حماية سماوية (جزء 3): من يَمُسكم يَمُس حدقة عينه

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

يؤكد الوحي على لسان النبي زكريا "لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: بَعْدَ الْمَجْدِ أَرْسَلَنِي إِلَى الأُمَمِ الَّذِينَ سَلَبُوكُمْ، لأَنَّهُ مَنْ يَمَسُّكُمْ يَمَسُّ حَدَقَةَ عَيْنِهِ." (زكريا 2: 8)

الوعد الإلهي في هذه الآية مليء بالتعزية العظيمة، التي تؤكد حماية الله غير المحدودة لأولاده، فمن يتجرأ ولو فقط على مسهم فإنه بالتالي يؤذي نفسه.

يختلف المفسرون في تفسير كلمة "عينه" في الآية حتى في النص الأصلي باللغة العبرية، فالبعض يقول انها تعود إلى الله أي من يمسكم يمس عين الله والبعض يقول انها تعود إلى عين المسيء لأولاد الله.

في تفسير القس انطونيوس فكري، يقول إن كلمة "عينه"، قد ترجع إلى الله، ويكون المعنى أن من يمس أولاد الله يكون كمن يمس حدقة عيني الله فلا بُد أن يؤدبه الله. أو يكون المقصود أن الشرير الذي يمس شعب الله يكون بذلك قد مس حدقة عينه هو، أي تسبب في أذى نفسه. وعمومًا فالشرير بصنعه الشر يزداد عماه، والشرير بشره يفقد بصيرته الروحية. وكأن الشرير وهو قاصد بشره أن يؤذي جسد أخيه، إذ به يُصَوِّب ضرباته لعيني نفسه الداخليتين فيمس حدقة عينه هو، فلا يستطيع أن يعاين الله "فطوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله".

في تفسير خادم الرّب رشاد فكري لهذه الآية يقول:
«لأنه مَنْ يمسكم يَمس حدقة عينه». نلاحظ أنه لا يقول: "الذي يضربكم بالسيف" بل «الذي يَمَسُّكُم» أي مجرد لمس. يا له من إله مُحِبّ وراع عظيم. والمقصود بعبارة «حدقة عينه» حدقة عين الشخص الذي يحاول أن يؤذيهم، أي أنه إنما يؤذي نفسه في أعز وأغلى ما له وهو حدقة عينه. وهذا ما نجده في الأصحاح الأخير من السفر حيث نقرأ عن الذين قصدوا أن يؤذوا شعبه أن «عيونهم تذوب في أوقابها» (زك 12:14). وقد حدث مثل هذا في حادثة هامان، فالخشبة التي أعدها لمُردخاي صُلِب عليها هو، أي أنه لم يُؤذ إلا نفسه. على أننا نقرأ في تثنية 10:32 أن الرب وجد يعقوب في أرض قفر وفي خلاء مستوحش خرب فأحاط به ولاحظه وصانه كحدقة عينه؛ والمقصود هنا أن الرب حافظ عليه كما يحافظ الإنسان على حدقة عينه، تبارك اسمه القدوس، فالرب يُشبِّه إعزازه لشعبه بإعزاز الإنسان لحدقة عينه وسهره على سلامتها.

فمهما كان المقصود بكلمة "عينه" فإن الآية واضحة في مضمونها وضمانها، فلا يمكن ليد إنسان ان تمس حدقة عين الرّب ولا يمكن لإنسان أيًا كان أن يمس عظيم القدرة بأي سوء، بل لا يمكن أن يمس أي إنسان بالسوء أولاد الرّب إلا ويؤذي نفسه عميقًا، أي يتأذى من فعلته في الصميم، كمن يؤذي حدقة عينه، فترجع إليه نتائج فعلته بالضرر الشديد، "كَرَا جُبًّا. حَفَرَهُ، فَسَقَطَ فِي الْهُوَّةِ الَّتِي صَنَعَ. يَرْجعُ تَعَبُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى هَامَتِهِ يَهْبِطُ ظُلْمُهُ." (مزمور 7: 15 و16) فتفوح تسابيح الحمد من أفواه أولاد الرّب "أَحْمَدُ الرَّبَّ حَسَبَ بِرِّهِ، وَأُرَنِّمُ لاسْمِ الرَّبِّ الْعَلِيِّ." (مزمور7: 17).

وبّخ الرّب شاول الطرسوسي الذي كان يعتقد أنه بإهلاك أتباع الطريق، أي المؤمنين بالمسيح، يخدم الله وفق عقيدته الفريسية، فقد كان راضيًا بقتل استفانوس أول شهيد في المسيحية بسبب ايمانه بالرّب (أعمال8: 1)، فظهر الرّب له بعظمة جلاله في طريق دمشق ومنعه من الاستمرار في أذية أولاده، "وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتًا قَائِلاً لَهُ: شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ الرَّبُّ: أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ." (أعمال9: 3 -5) (المنخاس هو قضيب طويل في رأسه مسمار ينخس به الحيوان، وهو المنساس).

فهم شاول أنه في اضطهاده للمؤمنين بالرّب كان يضطهد الرّب نفسه، أي إلهه، جابله ومخلصه. لقد فهم أن أيّ إنسان يحاول المسّ بأولاد الرّب فهو كمن يحاول المسّ بالرّب ذاته، ولا يمكن لإنسان يحاول مسّ الرّب أو تحدي مجد جلاله إلا ويتأذى، فمن يفكر أن أولاد الله اللطفاء والمحبين للآخرين على مثال سيدهم هم لقمة سهلة للمضغ، أو مجرد وسادة ناعمة تستطيع أن تركلها او تلكمها كيفما شئت دون أن يمسك سوء، فإن هذا الإنسان لا يدرك عظم الورطة المحيطة به، فهو يتوهم أنه يلكم وسادة مخملية الملمس، وفي الواقع لا يدرك أنه يرفس منساس مسنون وحاد، وكل محاولة أذى ومضايقة منه تَجُرّ عليه نزيف دماء وجروح عميقة، لا شفاء منها إلا بالتوبة الحقيقية والرحمة الإلهية. وهكذا تاب شاول الطرسوسي وسأل من كل قلبه عن طريق الخلاص "فَقَاَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" (أعمال9: 6) وبتوبة حقيقية تحوّل للتبشير باسم الرّب، فعندما كان سجان فيلبي مزمع أن يقتل نفسه لسبب ظنه بهرب المسجونين سأل بولس وسيلا: "يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟" (أعمال 16: 30) فكان الجواب واضحًا وشافيًا، قدر كونه مختصرًا ووافيًا: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أعمال16: 31).

عندما حاول فرعون إيذاء شعب الرّب واللحاق بهم بمركباته الحديدية وجنوده، خاف الشعب، إذ كانوا ينظرون بعيونهم الطبيعية، أما موسى الذي كان يتطلع بعين الايمان فقال لهم: «لاَ تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ الْيَوْمَ. فَإِنَّهُ كَمَا رَأَيْتُمُ الْمِصْرِيِّينَ الْيَوْمَ، لاَ تَعُودُونَ تَرَوْنَهُمْ أَيْضًا إِلَى الأَبَدِ. الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ». (خروج14: 13 و14) وهكذا فعل الرّب "وَكَانَ فِي هَزِيعِ الصُّبْحِ أَنَّ الرَّبَّ أَشْرَفَ عَلَى عَسْكَرِ الْمِصْرِيِّينَ فِي عَمُودِ النَّارِ وَالسَّحَابِ، وَأَزْعَجَ عَسْكَرَ الْمِصْرِيِّينَ، وَخَلَعَ بَكَرَ مَرْكَبَاتِهِمْ حَتَّى سَاقُوهَا بِثَقْلَةٍ. فَقَالَ الْمِصْرِيُّونَ: نَهْرُبُ مِنْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّ الرَّبَّ يُقَاتِلُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُمْ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: مُدَّ يَدَكَ عَلَى الْبَحْرِ لِيَرْجعَ الْمَاءُ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ، عَلَى مَرْكَبَاتِهِمْ وَفُرْسَانِهِمْ. فَمَدَّ مُوسَى يَدَهُ عَلَى الْبَحْرِ فَرَجَعَ الْبَحْرُ عِنْدَ إِقْبَالِ الصُّبْحِ إِلَى حَالِهِ الدَّائِمَةِ، وَالْمِصْرِيُّونَ هَارِبُونَ إِلَى لِقَائِهِ. فَدَفَعَ الرَّبُّ الْمِصْرِيِّينَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ. فَرَجَعَ الْمَاءُ وَغَطَّى مَرْكَبَاتِ وَفُرْسَانَ جَمِيعِ جَيْشِ فِرْعَوْنَ الَّذِي دَخَلَ وَرَاءَهُمْ فِي الْبَحْرِ. لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ وَلاَ وَاحِدٌ. وَأَمَّا بَنُو إِسْرَائِيلَ فَمَشَوْا عَلَى الْيَابِسَةِ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ، وَالْمَاءُ سُورٌ لَهُمْ عَنْ يَمِينِهِمْ وَعَنْ يَسَارِهِمْ. فَخَلَّصَ الرَّبُّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ الْمِصْرِيِّينَ. وَنَظَرَ إِسْرَائِيلُ الْمِصْرِيِّينَ أَمْوَاتًا عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ." (خروج14: 24-30).

عندما حاول هامان الشرير أن يؤذي شعب الرّب والقضاء عليهم، وعمل خشبة لصلب مردخاي الأمين تحول الشرّ سريعًا إليه، فقضي عليه وعلى بيته وعلى كل من كان مبغضًا لشعب الرّب، إذ يسجّل الوحي المقدس: "فَقَالَ حَرْبُونَا، وَاحِدٌ مِنَ الْخِصْيَانِ الَّذِينَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ: هُوَذَا الْخَشَبَةُ أَيْضًا الَّتِي عَمِلَهَا هَامَانُ لِمُرْدَخَايَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِالْخَيْرِ نَحْوَ الْمَلِكِ قَائِمَةٌ فِي بَيْتِ هَامَانَ، ارْتِفَاعُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا. فَقَالَ الْمَلِكُ: اصْلِبُوهُ عَلَيْهَ. فَصَلَبُوا هَامَانَ عَلَى الْخَشَبَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِمُرْدَخَايَ." (استير7: 9 و10).

لقد مدّ هيرودس الملك يديه ليسيء إلى أناس من الكنيسة، "فَقَتَلَ يَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بِالسَّيْفِ. وَإِذْ رَأَى أَنَّ ذلِكَ يُرْضِي الْيَهُودَ، عَادَ فَقَبَضَ عَلَى بُطْرُسَ أَيْضًا. وَكَانَتْ أَيَّامُ الْفَطِيرِ. وَلَمَّا أَمْسَكَهُ وَضَعَهُ فِي السِّجْنِ، مُسَلِّمًا إِيَّاهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَرَابعَ مِنَ الْعَسْكَرِ لِيَحْرُسُوهُ، نَاوِيًا أَنْ يُقَدِّمَهُ بَعْدَ الْفِصْحِ إِلَى الشَّعْبِ" (أعمال12: 2 -4) ولكن في الليل جاء ملاك الرّب فضرب جنب بطرس ليوقظه ويحرره من يدّ الظالم "وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ أَقْبَلَ، وَنُورٌ أَضَاءَ فِي الْبَيْتِ، فَضَرَبَ جَنْبَ بُطْرُسَ وَأَيْقَظَهُ قَائِلاً: قُمْ عَاجِلاً! فَسَقَطَتِ السِّلْسِلَتَانِ مِنْ يَدَيْهِ... فَجَازَا الْمَحْرَسَ الأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، وَأَتَيَا إِلَى بَابِ الْحَدِيدِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَانْفَتَحَ لَهُمَا مِنْ ذَاتِهِ، فَخَرَجَا وَتَقَدَّمَا زُقَاقًا وَاحِدًا، وَلِلْوَقْتِ فَارَقَهُ الْمَلاَكُ. فَقَالَ بُطْرُسُ، وَهُوَ قَدْ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ: الآنَ عَلِمْتُ يَقِينًا أَنَّ الرَّبَّ أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَأَنْقَذَنِي مِنْ يَدِ هِيرُودُسَ، وَمِنْ كُلِّ انْتِظَارِ شَعْبِ الْيَهُودِ." (أعمال12: 7-11)، أما هيرودس فلم يعتبر من هذه الرسالة السماوية، بل استمر في شره وتماديه وفي نفس الاصحاح نقرأ كيف ضربه ملاك الرّب لأجل كبريائه وشره فمات، "فَفِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لَبِسَ هِيرُودُسُ الْحُلَّةَ الْمُلُوكِيَّةَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْمُلْكِ وَجَعَلَ يُخَاطِبُهُمْ. فَصَرَخَ الشَّعْبُ: هذَا صَوْتُ إِلهٍ لاَ صَوْتُ إِنْسَانٍ. فَفِي الْحَالِ ضَرَبَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ للهِ، فَصَارَ يَأْكُلُهُ الدُّودُ وَمَاتَ. وَأَمَّا كَلِمَةُ اللهِ فَكَانَتْ تَنْمُو وَتَزِيدُ" (أعمال12: 21-24). اليد الإلهية ضربت جنب بطرس لتنقذه من مؤامرة الأشرار، ونفس اليد امتدت على شرّ هيرودس فضربته فمات. فلا نستهن بحقيقة الوعد "من يمسكم يمس حدقة عينه" بل لنتمسك به غير مرتابين مما قد يفعله بَشَر بِشَرّهِم، وهذا ما اختبرته شخصيًا مرارًا كثيرة، وما أختبره يوميا في تعاملات الرّب معي وحمايته لي، وهذا ما يشهد به الكثيرون من أولاده، وذلك من فضل فرط محبة ونعمة الرّب على أولاده.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
يمكن لكل واحد منا الحصول على أعظم حراسة وحماية شخصية، حتى ولو كنا من عامة الشعب، بلا مركز ولا شهرة ولا مال ولا جاه، وأن هذه الحماية والحراسة متى بدأت لن تتوقف أبدًا...
يحاول الأشرار دائمًا المَس بأولاد الله أي المؤمنين باسمه وتسبيب الأذى والضيق لهم، فقد صرّح الرّب يسوع وحضّر تلاميذه لهذا الوضع بقوله لهم: "بِهذَا أُوصِيكُمْ حَتَّى تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا...
لقد حاول ابليس أن يمس شخص ربنا المبارك يسوع المسيح، فظن أنه بالصلب والموت تنتهي القصة، ولم يدرك أن الله حوّل مقاصد ابليس الشريرة واتباعه لخير البشرية، فتحققت نبوة التكوين العظيمة
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader