نقرأ في إنجيل متى الأصحاح الخامس عشر عن الحوار الذي كان بين الرب يسوع والفريسيين والكتبة، لأن التلاميذ لم يغسلوا أيديهم قبل الطعام، وغالبًا كان تركيز رجال الدين على الأمور الخارجية مثل الطعام والشراب واللباس، ولم يهتموا بحالة القلب الداخلية، مثل الإيمان الحقيقي الذي يُولِّد الرحمة والحق والأمانة في القلوب قبل كل اعتبار، وبعدها الأمور الخارجية، لأن عند الله لا يوجد شيء نجس بحد ذاته، بل كما قال الكتاب أن القلب نجس، ومن يعرفه غير الله!
لذلك تحول يسوع عن هذه الجدالات التافهة مع الفريسيين والكتبة، كما يجب علينا أن نتجنب نحن اليوم كل جدال غير نافع، كما أوصى بولس تيموثاوس، كذلك كل خادم ومؤمن.
خرج يسوع من هناك، خرج يسوع من دائرة دينونة الآخر والرياء، والتقى بامرأة كنعانية متألمة ومحتاجة لمعونة الرب الصادقة، لأنها هي أيضًا خرجت من تلك التخوم، خرجت ربما من دائرة دينونة العائلة المقربة لها وحالة ابنتها، خرجت من دائرة سقطات وأخطاء الماضي لتلتقي بالمسيح الحي صاحب الرجاء والأمل الحقيقي.
في بداية هذا اللقاء المبارك صرخت هذه المرأة المسكينة للرب يسوع قائلة:
"أرحمني يا سيد يا ابن داود، ابنتي مجنونة جدًا".
كلام قليل لكنه مُعبر جدًا عن صرخة أم متألمة جدًا لحالة ابنتها الروحية قبل الجسدية، وما أحوجنا نحن اليوم أن نهتم بأمورنا الروحية وعلاقتنا بالرب يسوع قبل أي اعتبار آخر، قبل الاهتمام بالطعام والشراب واللباس وغسل الأيدي! لأن ممارسة هذه الأمور والتديُّن بحد ذاته لا يخلصنا، وعدم ممارستها لا يُفقدنا خلاصنا!
الرب يسوع ليس بحاجة لكلام كثير أو صراخ ولا حتى رفع الصوت وقت صلواتنا، لأنه عالِم باحتياجاتنا قبل أن ننطق بها، لكنه يريد توجهًا قلبيًا صادقًا ومتواضعًا مثل صدق إيمان الكنعانية وتواضع قلبها مثل سيدها...
دعت المرأة الكنعانية يسوع يا سيد، فكيف علمت أنه السيد الرب الإله؟ كيف عرفت أنه صاحب القدرة للشفاء من الأرواح النجسة كحالة ابنتها والشفاء من الأمراض؟ مع أننا لا نقرأ أنها كانت من أتباع الرب يسوع، علمت الكنعانية كل هذا لأن الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله، كما علم بولس كنيسة رومية، ويحثنا الكتاب نحن اليوم أن نخبر الجميع عن يسوع الرب المخلص الشافي والمحرر العظيم من الأرواح النجسة، ومن كل كذب وتدين لا يخلص ولا يغير القلب!
عرفت الكنعانية أن يسوع هو السيد، كذلك أنه ابن داود، أي أنه من سلالة الملوك، لأن يسوع هو ملك الملوك ورب الأرباب، وملك ملوك الأرض كما نقرأ في رؤيا يوحنا، لكن مع كونه الملك العظيم فهو أيضًا ابن داود، ابن الإنسان، ابن العذراء الذي تجسد وتواضع، وتألم من أجلنا أيضًا، لأنه جاع وعطش وتألم وتعب ورُفض واضطُهد، ولأنه جُرب بكل هذه الأمور فهو قادر أن يعين ليس فقط ألم الكنعانية، بل ألمنا جميعًا، الألم الروحي والنفسي والجسدي أيضًا.
توجهت المرأة الكنعانية ليسوع من أجل ابنتها، لكن يسوع لم يجبها بكلمة!
هل لأن يسوع لم يكترث بحالة المرأة وابنتها؟
حاشا، لأن ربنا يسوع هو الحنان الرحيم، طويل الروح وكثير الرحمة، وكما نتعلم من الملك داود في كتاب المزامير:
"انتظارًا انتظرت الرب، فمال إليَّ وسمع صراخي"
حتى لو اعتقدنا أن الرب لا يسمع لنا ولصلواتنا، لكنه يسمع دائمًا صرخة القلب المُتألم والمتواضع، وهو الذي قال:
"في وقته أُسرع به، يقول الرب".
استمرت المرأة الكنعانية بطلب المعونة من يسوع، بعد أن طلب تلاميذه بأن يصرفها!
وكان رد يسوع أنه لم يُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، ومع أن المرأة لم تكن من شعب إسرائيل الضال، لكنها وثقت بقلب يسوع المُحب، لذلك قالت له يا سيد أعني، واختصرت الكلام والصلاة إلى الحد الأدنى!
نقرأ في كتب العهد القديم كيف أن الله أراد منذ الأزل خلاص جميع الأمم، وليس فقط أمة أو شعب واحد كما يظن البعض حتى في أيامنا هذه، كما أعلن النبي أشعياء:
"التفتوا إليَّ وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض، لأني أنا الرب وليس مُخلِّص غيري".
فمن هنا نرى أن الدعوة كانت للجميع لأن الله يُحب العالم أجمع، ومع أن الرب جاء إلى خاصته، وخاصته لم تقبله، لكن كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، بالإيمان بيسوع المسيح وليس بالانتماء لشعب أو دين أو عقيدة معينة!
قال يسوع أنه جاء إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، وهذا كلام صحيح لأن الشعب القديم ضل عن الإيمان الأقدس بيسوع المسيح، لذلك كلام يسوع كان موجهًا أيضًا لتلاميذه الذين كانوا من شعب إسرائيل، وهم أيضًا مصيرهم الضلال إن لم يقبلوا دعوة يسوع لهم، كما حدث للأسف مع يهوذا الإسخريوطي!
استمرت الكنعانية بطلب معونة يسوع رغم أنها لم تكن من شعب إسرائيل، وكان رد يسوع لها:
"ليس حسنًا أن يُؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب".
أنا لا أعتقد أبدًا وبشكل مُطلق، أنه من الممكن أن يُهين يسوع أحدًا بل بالعكس، فهو الذي تعامل مع الخطاة والزواني، الأمر الذي دفع الفريسيين ورجال الدين لانتقاد يسوع.
كان هذا المثل للأسف يردد في تلك الأيام، باعتقاد أنه كل من لا ينتمي للأمة اليهودية فهو حقير وقيمته قليلة حتى أنه كلب!
ربما كان هذا المثل موجهًا لتلاميذ يسوع، أن الفصل بين عهد البنين وعهد "الكلاب" انتهى في عهد يسوع المسيح، لأننا جميعًا أولاد لله بالإيمان بيسوع المسيح، وكلنا كنيسة أبكار، وكلنا غالون على قلب الرب لدرجة أن الرب يسوع المسيح امتدح إيمان المرأة الكنعانية عندما قال لها:
"عظيم إيمانك، ليكن لكِ كما تريدين"،
فشُفيت ابنتها في تلك الساعة.
ما أعظم وما أمجد ربنا المعبود يسوع المسيح، الذي نظر إلى قلب المرأة المتألمة والمكسورة، التي جاءت إليه بإيمان صادق وتواضع كبير، لدرجة أنها "اكتفت" بالفتات من مائدة الأرباب، لذلك سوف نرى تلك الكنعانية على المائدة مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في الملكوت، وأبناء الملكوت الذين رفضوا يسوع المسيح المخلص والرب، سوف يُطرحون في الظلمة الخارجية، في الجحيم، حيث البكاء وصرير الأسنان إلى الأبد...
قال رب المجد يسوع للمرأة الكنعانية عظيم إيمانك، لأنه بالفعل كان إيمان تلك المرأة الغريبة الجنس عظيمًا، لأنها رأت بيسوع مخلص العالم والإله القدير، لأنها أتت ليسوع بانكسار وقلب صادق وتواضع، ولم تطلب لذاتها بل لابنتها.
ربما ملأ اليأس قلوبنا نحن اليوم، من حالة أولادنا أو شريك حياتنا إن كان الزوج أو الزوجة، أو ربما أتعبنا أخ في الكنيسة، أو أحد الجيران أو شريك في العلم أو العمل، فهل نملك نحن اليوم هذا الإيمان القلبي الصادق، حتى وإن لم يكن عظيمًا كإيمان الكنعانية، حتى وإن كان صغيرًا كحبة الخردل، فلا بُد أن يستجيب الرب لصراخ أولاده الذين يصرخون إليه نهارًا وليلًا، فإنه سوف يستجيب لا محالة!
نقرأ في كتاب زكريا في العهد القديم في الأصحاح الأخير، أنه في ذلك اليوم لا يكون كنعاني في بيت رب الجنود.
لكن في عهد يسوع المسيح، عهد النعمة والمحبة الإلهية، نرى أن الكنعانية دخلت إلى نعمة الله ودخلت إلى ملكوت السماوات،
فهل نقبل نحن بالإيمان القلبي الصادق والتواضع الحقيقي، أن ندخل إلى ملكوت الله الأبدي، نحن وأحبائنا وعائلاتنا؟
