ترنيمة القدّيسة مريم العذراء - (1) ترنيم وتعظيم

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

لوقا 46:1-55 "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: تُعَظِّمُ نَفْسِي الرّب، 47وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مخلّصي، 48لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، 49لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، 50وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. 51صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شتّتً الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. 52أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. 53أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. 54عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، 55كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ".

القديسة مريم العذراء واليصابات

يعمل الله في التّاريخ بحسب حكمته وسلطانه وطرقه المجيدة التي تفوق خيال وفكر البشر. وتمتلىءُ صفحات الكتاب المقدس بالقصص والأمثلة التي تدل على هذه الحقيقة. وقد تجلت عظمة الله وحكمته بشكل خاص في اختياره للقديسة مريم العذراء لكي تصبح والدة مخلّص العالم، أي أم ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح في الجسد.

عندما ظهر الله لموسى في العليقة، ودعاه ليقود الشعب القديم إلى الحرية من عبودية المصريين، أخذ موسى في التذمر والجدال مع الله. أما القدّيسة مريم، فقد قبلت دعوة الله لحياتها بكل خشوع وخضوع وبساطة قلب قائلةً: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرّب". (لوقا 38:1).

أثناء زيارة الملاك جبرائيل للقدّيسة مريم العذراء، أخبرها أنّ نسيبتها أليصابات قد حبلت بمعجزة من الله. لذلك قامت مريم بعد زيارة الملاك وتوجهت بشكل سريع لزيارة أليصابات. وقد أدّى لقاء القدّيسة الشّابة مريم مع القدّيسة العجوز أليصابات إلى أن كلًّا منهما تشجعت في روحها، وتقوى إيمانهما، وذلك كما نقرأ في سفر الأمثال17:27: "الإِنْسَانُ يُحَدِّدُ وَجْهَ صَاحِبِهِ". فاللقاء لم يكن مجرد اجتماع بين سيدتين من عامة وبسطاء الناس، بل كان اجتماعًا بين سيدتين مملوئتين من روح الله القدوس. لقاء بين سيدتين نطقتا بكلام شعري ونبوي عن مجد الله وخلاصه وعمله في التّاريخ. هذا اللقاء بين سيدتين كانت كل منهما تحمل في أحشائها بطفل مميّز وفريد وبمعجزة من الله، دفع القدّيسة مريم، وبوحي من الرّوح القدس الّذي حلّ عليها يوم بشارة الملاك لها، أن تصدح بترنيمتها الخالدة عبر ألأجيال. فأنا أومن بأن الروح القدس الذي حلَّ على مريم كان مصدر وحي هذه الترنيمة الخالدة التي نطقت بها هذه الفتاة الجليلية العذراء. كذلك فإن فرحها العظيم الذي عبرت عنه بترنيمتها جاء بسبب اختيار السّماء لها ونعمة الله التي غمرتها.

كانت ترنيمة القدّيسة مريم بداية لآلاف مؤلفة من الـترانيم المسيحية التي رنّمها ويرنّمها المؤمنون بشخص الرّب يسوع، إنطلاقًا من القرن الميلادي الأول وحتى أيامنا في القرن الحادي والعشرين. ولو أننا جمعنا كل ما ألفه الناس من أناشيد وترانيم وأغانٍ لآلهتهم ودياناتهم، فإن كل مؤلفات البشر لن تعادل ما صدحت به نفوس وقلوب وعقول من قبلوا الرّب يسوع مخلّصا لحياتهم.

صدح فم العذراء مريم بترنيمة فرح وابتهاج. فقد فرحت لأنها استلمت اعلان السّماء بقدوم المخلّص، واكتسب فرحها خصوصية لا مثيل لها لكونها المختارة لتكون العذراء التي ستحمل في أحشائها هذا المخلّص. أي أنّ اختيار الرّب لها ملأ قلبها وكل كيانها بفرح لا ينطق به ومجيد.

موضوع ترنيمة مريم هو تسبيح وتعظيم الله المخلّص، أي أنها تسبيحة إيمان وثقة بخلاص الله ووعوده الصادقة. لم تكن مريم عندما نطقت بالتّرنيمة قد ولدت الطفل الموعود، ولكن إيمانها العظيم وثقتها المطلقة بالله بعثا الفرح في حياتها، وكأنها قد رأت المخلّص بعيونها، مع أنه لم يكن قد ولد بعد.

  • تعتبر ترنيمة القدّيسة مريم العذراء من الصلوات والترانيم الخالدة في الإنجيل.
  • صدح فم القدّيسة مريم بترنيمة فرح من كل القلب.
  • ترنيمة صدرت من قلب وعقل وشفاه شابّة عذراء تعيش في ناصرة جليل الأمم.
  • صدحت العذراء بترنيمة ثقة بإلهها الحي.
  • رنّمت العذراء ترنيمة فرح بمخلّصها الله.
  • عبرت القدّيسة مريم في ترنيمتها عن فرح عظيم في أعماق نفسها وروحها، فرح ملأ عقلها وقلبها.
  • وكانت أول ترنيمة فرح سجلها لنا الوحي في العهد الجديد. 
  • ترنيمة مريم هي ترنيمة فرح نقي وصافي وأصيل، إنها ترنيمة صبيّة من شعب الله حملت في أحشائها مسيح الله.
  • ترنيمة من اختارها الله من بين كل نساء وصبايا شعبها، لتؤدي هذه الوظيفة والدور المشرف، أي لتكون أم رب المجد في الجسد.
  • الترنيمة مليئة بعبارات تذكرنا بمزامير ونبوات العهد القديم ، وخصوصًا ترنيمة حنة (صموئيل الأول 1:2-10).
  • تحدثت مريم، كما تحدثت حنة في العهد القديم، عن مجد الله وعظمته وقوته وسلطانه ووقوفه مع الضعفاء، وعقابة للأشرار.
  • الترنيمة تظهر مدى ورع القدّيسة مريم ومعرفتها بالعهد القديم.
  • تظهر الترنيمة صفات وشروط لا بد من وجودها في أم الرّب يسوع.
  • الترنيمة تدل على إدراك القدّيسة مريم بحلول عصر جديد وهو عهد المسيح المنتظر.
  • مجدت العذراء في ترنيمتها ربها وسيد حياتها وإلهها. فهي لم تمجد أو تعظم أو تمدح نفسها، بل مجدت وعظّمت الله.
  • وأعلنت أن الله مخلّصها، أي أنها كانت بحاجة للخلاص مثل بقية البشر، وبأنها قد حصلت على هذا الخلاص من الله.
  • فرحت مريم لأن الله مخلّصها، فقد أهتمت بعلاقتها الروحية مع الله مخلّصها أكثر من كونها أم المخلّص بالجسد.

لقد عمل الله على خلاص مريم العذراء وتقديسها إلى التمام، وذلك حتى يستطيع الرّب يسوع القدوس أن يتجسد في أحشائها. فالقدوس يحتاج إلى مكان مقدس ليَحُلَّ فيه، وفعلًا خلّص الله مريم وقدّسها وجعل منها إناءً طاهرًا ونقيًا وصالحًا لتجسد الكلمة الأزلي، أي تجسّد الرّب يسوع المسيح له كل المجد.

أقسام الترنيمة: بدأت القدّيسة مريم ترنيمتها بالحديث عن قداسة الله، ثم عن قوة الله، ثم عن رحمته، وأخيرًا أمانته. ونطقت أولًا بحقيقة وضعها، ثم ذكرت أسباب هذا الوضع، وبعد ذلك تحدثت عن النتائج التّاريخية لما حصل معها، وكيف أن ما حدث كان ليتم وعد الله لشعبه. وقد احتوت التّرنيمة على نبوة ووصية وإعلان، وبيّنت إيمانًا واضحًا وقويًّا وتواضعًا واستسلامًا كاملًا لإرادة الله.

  1. تسبيح وتعظيم الرّب على ما فعله في حياة مريم، الآيات 46-48.
  2. ذكر بعض صفات وطبيعة الله: قوة وقداسة ورحمة، الآيات 49-50.
  3. سلطان الله في تغيير وتبديل الواقع الاجتماعي، الآيات 51-53.
  4. 4. ذكر رحمة الله لشعبه، الآيات 54-55.

تعظم نفسي الرّب: نطقت القدّيسة مريم بكلمة جاءت بصيغة الفعل المضارع المستمر "تعظم"، والكلمة في الأصل اليوناني Μεγαλύνει (ميجالوناي)، أي أنا أعظّم، وهي مشتقة من الفعل μεγαλύνω (ميجالونو) ويعني: يزيد ويكبِّر ويعظّم ويرفع ويمجّد ويحمد. فبكلمة واحدة نطقتها القدّيسة مريم العذراء، أقرّت بأن  كل المجد والحمد والعظمة والجلال والتّسبيح يُنسب لله، ولله فقط. أي أنّه توجد لدينا هنا دعوة لكل مؤمن حقيقي بشخص الرّب يسوع، وللكنيسة في العالم أجمع، أن نعطي كل المجد والعظمة لصاحبها الوحيد وهو شخص الله القدوس.

لا يستطيع البشر أن يعظموا الله أكثر مما هو عظيم. أي أن الله عظيم في جوهره وطبيعته وذاته. ولا يستطيع البشر أن يستوعبوا عظمة الله، ولا أن يضيفوا شيئًا لعظمته، أو ينقصوا منها شيئًا. وبالتالي، فإن قول القدّيسة مريم " تُعَظِّمُ نَفْسِي الرّب " هو إقرار إيمانٍ من القدّيسة مريم بحقيقة عظمة الله، وإقرار بأنها لن تعظم إلا الله في حياتها. وكذلك إقرار بأن العظمة والمجد لا يُعطيان أو ينسبان إلّا لشخص الله. تعظيم الله يعني أيضًا إخبار الناس عنه، والتبشير باسمه القدوس، والصلاة له، وعمل كل شيء لمجده.

تستطيع أخي وأختي أن تعظّم الله أينما كنت، وفي كل ما تعمل وتقول. عظم الرّب في البيت، وفي وسيلة المواصلات، وفي المدرسة والجامعة، والمصنع، والمكتب، والشارع، وورشة العمل. لقد عظّمت القدّيسة مريم الرّب بحضور أليصابات، وتستطيع أنت أيضًا أن تعظم الرّب بحضور غيرك من الناس، فلا تخجل من إيمانك، ومجد الرّب يسوع كل أيام حياتك. عظّم الرّب بكلمات الشفاه، وفي الطاعة والخضوع له في أمور الحياة، وبالعمل والخدمة في حقل السيد الرّب.

إنّ أية عقيدة أو دين أو مبدأ يعظم الناس أو الأنبياء أو الرسل أو القديسن، ويضع اسم البشر بجانب اسم الله، هو دين وعقيدة ومبدأ باطل. ودراسة التّاريخ وديانات العالم تبرهن وبدون جدال بان كل البدع والهرطقات والعبادات الباطلة تبدأ عندما يعظم الناس قادتهم ومؤسسي ديانتهم وطوائفهم كما يعظّمون الله، أو لربما أكثر مما يعظّمون الله.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
لم يأت ابتهاج القدّيسة مريم من فراغ، بل جاء لأسباب مميزة وفريدة. ابتهجت القدّيسة مريم بالله مخلّصها، وليس بنفسها. أي أن الله كان مصدر ابتهاجها، وهو ما يزال مصدر ابتهاج كل من يؤمن به في
أعلنت القدّيسة مريم في ترنيمتها سبب تطويبها، وهو العمل العظيم الّذي صنعه الله في حياتها... رحمة الله لا تتوقف من جيل إلى جيل. فهو لا يتغير، وهو في كل جيل يرحم من يتقيه من ذلك
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader