاعر في السماء، ولا يستطيع العالم أن ‏يغلب الإنسان الذي ليس فيه شيء يمكن أنْ يُغلَب. إنك تستطيع أن تتبع الرب حُرًّا بلا قيود- ‏كما فعل الرُّسُل- وكثيرون في أيامهم، الذين تركوا مالهم وأقرباءهم والتصقوا بالمسيح ‏برباطات لا تنفكّ]- القدّيس كبريانوس.‏

‏[إن كانت لديهم الإرادة أنْ يرفعوا قلوبهم إلى فوق، فليدّخروا ما يحبّونه هناك. فإنهم وإن كانوا ‏على الأرض بالجسد فليسكنوا بقلبهم مع المسيح. لقد ذهب رأس الكنيسة أمامهم، ليت قلب ‏المسيحي أيضًا يسبقه إلى هناك. فإنّ كل مسيحي يذهب في القيامة إلى حيث ذهب قلبه الآن. ‏لنذهب إلى هناك بذاك العضو (القلب) الذي يمكنه الآن أن يذهب. فإن إنساننا بكلّيته سيتبع قلبه ‏ويذهب إلى حيث ذهب القلب. لنُرسِل أمتعتنا مقدَّمًا إلى حيث نستعدّ للرحيل]- القدّيس ‏أغسطينوس.‏
ومعنى قوله الأخير (لنُرسِل أمتعتنا مقدَّمًا إلى السماء) أي نُكثر من فضائلنا على الأرض ‏وحَسَناتنا فيكون لنا منها رصيد كبير في ميزان الفضائل والحسنات الذي في السماء.

وإليك تاليًا ما اقتطفت مِن تفسير المبشِّر الواعظ هنري أ. أيرونسايد:‏
‏[1 من الواضح أن الشاب أراد أن يقدم له الإكرام، لكن يسوع أوضح حقيقة أن الله وحده هو ‏الصالح. كل الناس خطأة (رومية 3: 12) ولذلك؛ لو كان يسوع إنسانًا فقط لَما كان صالحًا ‏بهذا المعنى المطلق. لكنّه إذْ كان حقًّا صالحًا فهو الله.‏
‏2 لقد كان الناموس يَعِدُ بحياة لأولئك الذين يحفظونه (لاويين 18: 5؛ غلاطية 3: 12) ولذلك ‏أجاب الرب: {إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فاحْفَظِ الوَصايا} وقد قصد بهذا الإعلان أن يُظهر ‏للرجل عجزه عن الحصول على الحياة على أساس حفْظِ الوصايا، لأن الضمير إن كان حيّاً ‏فعّالا، سوف يُدرك أنه قد انتهك الناموس. إن أراد الناس أن يسعوا للحصول على الحياة ‏الأبدية بأن يفعلوا الصلاة فإنّ الناموس يتحداهم أن يبرهنوا على طاعة كاملة. لأن الجميع ‏أخطأوا وليس من الممكن لأي أحد أن يتبرر بأعمال الناموس. إن الناموس يتحدث بقوة مخيفة ‏عن ضميرٍ يقظٍ حي، يجعل المرء يدرك عجزه عن إحراز الحياة الأبدية عن طريق الأهلية ‏البشرية أو الاستحقاق البشري.‏
‏3 {قَالَ لَهُ: أَيَّةَ الْوَصَايَا؟} وهذه كانت محاولة واضحة للتملّص من قوة كلمات يسوع الكاملة. ‏وفي الجواب؛ اقتبس يسوع خَمسًا من الوصايا الرئيسية وختمها بتلخيص الكلّ لتشير إلى ‏واجباتنا نحو إخوتنا البشر مستشهدًا من لاويّين 19: 18 {أَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ} فكيف في ‏إمكان أي شخص، كالذي كان قانعاً بأن يكون ثريّا، أن يعترف أنه يحب قريبه كنفسه بينما ‏الناس المحتاجون والفقراء كانوا يعانون في كل لحظة ومن كل جهة حوله؟ فلكي تصير تلميذاً ‏للمسيح- لتعيش من أجل الآخرين- هكذا تكنز لك كنزًا في السماء. فكان ربنا يسعى ليُظهر كلًّا ‏من الخداع والأنانية ممّا في قلب الإنسان. إن الدعوة إلى التخلي عن كل شيء واتّباع المسيح ‏كانت للإذعان كُلِّياً إلى سلطانه! هكذا نصبح تلاميذ بالفعل وبالحقّ. ‏
‏4 لم يكن لدى الشاب إدراك إلى حاجته الذاتية في كونه خاطئا. لقد فكّر في يسوع بصفته ‏معلِّمًا لا مخلِّصًا! لذا فلم يكن مستعدًّا لأنْ يضع المسيح أوّلًا في حياته، ومثل آلاف من الناس ‏الذين انجذبوا إلى الرب يسوع، مضى حزينًا عندما عَرَفَ شروط التلمذة.‏
‏5 ليست خطيئة أن تكون غنيّا. إن الخطيئة هي أن تجعل الثروة أساسًا للثقة الزائدة وأن تتمتع ‏بوسائل الراحة التي تقدّمها الثروة بينما تنسى آلام الفقراء والمحتاجين ومعاناتهم. عندما يعهد ‏الله بثروة لأي إنسان فبمثابة وكالة وَضَعَها الله بين يديه ليديرها الإنسان ويدبّرها لمجد مَن ‏أعطاه إيّاها. إن محبة المال هي الشّرّ (ا تيموثاوس 6: 10) ليس المال بحد ذاته شرًّا. فقد ‏يصبح المال وسيلةً لبركات لا حدّ لها إذا ما استُخدِمَ بالتوافق مع المسيح. انظر-ي 1 تيموثاوس ‏‏6: 17- 19] انتهى.‏

ـــ ـــ ـــ

وتعليقي، متأمِّلًا في العهدين الجديد والقديم؛ أنّ مَن يريد الحياة الأبدية فليتّبع الرب يسوع ‏المسيح مؤمنًا به فاديًا ومخلِّصًا، حافظًا وصايا الرب وعاملًا بها شكلًا ومضمونًا. والسيد ‏المسيح سيستقبل المؤمن-ة، بعد انتقالهما إلى السماء، بمجد نوره البهيّ وبوداعة العهد الجديد، ‏إذْ كان وديعًا على الأرض ومتواضع القلب ومانحًا الراحة للنفوس التي ظمئت إلى كلمة الله ‏‏(متّى 11: 29) فارتوت مِن بين حشود الناس التي أقبلت إليه. فـ{حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ ‏كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ}+ متّى 13: 43‏
أمّا مَن يرفض الحياة الأبدية التي أعدّها السيد المسيح- ربّ العهدَين والديّان العادل- فإنّ ‏ملائكته سيستقبلون المتكبّر والمُفتَري وسائر أهل الشَّرّ، بقسوة العهد القديم على الأثمة؛ ولا ‏سيّما الأشرار الذين ظنّوا أنهم قدَّموا خدمة لله (يوحنّا 16: 2) بقتل الناس عبر التاريخ  ‏فشرَّدوا أهالي الوطن وهَجّروا وسلبوا ونهبوا وسبوا واغتصبوا واحتلّوا منازل الآمنين ‏المسالمين المساكين. نعم؛ سيحرقهم ملائكة المسيح بنار لا تنطفئ مع إبليس والوحش والنبيّ ‏الكذّاب (الرؤيا 19: 20 و20: 10) كما يُحرَق التبن، هناك في الظلمة الخارجية حيث البكاءُ ‏وصَريرُ الأسنان (متّى 13: 50) لا شَفِيعَ لهم وبِئْسَ المصير. ‏

‎¤ ¤ ¤‎

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
وفي هذا الأصحاح إشارة قول السيد المسيح: إيَّاكُم أنْ تَحتقروا أحدًا مِنْ هَؤلاءِ الصَّغارِ. أقولُ ‏لكُم: إنَّ ملائِكَتَهُم في السَّماواتِ يُشاهِدونَ كُلَّ حِينٍ وجهَ أبي الّذي في السَّماواتِ...
رأينا في كلام الرب {خلقهما ذكرًا وأنثى} أي: ذكرا واحدا ‏لأنثى واحدة وأنثى واحدة لذكر واحد. فلا طلاق ولا تعدد ‏زوجات. أي أن اقتران أحدهما بالآخر كاقتران أعضاء الجسد ببعضها، هذا الاقتران لا يفكه الا...
أنّ صراخ هذين الأعمَيَين قائِلَين: {ﭐرْحَمْنَا يَا سَيِّدُ يَا ‏ابْنَ دَاوُدَ} كان اعترافًا منهما بمَسِيّانيّته. لقد أبصرا الحقيقة بقلبَيهما بأنه ابن داود الموعود الذي ‏سيعطي البصر للعميان ويقوم بـ...
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader