يحتفل العالم المسيحي بـ«عيد الغِطاس»، أو «عيد معموديّة يسوع»، هذه المناسبة التي سجّلتها البشائر الأربع، حيث كان المعمدان يكرز بالتوبة، ويُعمِّد الخطاة، وبينما كان يُعمِّد، جاءه يسوع طالبًا أن يعتمد منه، الأمر الذي أربك يُوحنا فحاول منعَ يسوع، قائلًا له: «أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!»؛ وقد أجابه يسوع قائلًا: «اسْمَحِ الآنَ لأَنَّهُ هَكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ فَرَأَى رُوحَ اللَّهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ». (متى 3: 13-17).
كانت معموديّة يسوع لحظةً فارقةً، لقد انفتحت السماوات؛ وتكلَّم الله بعد فترة صمتٍ دامت نحو أربعمائة سنة؛ كما تجلّى الله مُعلِنًا وكاشفًا بأجلى بيانٍ سرَّ ثالوثه، فهوذا يسوع، ابن الله، في نهر الأردن مُعتمدًا ومرئيًا من معاصريه، والروح القدس آتيًا مثل حمامة وحالًّا عليه، وصوت الأب من السماء متكلمًا؛ وتتناول هذه المقالة معموديّة يسوع وكشف سرَّ الثالوث الإلهي في ثلاث أفكار:
الفكرة الأولى: معموديّة المسيح وسرُّ الثالوث
إنَّ معمودية يسوع مناسبةٌ نادرةٌ، حيث يتجلّى فيها الله كاشفًا سرَّ الثالوث، الأقانيم الثلاثة وهي تعمل معًا وفي انسجامٍ تامّ. إنَّها لحظةٌ أساسيّة وفارقةٌ لفهم الإيمان المسيحي لطبيعة الله الثالوثيّة، ذلك الإيمان المُستمد من كلمة الله المُقدسة، ومع أنَّ كلمة «الثالوث» لا تظهر في نصٍّ صريح ولا مرةً واحدة، إلا أنّنا نلتقي بها مرارًا وتكرارًا على صفحات الكتاب المقدس من التكوين وحتى الرؤيا؛ ومن الأمور المثيرة في معموديّة المسيح أننا نرى بكل وضوحٍ أول إعلانٍ صريحٍ وواضحٍ عن الأقانيم الثلاثة في الثالوث الإلهي: الأب والابن والروح القدس. فنرى الابن يسوع مُتجسِّدًا، ويُعمَّد في نهر الأردن، والأب متكلِّمًا من السماء، والروح القدس مُتجلِّيًا في هيئة حمامة مؤكِّدًا هويّة يسوع ورسالته الإلهيّة. وقد سجَّل البشير يُوحنَّا شهادة المعمدان قائلًا: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لِأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ». (يوحنا 1: 32-34).
لقد كشف الله سرَّ الثالوث واضحًا عيانًا بيانًا أثناء معموديّة المسيح، وسجَّلها الإنجيليون في بشائرهم، وبهذا لا مكان لمن يدّعي أنَّ «عقيدة الثالوث» أنجبتها الكنيسة في عصرٍ مُتأخر، أو أنَّها أُخِذَت من الديانات الوثنية القديمة، أو أنَّ الثالوث ما هو إلا تجلّيات لكل أقنومٍ، أو تبادُلٌ لعصور تُميّز كل أقنومٍ، ففي القديم كان زمن الآب، وفي التجسُّد عصر الابن، ونحن الآن في عصر الروح القدس، أو أنَّ الأقانيم ثلاثة أسماء لشخصٍ واحد هو الله «المودالية/ السابيلية». كما أنَّ سرَّ الثالوث الذي أعلنه الله واضحًا في المعموديّة يُنهي تمامًا محاولات إنكار أزليّة أيٍّ من الأقانيم، وبالأخصّ مَن يُنكرون أزليّة الابن كـ«الأريوسيين»، أو مَن ينكرون أزليّة الروح القدس كـ«الإبيونيين».
ليس أمامنا إلا كلمة الله، وما تُعلنه لنا عن سرِّ الله المُقدَّس: الله الواحد في ثلاثة أقانيم، وستبقى معموديّة المسيح حدثًا كاشفًا وواضحًا وجامعًا في لحظةٍ واحدةٍ للأقانيم الثلاثة مجتمعةً معًا وبشكلٍ واضح.
الفكرة الثانية: معموديّة المسيح قمة الإعلان الثالوثي
كشف لنا الكتاب المُقدّس عن الله الواحد مُثَلَّث الأقانيم، إلا أنَّنا في معموديّة المسيح نرى قمة الإعلان الإلهي عن الله الواحد مُثَلَّث الأقانيم؛ نعم هو إلهٌ واحدٌ وجوهرٌ واحدٌ، لكنَّ وحدانيته تأتي في ثلاثة أقانيم تتميّز فيما بينها. هذا ما يُخبرنا به الكتاب المقدس، ففي افتتاحيّة سفر التكوين نقرأ: «فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ؛ .. وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تكوين 1: 1؛ 26)؛ في هذه الآيات وغيرها مما ورد في الكتاب المقدس، تأتي لفظة الجلالة في اللغة العبريّة «إيلوهيم בראשׁית» في صيغة الجمع، ولم يُقصَد بها التفخيم أو التعظيم، لأنَّ هذه الصيغ لم تكن معروفة آنذاك. وقد استخدم الله ذاته صيغة المفرد في أكثر من موضعٍ قائلًا عن نفسه: «أَنَا تُرْسٌ لَكَ» (تكوين 15: 1)؛ «أَنَا اللهُ اَلْقَدِيرُ» (تكوين 17: 1). وهكذا يذكر العهد القديم الكثير من النصوص والأحداث والأعمال التي تؤكد على ثالوثيّة الله الواحد.
أمَّا إذا انتقلنا إلى العهد الجديد، فتأتينا إشارات واضحة عن ثالوثيّة الله، ففي بدايات بشارة لوقا، وتحديدًا في رد الملاك جبرائيل على سؤال العذراء حين أخبرها بأنَّها ستحمل وتلد ابنًا، سألته قائلة: «كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟». وكانت إجابة الملاك قاطعةً، إذ قال لها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ». (لوقا 1: 34-35).
ثم يتردد صدى التعليم بثالوثيّة الله في أسفار العهد الجديد كافة، ونرى ذلك في ذكر الإنجيليين أحداث ومشاهد معموديّة المسيح، التي تجلَّى وتجسَّد فيها الثالوث واضحًا، فيكتبون: «فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ فَرَأَى رُوحَ اللَّهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ» (متى 3: 16، 17؛ مرقس 1: 9-11؛ لوقا 3: 21-22).
ثمّ في تأكيدات وأقوال المسيح أكثر من مرةٍ قائلًا: «وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (يوحنا 14: 26؛ راجع أيضًا يُوحنا 15: 26؛ متى 28: 19). مرورًا بتعاليم الرسل، والتي يُمكننا أن نتخذ من البركة الرسوليّة نموذجًا، والتي يقول الرسول بولس فيها: «نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ» (2كورنثوس 13: 14). وفي ختام العهد الجديد، يُقدِّم لنا سفر الرؤيا صورة حيّة عن ثالوثيّة الله، قائلًا: «.. نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ الْكَائِنِ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، وَمِنَ السَّبْعَةِ الأَرْوَاحِ الَّتِي أَمَامَ عَرْشِهِ» (رؤيا 1: 4). كما أنَّه أوضح صورةٍ للآب والابن والروح القدس على العرش وحوله، وهم يتلقّون العبادة ويُمارسون العمل الإلهي.
لقد كان إعلان الله عن نفسه في الكتاب المقدس إعلانًا واضحًا لا يقبل الشك أو يحتاج إلى تفسير؛ إنَّه الله الواحد مُثَلَّث الأقانيم. ففي حين أعلن عن وحدانيته بكلماتٍ قاطعة قائلًا: «إِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ» (تثنية 6: 4)، وهو ما أكَّد عليه المسيح (مرقس 12: 29)، نراه يُعلن ويؤكِّد ثالوثيته بأجلى بيانٍ في حدث المعموديّة: فنسمع صوت الآب ونرى الابن في نهر الأردن، والروح القدس كحمامة نازلًا عليه. إنَّها لحظة أساسيّة لفهم الله في الإيمان المسيحي كجوهرٍ واحدٍ في ثلاثة أقانيم، لكلٍّ منهم دوره في الخلاص.
الفكرة الثالثة: الثالوث والخليقة الجديدة
رأينا الله الثالوث خالقًا للسماوات والأرض، وقد أبدع الله في خَلْقِه، وكان يكفي أن يتكلَّم الله لتُخْلَق كل الخلائق، وكان الله يرى أنَّ كل ما عمله حسنٌ، ثم قرر الله «مُثَلَّث الأقانيم» عملَ الإنسان، فيقول: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا.. »، وقد كان، ثم منحه سلطانًا وجعله رأسًا على كل الخليقة. وفي معموديّة يسوع يعود بنا البشير متى إلى تلك الصورة التي خلق الله فيها الإنسان الأول، فيتكلَّم الله من السماء، وروح الله في هيئة حمامة يستقر على يسوع. إنّها لحظة «خليقةٍ جديدةٍ»، رأسها الإنسان الثاني: يسوع. وإن كانت الخليقة الأولى سقطت في آدم الأول، ها هو آدم الأخير يُؤسس لخليقةٍ روحيّة أبديّة لا تسقط. هذا ما عبَّر عنه الرسول بولس حين قال: «صَارَ آدَمُ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ نَفْساً حَيَّةً وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً». لَكِنْ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ وَبَعْدَ ذَلِكَ الرُّوحَانِيُّ. الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ». (1كورنثوس 15: 45-47)، وقد ردد أحد آباء الكنيسة في القرن الرابع هذا الإيمان قائلًا: «مثلما كان خَلْقُنا الأول من عمل الثالوث، كذلك فإنَّ خليقتنا الثانية هي عمل الثالوث. فالآب لا يفعل شيئًا بدون الابن أو الروح القدس، لأنَّ عمل الآب هو أيضًا عمل الابن، وعمل الابن هو أيضًا عمل الروح القدس. لا توجد سوى نعمةٌ واحدةٌ ونفسُها للثالوث. وهكذا نخلص بالثالوث، لأننا في البداية كنّا خِلْقَةَ الثالوث وحده».
يخبرنا البشير يُوحنا أنَّ هذه الخليقة الجديدة تحققت بمشيئة الله، فلم نَرِث كمؤمنين الطبيعة الجديدة من آبائنا، ولم نقرر إعادة خلق أنفسنا من جديد. ولم يقم الله ببساطة بتطهير طبيعتنا القديمة؛ بل خلق شيئًا جديدًا وفريدًا تمامًا. ووحده الله الثالوث القادر على إنجاز هذا العمل العظيم.
وفي الختام، نرى كيف أعلنت لنا معموديّة يسوع عن وجود خليقتين: واحدة أرضيّة تُرابيّة، والثانيّة سماويّة روحانيّة. وعبر التاريخ الإنساني نرى مَن يتبعون آدم، الإنسان الأول التُرابي، فيبقون أرضيين تُرابيين، وهناك مَن يرتبطون بالإنسان الثاني السماوي، فيصيرون سماويين، ويُمنحون الحياة الأبديّة. والسؤال: أيّ إنسان أنت؟
