كتب الرسول يوحنا كثيرًا بارشاد الروح القدس عن المحبة، ان كان في الانجيل او في الرسائل، حتى انه يُدعى رسول المحبة. كتب عن محبة الله للعالم، للكنيسة اي المؤمنين، محبتنا احدنا للآخر، وحتى عن محبة الاعداء.

طبعًا هو لم يتكلم عن محبة بشرية بل الهية كاملة شاملة، لا تُفرِّق احدنا عن الآخرين.

فهذا ما ذكره يوحنا في الانجيل 16:3: "لانه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يُؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية."

هكذا احب الله العالم، اي بهذا المقدار الكبير الكامل وللجميع دون استثناء، احبنا جميعًا ونحن بعض خطاة واعداء لكل بِر، بافكارنا واعمالنا كنا اعداء، حتى انه هو الذي بادرة بخلاصنا ونحن بعض خطاة، ارسل ابنه الوحيد القدوس البار، لكي يموت عن الخطاة، لغفران الخطايا ولكي يهبنا الحياة الابدية.

لم يرسل الله ملاك او نبي لكي يموت عنا، ولا كبش او خروف، بل ابنه الوحيد له كل المجد، فهل ادركنا عُمق هذه المحبة لنا جميعًا ؟ كمؤمنين اليوم او حتى ما زلنا بعيدين عن الله وعن بِرِّهِ، فعلى حساب الدم الكريم قد اصبحنا قريبين كلنا الى الله، بالايمان بابنه الذي ارسله مخلص للعالم.

نعم هكذا احب الله العالم، مع كل الشر الموجود في العالم، بل في القلوب والافكار، لكنه يحب الانسان الخاطىء الذي يأتي اليه بتوبة حقيقية من كل القلب، كما نحن اليوم بخطايانا وضعفاتنا يحبنا، ويريد ان يخلص كل واحد منا من الدينونة، وان يكون أبًا لنا جميعًا.

نفس الرسول الذي تكلم عن محبة الله لنا جميعًا، وعن وصية الرب كيف ينبغي ان نحب احدنا الآخر، يوصي في رسالته الاولى بان لا نُحِب العالم، وكانه هناك تناقض بما نقرأ!

كذلك الرسول يعقوب يوصي بان محبة العالم هي عداوة لله!

الله احب العالم، ورسوله يوصينا بان لا نحب العالم!

يتابع الرسول يوحنا بالتوضيح بانه ان احب احد العالم فليست فيه محبة الآب.

لان كل ما في العالم: شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمضي وشهوته، واما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت الى الابد.

ان لم تملأ محبة الله قلوبنا، فمن الممكن ان تدخل انواع كثيرة من "المحبة" الى قلوبنا، وتُضعِف محبتنا للآب القدوس وربنا يسوع المسيح، تفتر محبتنا للكنيسة وللخدمة، وكيف لنا بعد ان نحفظ الوصية بمحبة حتى الاعداء؟!

الله احب العالم لانه هو الله محبة، اما نحن فعلينا ان نكون بشركة قوية معه بقوة الروح القدس، لكي يملأ قلوبنا بمحبته، ولكي نرفض كل انواع المحبة الغريبة عن محبة الله.

فعندما نقرأ عن محبة العالم، هناك شهوة الجسد، شهوة الاكل والشرب والافراط بذلك، وصرف اموال باهضة لدرجة البطر بل والكبرياء ايضًا، هذا ان لم نتكلم عن الضرر الكبير الذي يسببه الافراط في الاكل والامراض التي تتعلق بذلك.

 كذلك الافراط في الشرب والسُكر، والضرر الجسدي، النفسي وقبل كل شيء الروحي الناجم عن ذلك.

كذلك شهوة الجسد في العلاقات الجنسية الخارجة عن نطاق الزواج، والامراض الجسدية الناجمة عن ذلك، الفراغ النفسي الشديد والجروح في اعماق القلب نتيجة "الحُب الكذاب"، والانفصال عن الله والدينونة لكل زاني وزانية، وكل سِكِّير وضراب ومن يملأ قلبه البطر (بمعنى عدم الاكتفاء بما عندي، والمحاولة دائمًا للوصول للامور الاخرى حتى بطرق باطلة).

كذلك يحذرنا الرسول من شهوة العيون، بان نشتهي كل ما حولنا، ومحاولة اقتنائِه بكل ثمن وبكل طريقة ممكنة، اشتهي ممتلكات الاخرين، اقارن نفسي دائمًا بالآخرين واريد ان املك اكثر منهم، ولا اشكر الله دائمًا بما املك وبما هو موجود عندي، اشتهي الممتلكات، اشتهي امرأة قريبي وامور اخرى كثيرة نشتهيها ولا يريدها الله لنا!

واذا امتلكنا بعض الامور وحتى الثمينة منها، فلا نشكر الله على ذلك ونبارك اسمه القدوس، لانه هو الذي يعطي ولا يعيِر، ونظن انه بقوتنا وذكائنا امتلكنا هذه الامور، وهنا نرى تعظم المعيشة التي حذر ايضًا منها الرسول يوحنا، لانه من الممكن لنا ان نمتلك بعض الاشياء التي لسنا بحاجة لها وهي ليست ضرورية لنا، ونريد دائمًا الاكثر والافضل لانه يوجد في قلوبنا تعظم المعيشة، لكي اشعر اني انا الافضل، واملك الاحسن وعلى الجميع ان يرُوا ذلك، وان لا فمن الممكن ان نبذل قصارى جهدنا لكي نظهر اننا الافضل والاحسن دائمًا، كيف؟ بقوتنا وفضلنا نحن!

ما احوجنا في هذه الايام ان نحفظ قلوبنا من محبة العالم وشهوته الزائلة، وان يملأ الله قلوبنا بمحبته، ونصرخ كل يوم ومن كل القلب مع الرسول بولس: "مع المسيح صُلِبت، فأحيا لا انا، بل المسيح يحيا فيَّ. فما احياه الآن في الجسد، فانما احياه في الايمان، ايمان ابن الله، الذي احبني واسلم نفسه لاجلي."

لنحذر محبة العالم التي ملكت قلب ديماس، الذي احب العالم وترك بولس الرسول، لانه ان امتلكت محبة العالم قلب المؤمن، فمن الممكن ان يترك الشركة مع الاخوة المؤمنين، وحتى ان يترك الرب ويُقَسِّي قلبه بعدم الايمان!

صلاتنا كلنا ان يكون شعار حياتنا هو كلام بولس الرسول: "واما من جهتي، فحاشا لي ان افتخر الَّا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صُلِب العالم لي وانا للعالم".

وبقوة عمل الصليب بحياتنا، نموت على ذواتنا وعن كل شهوة بالعالم، ونكون بالفعل سفراء عن المسيح وشهود عن محبة الله لنا وللعالم الهالك، لكي لا نذهب نحن للعالم الا بقوة وحماية الصليب لنا، وان اراد العالم ان يأتي الينا، فليس من خلال اي طريق آخر سوى الصليب.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا