هناك رغبة عند الانسان بأن يقارن نفسه بالآخرين، ان كان في المظهر الخارجي واللباس، في النجاح بالعلم او بالعمل، بما يمتلك من بيوت وسيارات، اراضي واموال وممتلكات اخرى، وحتى في الامور الروحية والخدمات، بالقول مثلا أن خدمته مباركة اكثر وان كنيسته هي الاكبر بعدد النفوس!

نقرأ في المزمور الثالث والسبعون بأن الله صالح لاسرائيل، لانقياء القلب.

وفي انجيل متى 45:5 نجد تشجيع لنا جميعًا بأن نكون ابناء ابينا الذي في السماوات، ليس بالكلام فقط بل بالمحبة والاعمال الحسنة، لانه يُشرق شمسه على الاشرار والصالحين، ويُمطر على الابرار والظالمين.

من الممكن ان يُفهم بأنه يوجد تناقض بين كاتب المزمور آساف، وكاتب الانجيل متى البشير.

فالاول يقول بان الله صالح لاسرائيل، لانقياء القلب، والثاني يُخبرنا بأن الله الآب يُحب الجميع، لانه يوفر الخيرات الطبيعية مثل الشمس والمطر، وبركات مادية اخرى ليس فقط للصالحين والابرار، بل ايضًا للاشرار والظالمين.

هذا الامر كان من الممكن ان يشوش تفكير آساف، وربما تفكير البعض منا القائلين لماذا يا رب؟! انا أُحبك واعبدك وليس لي تلك البركات المادية التي يملكها الاشرار الظالمين، وآساف يقول في المزمور انه كادت تَزِل قدماه، ولولا قليل لزلقت خطواته!

انه لامر خطير جدًا ان ننظر الى الآخرين بعين الحسد والغيرة، وهذا ما حذر منه بولس في رسالته الى اهل غلاطية، اعمال الجسد، وواحدة منها هي الغيرة والحسد، اذا ملكت قلب انسان اعمت بصيرته الروحية واقول ايضًا انسانيته، لانه من الممكن ان يصل الامر ليس فقط بالغيرة، بل ان نتمنى الشر للآخرين وبالاخص ان امتلكوا امور اكثر منا او اتقنوا فعل امور افضل منا، لذلك علينا ان نتحذَّر من هذا الشر اي الغيرة والحسد، لانه من يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله ( غلاطية 21/5 ).

الله صالح للجميع، يحب الجميع ويريد ان يبارك الجميع بالركات المادية وبالاخص الروحية وأولها الخلاص والحياة الابدية.

ولكن أِن وفر لنا الرب كل ما نطلب منه، واعطانا كل ما نشتهي وفي توقيتنا نحن، هل هذا دائمًا لخيرنا؟ ام علينا نحن ان نضع امور حياتنا بين يديه، الخالق القدير والآب الامين، الذي يعرف احتياجات حياتنا حتى قبل ان نطلب منه، وهو يوفر لنا الافضل دائمًا وفي التوقيت المناسب، حسب فكره وحكمته.

آساف نظر كثيرًا الى الاشرار والمتكبرين، الذين نسوا ان كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق، نازلة من عند ابي الانوار، الذي ليس عنده تغيير ولا ظِل دوران، والذين نسوا ان يكونوا شاكرين كل حين وعلى كل شيء، ومن يعتقدون بانهم امتلكوا كل شيء بحكمتهم وقوتهم، وهم يطلبون دائمًا كل الاشياء ونسوا اولًا ملكوت الله وبره! وهذه الامور جعلت منهم متكبرين على الله وناسين الله، بل ومتكبرين ايضًا على اخوتهم البشر!

آساف من شدة خيبة امله من كل هذا، ابتدأ بالتذمر والقول بانه "حقًا قد زكيت قلبي باطلًا وغسلت بالنقاوة يدي، وكنت مصابًا اليوم كله، وتأدبت كل صباح". كأنه يقول: انا الذي آمنت بالله، لماذا ليس لي كل هذه الخيرات التي يملكها الاشرار والمتكبرين؟ 

ولكن شكرًا لله الذي لا يتركنا ابدًا بضعفاتنا وحيرتنا، وكما يقول آساف:

"حتى دخلت الى مقادس الله، وانتبهت الى آخرتهم". 

هذا هو الامر الاعظم والاهم، ان ندخل الى مقادس الله كآساف، لكي نتأمل مجد الرب وبهائه، وننسى انفسنا بحضرته، وتشبع قلوبنا بجماله هو وحده، وعندها نقول معه: "من لي في السماء؟ ومعك لا اريد شيئًا في الارض، صخرة قلبي ونصيبي هو الله الى الدهر". ومع المرنم نقول: "واحدة سألت من الرب واياها التمس، ان أسكن في بيت الرب كل ايام حياتي، لكي أنظر ألى جمال الرب، وأتفرس في هيكله".

ان نملك امور مادية، وان يكون عندنا طموح مقدس للنجاح في علمنا والتقدم في عملنا، انها لامور حسنة وجيدة. ولكن اذا لم نملك بعض الامور، هل نتذمر على الله، ونغار من الآخرين الذين عندهم اكثر منا؟ حتى وان كانوا اخوتي في كنيستي المحلية؟ وان كانت خدمة اخي مباركة هل افرح له؟ او يكون في قلبي غيرة شريرة وحسد قاتل اتجاهه؟ 

وهل ما زلنا نقول اننا نحن الاكثر ونحن الافهم؟ ومن الممكن ان يُؤدي هذا الامر الى اضعاف النفوس، وحتى اشعال الغيرة والحسد في قلوب اخوتنا واحبائنا؟

اخوتي، الله الحنان الرحيم يشرق بشمسه حتى على الاشرار والظالمين، ويوفر لهم الطعام والشراب كل يوم، لعلهم يهربوا من فخ ابليس الذي اقتنصهم لذاته ونسوا الله! هم الذين يقولون: كيف يعلم الله؟ وهل عند العلي معرفة؟

أليس بالحري افضل ان يقول انقياء القلوب مع آساف:

"اما انا فالاقتراب الى الله حسنٌ لي، جعلت بالسيد الرب ملجإي، لأُخبِر بكل صنائعك".

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا