ترنيمة القدّيسة مريم العذراء - (2) ابتهاج وتطويب

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

وتبتهج روحي بالله مخلّصي: خاطبت القدّيسة مريم الله باعتباره الرّب والمخلّص. أي أن الله بالنسبة لها هو مخلّصها وربها. وكثيرون اليوم ممن يعظمون القدّيسة مريم بشخصها، لا يعرفون الله كرب ومخلّص لحياتهم. لقد نظرت القدّيسة مريم إلى الله ورأت مجده وجلاله، وفي نفس الوقت اختبرت نعمته وخلاصه.

القديسة مريم العذراء

لم يأت ابتهاج القدّيسة مريم من فراغ، بل جاء لأسباب مميزة وفريدة، فقد تم اختيارها من بين كل النساء لتصبح أم مخلّص العالم، وسوف تخلّد في سجل السّماء وعلى ألسنة الأجيال المتعاقبة في التطويب والتكريم.

ابتهجت القدّيسة مريم بالله مخلّصها، وليس بنفسها. أي أن الله كان مصدر ابتهاجها، وهو ما يزال مصدر ابتهاج كل من يؤمن به في أيامنا. فهو مصدر الحب، ومنه الفداء، وفيه لنا النجاة، وعلى اسمه لنا رجاء الحياة الأبدية. 

يخلَّصنا الله من الخطيّة، ومن عقاب الخطيّة. كذلك يخلصنا من نار جهنم، ومن حياة الخوف والقلق الدائم. وهذا هو الخلاص الّذي ابتهجت به القدّيسة مريم العذراء، وهو ذات الخلاص الّذي نبتهج به اليوم. وكذلك فإنّه نفس الخلاص الّذي ابتهج به نبي الله الملك داود قبل ألف عامٍ من ابتهاج القدّيسة مريم العذراء، وذلك عندما نطق بمزمور التّوبة قائلًا: "رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي. 13فَأُعَلِّمَ الأَثَمَةَ طُرُقَكَ، وَالْخُطَاةُ إِلَيْكَ يَرْجِعُونَ. 14نَجِّنِي مِنَ الدِّمَاءِ يَا اَللهُ، إِلهَ خَلاَصِي، فَيُسَبِّحَ لِسَانِي بِرَّكَ". (مزمور 12:51-14). إنّ أهم وأعظم عمل يصنعه الله في حياة أي إنسان، بما في ذلك القدّيسة مريم العذراء، هو الخلاص الأكيد والتّام والنّهائي. وقد خلّص الله القدّيسة مريم العذراء وقدّسها بالتمام، وبالتالي هيأها لتحمل في أحشائها الطفل الموعود يسوع. الخلاص مفتاح السّماء، فبدون خلاص الرّب لا يمكن دخول ملكوت الله. وهذا العمل العظيم، أي عمل الخلاص، صنعه الرّب في حياة القدّيسة مريم.

تبيّن كلمات القدّيسة مريم، أنه يوجد لفرحها بعدٌ مهمٌ جدًا، وهو فرح بالخلاص المجيد والأكيد الذي يقدمه الله لكل من يؤمن به. لقد اعترفت مريم بملىء الفم وبكل تواضع وتلقائية قائلةً: "تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مخلّصي". (لوقا 47:1). والخلاص عادة يكون من الخطيّة وعقابها. علينا هنا أن نتذكر ما قاله الرّب يسوع المسيح بأنّه "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" (متّى 17:19).. ولكن عند الحديث عن البشر، والقدّيسة مريم هي إنسان مثل غيرها من البشر، فإن الكتاب المقدس يعلن بكل قوة ووضوح في رسالة بولس الرّسول إلى أهل رومية 12:5 أنّه "بإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الخطيّة إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالخطيّة الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ". كذلك نقرأ في رسالة رومية 10:3 -12 "كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ. 11لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. 12الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ". وأيضًا في رومية 23:3 "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ". ونقرأ في العهد القديم في سفر أخبار الأيام الثاني 36:6: "لَيْسَ إِنْسَانٌ لاَ يُخْطِئُ". كما نقرأ في نبوة إشعياء 6:53: "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، ". 

عادة يبتهج الناس ويفرحون بولادة طفل في الأسرة، أو بزواج ابنة أو ابن، أو بالتخرج من المدرسة أو الجامعة، أو بإيجاد وظيفة، أو الحصول على هدية أو منصب أو كمية من المال. ولكن سرعان ما تزول هذه الأسباب، ويغزو الهم والغم القلوب. ولكن الفرح بالرّب لا ينتهي، والابتهاج بالخلاص يتجدد كل يوم. ويأخذ المؤمن المسيحي وصية الله القائلة "اِفْرَحُوا فِي الرّب كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا " (فيلبي 4:4) مأخذ الجد، ويعيش ويختبر الفرح بالرّب كل أيام حياته، وذلك لأن "فَرَحَ الرّب هُوَ قُوَّتُكُمْ" نحميا 10:8).

فرحت القدّيسة مريم بخلاص الله لها، وبتقديسها لخدمة شخصه القدّوس.
فرحت القدّيسة مريم لأنها حبلت بقوة الرّوح القدس بمسيح الرّب.
فرحت مريم في إعلان محبّة الله لها عمليًّا في اختيارها. 
فرحت القدّيسة مريم بمعرفة محبّة الله الّتي ترفع المتواضع، أي أنها فرحت بمعرفة أن الله قد رفع من شأنها.
وفرحت في معرفة أن الله عادل وأمين لوعوده.
وفرحت في تجسد الله في شخص طفلها القادم الرّب يسوع المسيح.

لأنه نظر إلى اتضاع أمته: عندما دعا الله جدعون لمحاربة جيش مديان الكثير العدد، اعترف جدعون بكل تواضع قائلًا "هَا عَشِيرَتِي هِيَ الذُّلَّى فِي مَنَسَّى، وَأَنَا الأَصْغَرُ فِي بَيْتِ أَبِي". (سفر القضاة 15:6). وحال النّاس لم يتغيّر حتّى اليوم. فقد يكون الواحد منا وكأنه لا شيء في تقييمه لذاته، أو في نظرة الناس إليه. أو قد يكون موضع تحقير وإذلال، ويكون من أسرة فقيرة او بسيطة. وقد لا يحمل شهادة جامعية أو حتى مدرسية. ولكن فكر الله عن أي انسان منّا يختلف تمامًا عن فكر ورأي النّاس. فكل واحدٍ منّا مخلوق على صورة الله، كذلك فإنه محبوب في نظر الله. لذلك علينا أن نبتهج ونفرح بالله.

عند دراسة الكتاب المقدس، نلاحظ بوضوح وجلاء تام أنَّ الله اختار في معظم الحالات الناس البسطاء والفقراء لإتمام مقاصده في الأرض: فقد اختار موسى الراعي المشرد ليصبح قائدًا لشعبه. واختار يوسف المنبوذ والمكروه من إخوته، ورفعه من السجن والعبودية إلى أعظم مركز في مصر بعد فرعون مباشرة. واختار شابًا مسبيًّا في بابل اسمه دانيال ليكون في منصب رفيع في بلاط الملك. واختار صيادي سمك وعشّارين ليكونوا رسلًا له. وبنفس الطّريقة والمعنى، نظر الله إلى بساطة مريم واتضاع مركزها الإجتماعي، ورفعها لتكون مطوبة من كل الناس، وفي كل الأجيال، وعلى مدى التّاريخ.

فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبني: عمل الله في حياة القدّيسة مريم، واختارها لتكون أم المخلّص. ولم يكن هذا العمل تكريمًا وقتيًا، بل سيستمر ما دام الجنس البشري. لذلك قالت "جَمِيعُ الأَجْيَالِ"، وليس فقط الجيل الذي كان يعيش في ايامها. وهذا يشملنا اليوم في القرن الحادي والعشرين، وسيشمل الأجيال القادمة حتى مجيء الرّب يسوع ثانية.

كلمة "تطوّبني" في اللغة العربيّة هي ترجمة للكلمة اليونانية μακαριοῦσίν (مكاريوسن)، وأصلها الفعل μακαρίζω (مكاردزو)، وتعني: يبارك، ويغبط، ويهنّىء، ويعلن فرحًا وسعادةً. أي أنّ كلمة "طوبى" تشير إلى الوضع السعيد والمفرح لكل من يجد نعمة في عيني الله. ومن يطالع الكتاب المقدّس يكتشف سريعًا بأن التّطويب والغبطة تشمل كل مؤمن بشخص الرّب يسوع. والفرق الوحيد بين تطويب القدّيسة مريم وتطويب غيرها من المؤمنين، هو أن تطويبها باقٍ من جيلٍ إلى جيل، وحتّى عودة الرّب يسوع ثانية إلى عالمنا.

نقرأ في سفر المزامير تطويباتٍ كثيرة منها:
1:1 "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ".
1:32-2 "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. 2طُوبَى لِرَجُل لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرّب خَطِيَّةً، وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ".
1:41 "طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمَسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرّب".
5:84 "طُوبَى لأُنَاسٍ عِزُّهُمْ بِكَ. طُرُقُ بَيْتِكَ فِي قُلُوبِهِمْ".
15:89 "طُوبَى لِلشَّعْبِ الْعَارِفِينَ الْهُتَافَ. يَا رَبُّ، بِنُورِ وَجْهِكَ يَسْلُكُونَ".

في الموعظة على الجبل، نطق الرّب يسوع المسيح بجملة من التّطويبات حين قال له المجد في الإنجيل بحسب البشير متّى 3:5-12: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. 4طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. 5طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. 6طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. 7طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. 8طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ. 9طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ. 10طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. 11طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. 12اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ". ونقرأ في الإنجيل وفي بقيّة أسفار العهد الجديد عددًا آخر من التّطويبات للمؤمنين بشخص ربّنا يسوع المسيح. 

أول من طوّب القدّيسة مريم العذراء كانت نسيبتها اليصابات عندما قالت لها: "طوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرّب". (لوقا 45:1). ثم طوبها تلاميذ الرّب يسوع ومعهم الكنيسة الأولى، وما نزال نطوّبها حتى يومنا هذا. هذه الحقيقة تعني أن ما نطقت به القدّيسة مريم كان نبوّة بوحي من الله، ولذلك فإن ما قالته بالوحي تحقق في الماضي، وما يزال يتحقق حتى يومنا هذا.

أجل أيّها الأحباء: إنّ نبوة القدّيسة مريم هنا تتم كل يوم وفي كل العالم. فالمسيحيون يطوبون القدّيسة مريم العذراء ويكرّمونها على اختيار الله لها لتكون أم الرّب يسوع المسيح بالجسد. ولم يتم مدح وتطويب وتكريم أية إمرأة في تاريخ البشرية جمعاء كما طوِّبَت وأكرِمَت القدّيسة مريم العذراء. فمريم هي أم الطبيعة البشرية لربنا ومخلّصنا يسوع المسيح، وهذا كان وسيبقى أعظم تكريم لها. ولكن المشكلة هنا أن البعض خلطوا بين التطويب والعبادة لدرجة أنهم يرفعون الصلاة لمريم طالبين منها الرحمة أو الخلاص أو الشفاء، متناسين أو لربّما غير مدركين حقيقة أن القدّيسة مريم هي إنسانة مثلهم، وأن الرحيم والمخلّص العظيم والشافي الوحيد هو ربنا يسوع المسيح له كل المجد.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
قبلت القدّيسة مريم دعوة الله لحياتها بكل خشوع وخضوع وبساطة قلب... صدح فم العذراء مريم بترنيمة فرح وابتهاج. فقد فرحت لأنها استلمت اعلان السّماء بقدوم المخلّص، واكتسب فرحها خصوصية لا مثيل لها
أعلنت القدّيسة مريم في ترنيمتها سبب تطويبها، وهو العمل العظيم الّذي صنعه الله في حياتها... رحمة الله لا تتوقف من جيل إلى جيل. فهو لا يتغير، وهو في كل جيل يرحم من يتقيه من ذلك
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader