إن الكتاب المقدس يقدم تعاليمًا عالية وسامية جدًا في يتعلق بالأسرة والمرأة والعلاقة الزوجية. لقد أسس الله الزواج بنفسه، وعين لكل رجل إمرأة واحدة فقط؛ وهذا ما قاله الله بعد أول زواج أقامه بنفسه بين آدم وحواء:

" ٢٢ وَبَنَى الرَّبُّ الإِلَهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. ٢٣ فَقَالَ آدَمُ: «هَذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ». ٢٤ لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً." تكوين ٢.

لكن بعد دخول الخطية على حياة البشر كانت هناك الكثير من النتائج للخطية والتي منها سيادة الرجل على المرأة، كما قال الله لحواء:
" ١٦ ... إلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسودُ عليك." تكوين ٣.
هنا يتكلم الكتاب عن سيادة سلبية خاطئة ليست بحسب تخطيط الله للإنسان (ومختلفة عن دعوة النساء للخضوع لأزواجهم في العهد الجديد، وهي ترتيب روحي؛ ولا يتكلم عن سيادة الرجل). إن أحد مظاهر سيادة الرجل على المرأة في العهد القديم هو زواج الرجال من عدة نساء. كما رأينا في الأصحاح التالي؛ عن لامك الذي كان عنده امرأتين (تكوين ٤: ٢٣).

لكن عندما جاء المسيح ورفع نتائج الخطية عن المرأة وأصبح في المسيح:
" ٢٨ ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حُر، ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع." غلاطية ٣.

فقبل مجيء المسيح، كانت علامة العهد في القديم الختان، وكانت علامة جسدية؛ وفقط للرجال. أما بعدما جاء المسيح ورفع نتائج الخطية؛ ليبرز الوحي إعادة المكانة للمرأة التي كانت قبل السقوط، وضع علامة العهد مع الله المعمودية، وهي ليست علامة في الجسد بل في الروح، وللنساء مثلهم مثل الرجال.

هل الله نهى عن الزواج بأكثر من امرأة واحدة ؟

نعم بالتأكيد، لكن في الحقيقة نرى أن الله أوصى الملوك بأن لا يكثروا زوجات:

" ١٥ فَإِنَّكَ تَجْعَلُ عَليْكَ مَلِكاً الذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ.... ١٧ وَلا يُكَثِّرْ لهُ نِسَاءً لِئَلا يَزِيغَ قَلبُهُ. وَفِضَّةً وَذَهَباً لا يُكَثِّرْ لهُ كَثِيراً." تثنية ١٧.

طبعًا الكثير من الملوك لم يطيعوا أمر الرب إلههم حيث أنهم كثروا زوجات؛ ورأينا أيضًا بدقة النتيجة التي حذر منها الرب، حيث أن قلبهم زاغ؛ وتركوا الرب ليعبدوا آلهات وثنية.

لماذا كانت الوصية فقط للملوك بأن لا يكثروا زوجات ؟ وماذا عن الكهنة والأنبياء ؟

إن الوصية قد خُصصت للملوك، وليس للأنبياء والكهنة، لأن الأنبياء والكهنة، ذوي الحقبات الروحية، لا يحتاجون لأن يوصيهم الله بأن لا يتزوجوا بأكثر من امرأة واحدة، لأنهم من المفترض أن يكونوا قريبين من الله القدوس وإرادته؛ ويعرفون أن تكثير الزوجات هو زنى وفِسق.
والدليل على هذا هو أننا لم نرى أي نبي أو كاهن، منذ نزول شريعة موسى إلى مجيء المسيح، تزوج بأكثر من امرأة واحدة. فالزواج بأكثر من امرأة واحدة هو بمثابة زنى من جهة ما رتبه الله منذ خلق الإنسان.

أما من جهة رجال الله قبل نزول شريعة موسى، فيوجد إبراهيم الذي تزوج سارة وجاريتها هاجر. أيضًا يعقوب تزوج أختين؛ ليئة وراحيل، وأيضًا جاريتهما زلفة وبِلهة.

فما هو التفسير لهذا التعدد في الزوجات، لآباء موقرين من أمثال إبراهيم ؟

١- كلا منهما عاشا قبل شريعة موسى، ومعروف أنه قبل نزول الوصية لا تُحسب الخطية (رومية ٥: ١٣).

٢- كلاهما تزوجا الجاريتات بناءً على طلب زوجاتهم منهم هذا (تكوين ١٦: ١-٢ و٣٠: ٣-٤ و٩-١٠). أما زواج يعقوب من أختين فكان بسبب خداع خاله لابان له بإعطائه ليئة بدلا من راحيل؛ ولم تكن رغبته للزواج من ليئة من البداية بل أحب راحيل (تكوين ٢٩: ١٨-٢٨).

٣- أن ظاهرة إعطاء الزوجةُ جاريَتها لرجلها، إن لم تنجب له بنين، هي ظاهرة معروفة في الشرائع التي كانت معاصرة لإبراهيم ويعقوب. مثل شريعة حمورابي وأشنونا ولَبِث وغيرها في بلاد الهلال الخصيب. مثل البند 145 من شريعة حمورابي؛ وبعض السقوق القضائية التي وُجدت في الآثار، لمحاكم صغيرة بين الناس التي فيها نرى بعض التطبيقات لهذه الشرائع؛ كالنص الآتي:

(من أشور القديمة – القرن التاسع عشر قبل الميلاد)
" تزوج لابيكوم هاتالا بن أينيشرو، لن يحق لـ لابيكوم أن يتزوج من امرأة أخرى في هذه البلاد. وإن لم تمنحه (أي هاتالا امرأته) ذرية خلال سنتين، عليها أن تشتري له أمة، وبإمكانه أن يتخلص من الأمة عن طريق بيعها حينما يشاء بعد أن تمنحه طفلا منه.....الشهود: ماسا وآشور، يشتكال وتاليا وشبيانكا." (شريعة حمورابي، ترجمة: أسامة سراس، دار علاء الدين للنشر، الطبعة الثانية، دمشق-١٩٩٣، الصفحات: ١١٥ و١٦٨-١٦٩)

وهذا يؤكد عصمة الكتاب المقدس حيث أن هذه النصوص تتوافق مع الوقت الزمني الذي عاش فيه إبراهيم ويعقوب، ولم نرى تكرارًا لتزويج جارية الزوجة للزوج بعد هذا في الكتاب؛ مما يؤكد صحة تزامن النصوص الكتابية مع عصرها.

وكما نرى من خلال هذا الصق، هناك رفض لفكرة تعدد الزوجات حتى في الشرائع هذه التي وُجدت قبل حوالي ٣٩٠٠ سنة، وهذا ينسجم أيضًا مع النصوص الكتابية؛ حيث جاء لابان ليعقوب وأوصاه من جهة بناته:

" ٥٠ أنك لا تذل بناتي ولا تأخذ نساء على بناتي، ليس إنسانٌ معنا، أنظر، الله شاهدٌ بيني وبينك." تكوين ٣١.

إذا كانت أخلاق شعب الرب، قبل ٣٩٠٠ عام، تؤمن بأن الزواج من امرأة أخرة على الزوجة هو إذلال للزوجة، فكيف يتجرأ أحد أن ينادي بتعدد الزوجات في عالمنا المعاصر، والذي فيه توجد منظمات تطالب حتى بحقوق الحيوان !!!

أيضًا تعدد الزوجات هي مؤشر للدينونة والعار للنساء؛ كما نقرأ بأشعياء دينونة الله لبنات أورشليم:

" (الأصحاح الثالث) ١٦ وَقَالَ الرَّبُّ: «مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ يَتَشَامَخْنَ وَيَمْشِينَ مَمْدُودَاتِ الأَعْنَاقِ وَغَامِزَاتٍ بِعُيُونِهِنَّ وَخَاطِرَاتٍ فِي مَشْيِهِنَّ وَيُخَشْخِشْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ....
٢٤ فَيَكُونُ عِوَضَ الطِّيبِ عُفُونَةٌ وَعِوَضَ الْمِنْطَقَةِ حَبْلٌ وَعِوَضَ الْجَدَائِلِ قَرْعَةٌ ... ٢٥ رِجَالُكِ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ وَأَبْطَالُكِ فِي الْحَرْبِ. ٢٦ فَتَئِنُّ وَتَنُوحُ أَبْوَابُهَا وَهِيَ فَارِغَةً تَجْلِسُ عَلَى الأَرْضِ.
(الأصحاح الرابع) ١ فَتُمْسِكُ سَبْعُ نِسَاءٍ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَائِلاَتٍ: «نَأْكُلُ خُبْزَنَا وَنَلْبِسُ ثِيَابَنَا. لِيُدْعَ فَقَطِ اسْمُكَ عَلَيْنَا. انْزِعْ عَارَنَا" أشعياء.

إن بعض النقاد يدعون بأن الله حلل الزواج بأكثر من امرأة واحدة استنادًا على نصين:

الأول: " ٧ وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ ابْنَتَهُ أَمَةً لاَ تَخْرُجُ كَمَا يَخْرُجُ الْعَبِيدُ. ٨ إِنْ قَبُحَتْ فِي عَيْنَيْ سَيِّدِهَا الَّذِي خَطَبَهَا لِنَفْسِهِ يَدَعُهَا تُفَكُّ. وَلَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ أَنْ يَبِيعَهَا لِقَوْمٍ أَجَانِبَ لِغَدْرِهِ بِهَا. ٩ وَإِنْ خَطَبَهَا لاِبْنِهِ فَبِحَسَبِ حَقِّ الْبَنَاتِ يَفْعَلُ لَهَا. ١٠ إِنِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ أُخْرَى لاَ يُنَقِّصُ طَعَامَهَا وَكِسْوَتَهَا وَمُعَاشَرَتَهَا. ١١ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَهَا هَذِهِ الثَّلاَثَ تَخْرُجُ مَجَّاناً بِلاَ ثَمَنٍ." خروج ٢١.

الثاني: " « ١٥ إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ إِحْدَاهُمَا مَحْبُوبَةٌ وَالأُخْرَى مَكْرُوهَةٌ فَوَلدَتَا لهُ بَنِينَ المَحْبُوبَةُ وَالمَكْرُوهَةُ. فَإِنْ كَانَ الاِبْنُ البِكْرُ لِلمَكْرُوهَةِ ١٦ فَيَوْمَ يَقْسِمُ لِبَنِيهِ مَا كَانَ لهُ لا يَحِلُّ لهُ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَ المَحْبُوبَةِ بِكْراً عَلى ابْنِ المَكْرُوهَةِ البِكْرِ ١٧ بَل يَعْرِفُ ابْنَ المَكْرُوهَةِ بِكْراً لِيُعْطِيَهُ نَصِيبَ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ مَا يُوجَدُ عِنْدَهُ لأَنَّهُ هُوَ أَوَّلُ قُدْرَتِهِ. لهُ حَقُّ البَكُورِيَّةِ." تثنية ٢١.

في النص الأول هنا لا يتكلم عن الزواج، لكن عن شريعة العبد، كما يبدأ الأصحاح: " ٢ إِذَا اشْتَرَيْتَ عَبْداً عِبْرَانِيّاً فَسِتَّ سِنِينَ يَخْدِمُ وَفِي السَّابِعَةِ يَخْرُجُ حُرّاً مَجَّاناً." خروج ٢١. فهنا في النصوص لا يتكلم عن الزواج لكن عن قانون العبيد والإماء. وفي النص الثاني، يتكلم الله عن وضع قائم: "إذا كان لرجل امرأتان" أي أن وصية الله هي لتنظيم وضع قائم فيه لرجل امرأتان. لكن في جميع النصوص لا يوجد وصية واحدة تسمح بشكل مباشر الزواج بأكثر من امرأة واحدة. انما كانت حالة البشر في القديم تحت نتائج الخطية والتي أحدى ظواهرها كانت تعدد الزوجات.

لكن بالرغم من عيش الإنسان تحت قوة نتائج الخطية في العهد القديم، الله لم يحلل قط الزواج بأكثر من امرأة واحدة كما تعلمنا. إن قساوة قلب الإنسان، بعد دخول الخطية إلى العالم، جعلته يكثر الزوجات وأن يُدخل الطلاق على العلاقة الزوجية أيضًا، إلا أن هذا لم يكن ما أعده الله للإنسان. لذلك أكد وثبت المسيح صحة النظام الذي وضعه الله من البداية قبل الخطية. وأيضًا عمل المسيح على إعادة ما أعده الله منذ البداية، كما قال:

" ٤ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ:«أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ ٥ وَقَالَ: «مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. ٦ إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَان. ٧ فَسَأَلُوهُ: «فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَقٍ فَتُطَلَّقُ؟» ٨ قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلَكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا." متى ١٩.

رأينا أن تعدد الزوجات هو ليس النظام الذي وضعه الله منذ البدء. إن دخول الخطية إلى العالم أدى إلى سيادة الرجل على المرأة بالشكل السلبي؛ والتي كانت أحدى ظواهرها تعدد الزوجات. إن الله أوصى الملوك بأن لا يكثورا زوجات؛ لكن عدم طاعتهم لوصية الله لا تعني أن الله مشترك أو موافق على زناهم. لم نرى أي نبي أو كاهن منذ شريعة موسى تزوج بأكثر من امرأة واحدة؛ وذلك بسبب قربهم من الله وقداسته؛ وتفرغهم لدعوته؛ ومعرفتهم بأن تعدد الزوجات هو شرٌ وفِسق. ورأينا أيضًا كيف أن المسيح افتدى الإنسان من نتائج الخطية وأرجع النظام الزوجي الذي أوجده الله منذ البدء.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا