ما هي إلا ساعات قليلة، تنطوي فيها أذيال سنة كاملة، وتُسدل السّتائر على كل ما فيها من ذكريات وتحديات، من صعوبات وتسهيلات. فهذه هي حياتنا، سنة تمضي وسنة تجيء. وما إن تدق الساعة الثانية عشرة، تبدأ القلوب بالخفقان، والعيون بالتّوسُّع، وتتجه الأنظار الى السماء، مخلوطة بأفكار وتأملات، ورحلة تقييم لكل ما مرَّ من العام الماضي، ومخطط ورؤيا للعام المُقبل. وما أن تجتمع عقارب الساعة على الرقم 12 حتى تضيء السماء الحالكة بألوان زاهية وأضواء باهية، وتتبادل المعانقات والسلامات بمناسبة حلول عام جديد. ليس هنالك خطأ في أي مظهر وتقليد من كل ما ذكر، لكن أهم عنصر يجب أن يتغلغل خلال احتفالنا بالعام الجديد هو تقييم حياتنا الروحية، ومدى علاقتنا بالرب. ويا ليتنا نتخذ من الآية الآتية من المزامير: "أمّا أنا فالإقتراب الى الله حسنٌ إلي" (مزمور 28:73) شعارًا ورايةً وهدفًا خلال السنة القادمة. وكشباب وشابات، ما أحوجنا في هذه الأيام التي نواجه فيها تحديّات ومنعطفات مختلفة، إلى أن نقترب إلى الرب من كل قلوبنا وأفكارنا ونفوسنا. لأن الاقتراب من المسيح يجعلنا: نراه مثالنا الكامل: ونرى وصاياه المكتوبة تجتمع به كمثال فريد، نتعلّم به كيف نسلك ونكتسِب صفاته، لنتَغيّر إلى صورته. فاقترابنا منه يضعنا في مركز الشركة مع شخصه، ومع الآخرين، بدل الانحناء تحت ظروفنا الخاصة. الاقتراب من قلبه، يجعلنا حسّاسين، ندرك كيف نفرح مع الفَرِحين ونبكي مع الباكين، وكيف نستمد منه كلَّ نعمة لنتكرّس بصدق له.

وكما ضَحَى هو لخدمة الآخرين، نتبع مثاله ونقتفي خطواته، ونحيا لخدمة الآخرين، بِغض النظر عمّا نراه فيهم.

الاقتراب منه يجعلنا نحيا ونثمر في الصلاح، مُقَدمين كل الأعمال الصالحة.

كلما اقتربنا منه، انسكبت محبته في قلوبنا، ونستطيع أن نرى الآخرين بعينه هو: أعزاء عنده وموضوع مَسَرّتِه، وثمر تعب نفسه. عندها تكون صلاتنا وخدمتنا لهم سهلة، بأمانة ميسورة ومُحَبّبة على قلوبنا كما على قلبه. فإذا أردنا ان تكون حياتنا وخدمتنا نافعة، ما علينا الا ان ندنو منه، ونعطيه مكانته بأن يكون هو الكل بالكل لنا، وكلما ازددنا شبعًا وارتواءً وعزاء، كلما تميزت حياتنا بالصعود والقُوة والهناء!

حقًا ما أحلى التأمل في شخصه، ما اجمله وما أجودهُ. هو الأبرع جمالاً من كل بني البشر. الحديث يلذ معه، لأن النعمة انسكبت على شفتيه. ما أحلى الجلوس عند قدميه، هناك نطرح كل همومنا، ونجد توبيخًا لقلقنا وانزاعجنا، نعم لأنه هو رئيس إيماننا ومكمله، هو الذي يحملنا في يداه. فلنُسَلمه كل شيء مما يزعجنا ويشغل بالنا، وليكن شغلنا الشاغل، وهدفنا الكامل أن نقترب منه، ونتَشَبَّع من شخصه ومن فكره، لتعكس حياتنا مجد جلاله. فهذه هي أعظم غاية، ويا ليتها تكون للعام الجديد شعارًا وراية!