وُلِدْتُ وعيدُ ميلادي قريبُ

وُلِدتُ وعيدُ ميلادي قريبُ * ومُتُّ وراحَ يَدفِنُني الغريبُ، لأنّ الأقرباءَ نسَوا وُجُودي * وعُمري حين أدرَكَهُ المَشيبُ، وقد نَسِيَ الصّديقُ أوان عيدي * ويومُ المَوتِ أغفلهُ الحبيبُ، فأوقدتُ السِّراجَ ونارَ ضيفي * وقد هَجَمَتْ على قلبي كُروبُ...
05 أكتوبر 2012 - 12:46 بتوقيت القدس

وُلِدتُ وعيدُ ميلادي قريبُ * ومُتُّ وراحَ يَدفِنُني الغريبُ

لأنّ الأقرباءَ نسَوا وُجُودي * وعُمري حين أدرَكَهُ المَشيبُ

وقد نَسِيَ الصّديقُ أوان عيدي * ويومُ المَوتِ أغفلهُ الحبيبُ

فأوقدتُ السِّراجَ ونارَ ضيفي * وقد هَجَمَتْ على قلبي كُروبُ

وبتّ أرى اٌغترابي مِن زمانٍ * ولي وطنٌ خُرافيٌّ سَليبُ

إذا سُلِبَتْ حياتي أمسِ غدرًا * فمَوتي لا يُفكّرُ فيهِ ذيبُ

نزلتُ بهِ على البُلدان وَحْدي * وخَبَّرَتِ المُحيطات السُّهوبُ

بأنّي مُتّ حُرًّا خيرَ موتٍ * ليَغْبِطَني عليهِ فتىً نَجيبُ

وما لِي مِن رفيقٍ في بلادٍ * أضافتني ولا صَدرٌ رحيبُ 

يبيتُ القبرُ ما وَرْدٌ عليهِ * ولا شَمْعٌ يُذوّبُهُ اللهيبُ

وكمْ وَعَدَ الحبيبُ بأنّ قبري * تُنافِسُ في تَعَطُّرِهِ الدّروبُ

وكان الوردُ يسبقني إليهِ * إذا ما زُرتُهُ والعندليبُ

ولكنْ قلتُ يكفيني إذا ما * علاهُ اٌسْمي ومَيّزهُ الصّليبُ
* *

سُررتُ بعيد ميلادي ولكنْ * سروري لا يتمّ ولا يطيبُ

عَلِمْتُ بأنني في كلّ عيدٍ * دنا حَتفي وأسرَعَتِ الخطوبُ

فعِشتُ وليس في الدنيا خُلودٌ * ومُتّ ومات شُبّانٌ وشِيبُ

على أمَل القيامةِ ذاتَ يومٍ * يُقرِّرُهُ المسيحُ فلا يَخِيبُ

لقد وَعَدَ المسيحُ النّاسَ طُرًّا * بيوم قيامةٍ لمّا يؤوبُ

وَثِقتُ بهِ وُثوقًا لمْ أثِقهُ * بنفْسِي ما طغى أمْرٌ مُريبُ

كما اللصّ الذي رَجّى خلاصًا * بلا شَكٍّ فكان لهُ نصيبُ
* *

شَكَكْتُ بصِحَّة الأديان يومًا * وربّي عالِمٌ أنّي أتوبُ

سُقِيْتُ مَرارةً منها وسُمًّا * فأبْرَأني السّماويّ العَجيبُ

ظننتُ بأنّ عند النّاس طِبًّا * فقال ليَ المسيحُ: أنا الطبيبُ

فلا تذهبْ إلى غيري لأنّي * وديعٌ تستريحُ لِيَ القلوبُ

لدَيَّ عِلاجُ دائِكَ كُلَّ حينٍ * فخُذهُ وأنتَ محزونٌ كئيبُ

لأنّي ما أتيتُ إلى مُعافىً * ولكنْ مَن تُغطّيهِ العُيوبُ

دَفعْتُ على الصّليب دُيون قَومي * وإنْ كثُرتْ وإنْ ثقُلتْ ذُنُوبُ 1

فقلتُ لهُ: خطايايَ اٌستمرّتْ * فأخْجَلَني الدّعاءُ وتستجيبُ
* *

وُلدتُ وفي يدي قلمٌ جميلٌ * عُرِفتُ بهِ وفي كبدي لهيبُ

غَزَتْ قلمي القصائدُ فاٌستقرّتْ * عليها الطّيرُ والرّيحُ الهَبوب

صَحيحُ الشِّعْر: ما اٌنتظمتْ عليهِ * أعاريضٌ تُعَزِّزُها ضُروبُ

فلمْ تمُتِ القصائدُ في زمانٍ * وشاعرُهُنّ بل مات الرّقيبُ

فشِعْري شوكةٌ في عين عَصْرٍ * يُظَنّ بأنّهُ عَصْرٌ عَصيبُ

لهُ شَهِدتْ حُروفٌ مِن عَقيقٍ * وزكّاهُ المُحَكِّمُ والأريبُ

أموتُ ولا يموتُ الشِّعْرُ منّي * وأظهَرُ بالقريضِ إذا أغيبُ

وكمْ عارضتُ فيهِ مُعَلّقاتٍ * وأخرى مِن خصائصها النَّسيبُ

وهلْ غيرُ التغزّل مِن شؤونٍ * يَذوبُ بها المُرنِّمُ والطَّرُوبُ

إذا ملأ القصيدة حُسْنُ لفْظٍ * ونورٌ، ما لنجْمَتِها غُروبُ

فلمْ أُحسِنْ لغير يسوعَ قولًا * لعلّ بهِ إلى رُشْدي أثوبُ
* *

وفي أدب المقالة لي طريقٌ * يسيرُ عليهِ من بعدي الأديبُ

فحَقلٌ للعَروض وكلُّ حقلٍ * أنمّيهِ بحَرقِ دمي خَصيبُ

وما أدَبُ المقالة دون عِلْمٍ * وبَحْثٍ نافِعٌ وبهِ عُيوبُ

وإلّـا فالحروفُ إذا أضاءتْ * فرُوحُ الحرفِ ليس لها دَبيبُ

ولا قلمُ الكتابة مُستحَقٌ * لصاحِبِهِ فقد وَهِمَ الرَّبيبُ

ولم يَحسُبْ لعُدَّتِها حِسابًا * ليَعرِفَ ما الجوازُ وما الوُجُوبُ

 ويجمَعَها فيُدرِكَ أنّ فيها * مذاقًا ما يَسُوغُ وما يَطيبُ

هَلِ الإملاءُ والإعرابُ صَعْبٌ * وهَلْ عَنْ حُسْنِ مَعنىً ما ينوبُ؟

فدَعْ قلمًا بلا وعْيٍ وجِدٍّ * فقد خَزِيَ المُضلِّلُ واللَعُوبُ

ودَعْ هَمّ السّطور لمُنصِفيها * وفِرّ فقدْ يُناسبُكَ الهُروبُ

لأنّ العَيبَ في رأيٍ سَديدٍ: * جَهُولٌ في جهالتِهِ رَغيبُ

كفى زمَنُ التلاعُب بالمعاني * وقولٌ للمُقصِّر: ذا مُصيبُ

وذا بالصّدق ضاهى أنبياءً * فتنكشفُ الحقيقة: ذا كَذوبُ

وذا بالعِلْم فاق مُعَلِّمِيهِ * فإنْ يُسألْ فأبْكَمُ لا يُجيبُ

وذا إيمانُهُ باللهِ أعمى * وثوبُ الزُّهْدِ تُثقِلُهُ الجُيوبُ

وذا فاضتْ مَحَبّتُهُ كُرُومًا * ذوى منها القليلُ هُوَ الزَّبيبُ

وذا مَثَلُ التّسامُح والتّآخي * وذا رمزُ التّمدّن سَنْحَريبُ 2

غباءُ الإنس ليس لهُ حدودٌ * فظيعٌ في مِساحَتِهِ رَهيبُ

عَجيبٌ طولُ مُدّتِهِ مَقيتٌ * وأعْجَبُ مِنهُ تقديسٌ مَهِيبُ
* * *

1
 قَومي؛ المقصود به هنا: خاصّتي- بحسب الإنجيل: {إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ} يُوحَنّا:1
2
سَنْحاريب (سَنحَريب- للضّرورة الشِّعريّة) ملك آشوري (705 - 681 ق. م.) اعتلى العرش بعد وفاة والده سرجون واتّخذ نينوى عاصمة له. اشتُهِر بتشييد المباني الجميلة وبحملاته الحربية. وردت أخبارُهُ في أسفار الكتاب المقدّس؛ الملوك الثاني، أخبار الأيام الثاني، إشعياء
- - -
تمّت كتابة القصيدة يوم الخميس الموافق الرّابع من تشرين الأوّل- أكتوبر 2012 على وزن بحر الوافر في مناسبة ذكرى ميلاد الشّاعر خلال الشّهر المذكور
¤ ¤ ¤

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
  • مؤمن
    مؤمن
    العمر المديد مع الصحة والعافية لل 120 قصيدة جميلة ومعبرة
    العمر المديد مع الصحة والعافية لل 120 قصيدة جميلة ومعبرة
    رد
    05 أكتوبر 2012
    • رياض الحبيّب
      رياض الحبيّب
      أخي مؤمن، الجليل: ألف شكر
      الرب يبارك حياتك. تحياتي لك وللجليل مع أطيب التمنيات
      رد
      06 أكتوبر 2012
  • جميل داود
    جميل داود
    رائع
    رد
    06 أكتوبر 2012
    • رياض الحبيّب
      رياض الحبيّب
      أخي جميل داود، الرامة: جزيل الشكر
      الرب يبارك حياتك. تحياتي لك وإلى أحبّائنا في الرامة، سواء رامة عكا ورامة جنين، مع أطيب التمنيات
      رد
      06 أكتوبر 2012
  • جميل بربارة
    جميل بربارة
    العمر المديد لك يا أخ رياض وليكن الرب بالنعم عليك فيّاض
    عقبال ال 120 سنة
    رد
    06 أكتوبر 2012
    • رياض الحبيّب
      رياض الحبيّب
      أخي الصديق جميل بربارة، الناصرة: شكرًا جزيلًـا
      الرب يبارك حياتك. تحياتي لك ولأحبّائنا في الناصرة وسائر مدن الجليل، مع أطيب التمنيات
      رد
      07 أكتوبر 2012