غالبًا ما نفكّر أننا نستحق الحياة التي نعيشها، وأن بركات ونِعم الله علينا هي حقّ لنا، والحقيقة أنه عندما نخوض في تأمل بسيط وتفكير سليم في حياتنا نجد أننا غير مستحقين، وأن نِعمة اللحظة التي نعيشها هي من فضل رحمته ومحبته، وكل النِعَم التي نحظى بها مقدمة من لدُن ربّ السماء لنا، بفضل نعمته الفائقة الغنى والمحبة وليس بفضل استحقاقنا، "فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ" (متى 5: 45)، ولنستمع لاعتراف وتحذير يعقوب بالوحي المقدس "لاَ تَضِلُّوا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ. كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يعقوب 1: 16-17).

عند إدراك هذه الحقيقة لا بدّ لنا نعترف اعتراف العشار الذي "قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لوقا 18: 13)، فنتواضع أمامه، ونحني رؤوسنا إكرامًا له، ونقدم له تشكرات قلوبنا الصادقة لعظيم محبته وعنايته ورعايته لنا ولمن حولنا في كل لحظة ولُحَيظة "شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ِللهِ وَالآبِ" (أفسس 5: 20)، ولا نكون جاحدين كما يصف الوحيّ أُناس الأيام الأخيرة "وَلكِنِ اعْلَمْ هذَا أَنَّهُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ، لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ، مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ، غَيْرَ شَاكِرِينَ، دَنِسِينَ، بِلاَ حُنُوٍّ، بِلاَ رِضًى، ثَالِبِينَ، عَدِيمِي النَّزَاهَةِ، شَرِسِينَ، غَيْرَ مُحِبِّينَ لِلصَّلاَحِ، خَائِنِينَ، مُقْتَحِمِينَ، مُتَصَلِّفِينَ، مُحِبِّينَ لِلَّذَّاتِ دُونَ مَحَبَّةٍ ِللهِ، لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا" (2 تيموثاوس 3: 1-5).

في الكتاب المقدس لنا بعض النماذج لمن اعترفوا من قلوبهم بعدم استحقاقهم:
قائد المئة: لست مستحقًا أن تدخل بيتي
بعد أن طلب قائد المئة في كفر ناحوم مراحم الرّبّ لشفاء غلامه، وبعد أن قال له يسوع «أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ»، اعترف بعدم استحقاقه. فَأَجَابَ قَائِدُ الْمِئَةِ وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي. لأَنِّي أَنَا أَيْضًا إِنْسَانٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ. لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. أَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ! فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: اءْيتِ! فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِيَ: افْعَلْ هذَا! فَيَفْعَلُ» (متى 8: 8، لوقا

7: 6-7). فمدحه الرّبّ يسوع أمام الجُموع «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!..» (متى 8: 10) وأكرم الرّبّ طلبه "ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ: «اذْهَبْ، وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ». فَبَرَأَ غُلاَمُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ" (متى 8: 13).

لقد قال رؤساء اليهود عن هذا القائد الأمميّ أنه مستحق وطلبوا مساعدة الرّبّ له «... إِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يُفْعَلَ لَهُ هذَا، لأَنَّهُ يُحِبُّ أُمَّتَنَا، وَهُوَ بَنَى لَنَا الْمَجْمَعَ» (لوقا 7: 3-5) أما هو فأرسل ليسوع معترفًا بعدم استحقاقه «يَا سَيِّدُ، لاَ تَتْعَبْ. لأَنِّي لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي. لِذلِكَ لَمْ أَحْسِبْ نَفْسِي أَهْلاً أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ. لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَيَبْرَأَ غُلاَمِي..." (لوقا 7: 6-7).

حقًا نحن غير مستحقين لنكون في محضره، كما أدرك ذلك بطرس الذي "خَرَّ عِنْدَ رُكْبَتَيْ يَسُوعَ قَائِلاً: «اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَا رَبُّ، لأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ!» (لوقا 5: 8). فكيف لمن يملأ مجده السماوات والأرض أن يتواجد تحت سقف بيتنا؟ ولكنه بعظيم نعمته يدعونا قارعًا "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤيا 3: 20).

الابن الضال: لست مستحقًا أن أكون ابنك
كلنا ضللنا الطريق (إشعياء 53)، وامسينا كالابن الضال تائهين مشردين، فحري بنا أن نفكّر كما فكّر هذا الشاب "أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ" (لوقا 15: 18- 19)، ونعلن للآب السماوي تائبين معترفين "يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا" (لوقا 15: 21). فتفرح السماء بفرح الآب بعودتنا. لأننا لا نستحق أن نُدعى إلا عبيدًا ولكنه بعظيم محبته يقول: "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي" (يوحنا 15: 15).

المعمدان: لست مستحقًا أن أكون لك خادمًا
يعلن المعمدان عن عدم أهليته لخدمة المسيح ولو بأدنى خدمة بقوله "أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ" (متى 3: 11، ومرقس 1: 7، ولوقا 3: 16). ويشهد بولس الرسول شهادة عن اعلان يوحنا

المعمدان حقيقة كونه غير مستحق لحلّ سيور حذائه "حَسَبَ الْوَعْدِ، أَقَامَ اللهُ لإِسْرَائِيلَ مُخَلِّصًا، يَسُوعَ. إِذْ سَبَقَ يُوحَنَّا فَكَرَزَ قَبْلَ مَجِيئِهِ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ. وَلَمَّا صَارَ يُوحَنَّا يُكَمِّلُ سَعْيَهُ جَعَلَ يَقُولُ: مَنْ تَظُنُّونَ أَنِّي أَنَا؟ لَسْتُ أَنَا إِيَّاهُ، لكِنْ هُوَذَا يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ أَحُلَّ حِذَاءَ قَدَمَيْهِ" (أعمال 13: 23-25). حقًا لا يستحق أحدٌ منا أن ينال مجد خدمته ولكنه يدعونا لنخدمه لمجد اسمه ولخلاص النفوس، بل ويعدنا أن نكون معه دومًا وأبدًا وأن ننال الإكرام من الآب "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا هُنَاكَ أَيْضًا يَكُونُ خَادِمِي. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ" (يوحنا 12: 26).

بولس: لست مستحقًا لمواهبه
يعترف بولس الرسول بعدم استحقاقه لأن يكون رسولًا للمسيح لأنه اضطهد قبلًا المؤمنين " ... وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا. لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ. وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا..." (1 كورنثوس 15: 8-10)، وفي اعترافه يؤكد أن لا صلاح فيه إلا بنعمة الله. ونحن نعترف بعدم استحقاقنا لأن نتمتع بأية موهبة روحية ونستخدم أية عطية سماوية، نحن الذين كنا أمواتًا في الخطايا، ولكنه يؤكد أن اختيارنا منه هو، وأن مشورته اختارتنا ومشيئته تعمل فينا، لنذهب ونثمر ويدوم ثمرنا "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ، لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ الآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِاسْمِي" (يوحنا 15: 16).

نحن، غير المستحقين، مدعوون من قبل صاحب كلّ استحقاق دعوة للراحة الحقيقيّة "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ» (متى 11: 28-30).

نحن غير مستحقين، أما هو ربّ المجد، خالقنا ومخلصنا فادي نفوسنا، فهو وحده المستحق، لذلك نخُر أمامه مع جميع القديس معترفين باستحقاقه الذي لا غُبار عليه "يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِينَ: «أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ» (رؤيا 4: 10-11)، ومرنمين «مُسْتَحِق أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ

عَلَى الأَرْضِ». وقائلين «مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ!» (رؤيا 5: 9-12). له المجد لأنه مُستحقٌ مستحقٌ مستحق.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا