يُعتبر عامل الوقت من أهم العوامل التي تؤثرعلى مجرى حياتنا اليومي.

فكل واحد منا عندما يستيقظ صباحاً، يكون له جدول أعمال في فكره، والذي عادة يقود حياتنا وكيف نرتب أمورنا، وكيف يمكننا إنجاز المهام الكثيرة في كل يوم.


تعلمنا كلمة الرب أن لا ننجر ولا ننجرف في تيار الحياة، بل ان نستيقظ كل صباح، ونكون بشركة مقدسة مع الرب الإله خالق السماء والأرض، والذي بيده كل سلطان مما في السماء وما على الأرض، فلماذا اذا القلق والإنشغال المفرط به في أمور حياتنا اليومية ؟!

طبعًا هذا لا يعني ان نهمل عائلاتنا، أعمالنا، إلتزاماتنا الشخصية والعامة، بل بالعكس علينا ان نتمم كل شيء وضعه الرب بين أيدينا على احسن حال، ولكن من دون ان تسيطر علينا هذه الأمور وهذه الالتزامات، لدرجة أنها تفقدنا احيانًا الشركة المقدسة مع ربنا المعبود.

وكما علمنا ربنا أنه يكفي كل يوم شره، بما معناه أن لا نعيش في حسرة الماضي، وأن لا نكون أسرى القلق والخوف من المستقبل، بل أن نعيش كل يوم مع الرب، وقيادة روحه القدوس، لكي نتمم كل أمور حياتنا على أفضل حال، ان كانت الإلتزامات المادية أو الروحية.


نقرأ في المزمور الأربعون ما كتبه داود الملك عن موضوع الإنتظار فيقول :


" انتظارًا انتظرت الرب، فمالَ اليَّ وسمع صراخي " 

يقول داود انتظاراً انتظرت الرب، وكلنا نعلم كم كانت حياة الملك داود مليئة بالتحديات الروحية والمادية، إن كان في قيادة شعب الرب في ذلك الوقت، أو ترتيب أمور حياته الخاصة، ونعلم كم واجه تحديات صعبة جداً منذ دعوة الرب له، وكل ايام حياته.

فنراه يواجه بحكمة وهدوء استهزاء اخوته له، عندما اختاره الرب ومسحه ملكاً لشعب اسرائيل، إلى اضطهاد الملك شاول ومطاردته له، الخلاف مع إبنه ابشالوم ومحاولة نزع المُلك منه، خطايا الزنى والقتل وأيضًا أمور صعبة جداً حدثت داخل عائلته.


ولكن ما كان يُمَيِّز داود عن ملوك آخرين، أنه عرف دائماً ان رحمة إلهه اعظم من ضعفه وتحديات حياته، بل ومن خطاياه أيضاً، فنراه دائماً يطلب وجه الرب ويحاول من كل قلبه ارضاء إلهه وصنع مشيئته،

ومن أهم العوامل التي ساعدته كثيراً على ذلك أنه عرف جيداً انتظار إلهه، وفي أحلك الظروف وفي أشد الحروب كان يلجأ الى الرب ويطلب مشورته الصالحة، وكان في معظم ظروف حياته منتظراً للرب وتوجيهه.


فيقول داود انتظاراً انتظرت الرب، أي انه لم يكن يَمِل ولا يخور وقت الصعوبات، بل كان ينتظر الرب بهدوء وحكمة، من دون أي تذمر أو دمدمة، الأمر الذي لم يتعلمه ولم يلتزم به الملك شاول، عندما لم يطع ولم ينتظر الرب حتى أنه فقد مملكته بل وحياته ايضًا !


وهذا ما نتعلمه اخوتي من رجل الله داود، أن ننتظر الرب من كل قلوبنا، ننتظره هو وحده، من دون غضب أو ملل، وأن لا نتعلم لغة التذمر حتى اذا لم يستجب لنا الرب فوراً، بل انتظاراً ننتظر الرب وحده، لأنه له وحده القدرة والسلطان المطلق على مجريات حياتنا، بل وعلى احداث العالم، فهو من يفتح ولا أحد يغلق، وهو الذي يغلق ولا أحد يفتح، فلماذا إذاً العجلة والتذمر والملل ؟


نعم انه أمر صعب علينا جميعاً، انتظار الرب في أمور حياتنا، وخاصة الصعبة منها إن كان الأمر يتعلق مثلاً بمرض معين، يهدد حياة أحبائنا، مثل ما حدث مع مرثا ومريم، عندما اخبرتا الرب يسوع عن مرض لعازر، وكيف ان لعازر مات بعد أن " تأخر " الرب ولم يذهب ليشفيه في الحال، ولكن نعلم ان الرب تمجد عندما اقام لعازر من الموت، لأن حكمة الله غير حكمة البشر. 

فهل ننتظر نحن الرب أم نلجأ الى موارد أخرى، لكي ننال ما نبتغيه؟  كل أمر نناله، وهو ليس حسب مشيئة الله لنا حتى وإن كان حسن في أعيننا، لكنه سوف يضرنا ويعيق علاقتنا وشركتنا مع الرب يسوع، خاصة إن لم نعطي له كل المجد والكرامة على كل نجاح كان في حياتنا، بل سوف يصبح صَنَم في حياتنا لأننا لم ننتظر الرب وحده.


يتابع الملك داود بأن الرب مال إليه وسمع صراخه، وهذا أمر مهم جدا ان ندركه ان الهنا يسمع صراخنا وانين قلوبنا، حتى وان لم نرى الرد والإستجابة فورية، لكن الله يسمع صراخ المسكين، يميل إليه ويحتضنه، ويهمس في أذنه قائلًا :

" انا معك يا ابني لا تقلق ولا تخاف، ثق في محبتي لك، ثق في حكمتي وقدرتي، لأني في وقته اسرع به، عندي خطة عظيمة لحياتك، انتظرني فقط ".


إن كنا نعاني اخوتي من مرض معين، احتياج مادي أو روحي، إن كان في حياتنا ضعف معين، فلننتظر الرب وحده، فهو سهران على كلمته لكي يجريها، هو قادر أن يمد يده الشديدة ويخرجنا من جُب الهلاك كما اخرج داود ايضاً، وهو قادر أن يستخدم الظروف أو حتى اشخاص معينين حسب فكره وخطته لنا، لأنه هناك بعض القرارات في حياتنا لها ثقل كبير، كاختيار شريك الحياة مثلًا، أو اختيار موضوع للدراسة أو مهنة معينة، كذلك في حقل السيد علينا ان نتأنى ونسأل الرب ماذا يريد منا ان نفعل، وعلى أي محراث نضع أيدينا، وان لا نبادر نحن بفكرنا البشري في هذه الأمور الكبيرة، ولا حتى القرارات في الأمور الصغيرة، ولا ننسى ابداً ان الثعالب الصغيرة، هي التي تفسد الكروم، فلنحذر من اتخاذ أي قرار بشكل سطحي، ولنصلي ونطلب وجه الرب وحده، وهو كفيل ان يرشدنا حسب مشيئته الصالحة لنا، وان لا ننسى أبداً ان كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق، نازلة من عند أبي الأنوار، الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران ( يعقوب 17:1 ).


وقت الألم الشديد أو اي احتياج آخر، عندما ننتظر الرب، نختبر ايضًا تعاملات الله معنا، ليس فقط في تسديد الإحتياج، في نيل الشفاء أو اي شيء آخر، لكننا في ذلك نقوي علاقتنا وشركتنا مع الرب الذي يحبنا، ونختبر صلاحه ورعايته لنا وقت الظروف الصعبة، وهذا الأمر يقوي ايضاً شركتنا مع شعب الرب الكنيسة، كذلك يعطينا الفرصة ان نفهم آلام واحتياجات الاخوة، إن كانت روحية أو مادية، ونكون سبب بركة وتعزية لكل محتاج ومتألم، كما أعاننا الرب وسدد احتياجنا، نكون مثال صالح للآخرين وشهادة حسنة بانتظار الرب، لكي نختبر نحن جميعاً عمل الرب في حياتنا ومن هم حولنا، إن كان في عائلاتنا، في الكنيسة وفي أماكن عملنا، فهل نحن سبب بركة لمن هم حولنا، نُعَلِّم الاخرين انتظار الرب في شهادة حياتنا قبل كلامنا، أم أننا لا نكف عن التذمر والبكاء على ظروفنا الصعبة ؟


اخوتي لنتعلم من بولس الرسول، الذي تألم جداً ممن هم من خارج، وللأسف الشديد ممن هم من الداخل ايضاً، وصلاتي ان لا نكون نحن سبب ألم أو شدة لأي أحد، إن كان من خارج وطبعًا من الداخل أيضاً بل قبل كل شيء، داخل الكنيسة !


وأعظم مثال لنا، هو رب المجد يسوع المسيح، لأنه تألم كثيراً لكنه انتظر دائماً تعزية وإرشاد الآب القدوس له، حتى انه مَجَّد الله في كل ما صنع على الأرض، وأعظم ما تممه هو أنه استهان بالخزي واحتمل الصليب، صليب العار، فلنتشبه نحن بربنا لكي لا نتذمر وقت الألم والإحتياج، بل نمجد اسمه القدوس وحده مع الآب السماوي، وكما قال اشعياء، يا رب، تراءف علينا، إياك انتظرنا، كن عضدهم في الغدوات، خلاصنا ايضًا في وقت الشدة ( اشعياء 2:33 ).


هل ننتظر نحن الرب ؟

إنه سؤال هام جداً يجب على كل واحد منا الإجابة عليه بصدق أمام الرب، كذلك نحن ككنيسة، هل ننتظر الرب في اجتماعاتنا وخدماتنا، أم أنها اصبحت أمور روتينية نعمل بها ما نريد، نصلي ونرنم كما نشاء بل ونعظ كما نريد نحن، أم أننا ننتظر الرب لكي يقود بروحه القدوس حياتنا واجتماعاتنا، ونقول له وحده، اقبل انت يا رب المجد وحدك، في حياتنا، عائلاتنا وكنائسنا ايضاً.

فهذا ما أوصى به الرب يسوع، عندما كان مجتمعاً مع التلاميذ، أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعوه من الرب، لأن يوحنا عمد بالماء، وأما انتم فستتعمدون بالروح القدس.

فما أحوجنا إخوتي بهذه الأيام الصعبة، والتي نرى بها تعاليم غريبة وأمور صعبة تحدث حتى " في الداخل "، أن يرشدنا الرب بروحه القدوس، لكي نختبر عمله المبارك في حياتنا كأفراد وكنائس.


أحبائي، كثيرون يقولون لنا هكذا :

" أين هو موعد مجيئه ؟ ( يسوع المسيح ) لانه من حين رقد الآباء كل شيء باقٍ هكذا من بدء الخليقة. "( بطرس الثانية 4:3 ).

يتابع بطرس في العدد الثامن قائلا :

" لا يخفَ عليكم هذا الشيء الواحد ايها الاحباء، ان يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيوم واحد. لا يتباطأ الرب عن وعده كما يحسب قوم التباطؤ، لكنه يتأنى علينا، وهو لا يشاء ان يهلك اناس، بل ان يُقبِلَ الجميع الى التوبة.

يتابع قائلا :

أي أناس يجب ان تكونوا أنتم في سيرة مقدسة وتقوى ؟ منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الرب، الذي به تنحل السماوات ملتهبة، والعناصر محترقة تذوب، ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة، وارضًا جديدةً، يسكن فيها البِرّ. "


وكما دون لوقا في كتاب أعمال الرسل الأصحاح الأول:

" أيها الرجال الجليليون، ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء؟ إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم الى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا الى السماء ".


فمن ننتظر نحن في هذه الأيام، إفتقاد الرب لشعبه وسرعة مجيئه، أم نقول كما تنبأ اشعياء على أورشليم: " لنأكل ونشرب، لأننا غدًا نموت".

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا