يختتم البشير متى الإنجيلي بشارته بوحي إلهي، بثلاث آيات تعلن قلب الرّب نحو البشرية، وتؤكد مسؤولية أولاده، أي المؤمنين به (يوحنا1: 12) تجاه هذا العالم المتخبط بتيهانه: "فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ". (متى28: 18-20).

في رسالة الرّب الموجزة لتلاميذه ولمؤمنيه، إرسالية تمتد على مرّ الأجيال، نابعة من فرط محبته لكل فرد من أفراد هذه البشرية الغالية على قلبه، والتي بذل ذاته لأجل كل واحد منها، مهما كان جنسه وشكله ولونه ولغته وجنسيته وقومتيه وثقافته ومركزه ودينه وطائفته وما إلى ذلك. بذل نفسه لأجل كلّ واحد منا وحتى من يعتبر نفسه أنه لا يستحق أية لفتة محبة من أيّ أحد، "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يوحنا3: 16).

هذه الارسالية العظمى، المأمورية العظمى، هي نهر العناية السماوية بالعنصر البشري الضعيف، في اقسامه الثلاثة: المنبع والمجرى والمصب.

منبع الارسالية العظمى: السلطة 

الرّب يسوع المسيح، الاله الكامل والانسان الكامل، الإله المتجسد الذي نزل من عَلياء مجده ليفتقد البشرية الهالكة بخلاصه العجيب، ابن الانسان المقام من الأموات بعد أن تمم الفداء العظيم على صليب الجلجثة، هو منبع هذه الإرسالية العظمى ومصدرها، فهي تستند على سلطانه كابن الانسان، "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ، لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (فيليبي2: 6-11). هذا السلطان غير المحدود بزمان أو مكان، "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ"، سلطانه يشمل كل السماء بكل ما فيها وكل الأرض بكُليتها، فليس شيئًا مخفيًا عن سلطانه، فهو ذاته الذي "كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ" (يوحنا1: 2-4). بهذا السلطان نحن مرسلون "إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كورنثوس5: 20).

مجرى الارسالية العظمى: الرسالة

وقف يسوع على الجبل في الجليل، أمام الأحد عشر ومئات المؤمنين (مرقس16: 15-18؛ 1كورنثوس 15: 6)، معلنًا ماهية الارسالية العظمى المعطاة والمُسلمة لكل مؤمن، فهي رسالة الرّب لكل حجر حيّ في كنيسته، هي مسؤولية فردية أساسًا، والتي تؤكد أنه لا يمكن للمؤمن أن يتهاون عن تقديم البشارة، بل على كل منا فيما هو سائر وذاهب في كل تفاصيل حياته اليوميّة، عليه أن يفتكر ويفتدي الوقت لتكون هذه المهمة الموكلة له، نُصب عينيه. 

هذه الارسالية العظمى تتكون من تركيبة ثلاثية: التلمذة (التبشير)، التعميد (إعلان الإيمان)، التعليم (المتابعة الروحية).

1. تلمذوا: وهي الأساس. التلمذة هنا هي التبشير، أي اعلان البشارة السارة للجميع، هي الاهتمام بكل نفس ضالة عن المسيح لنرشدها إليه لأنه "هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" فلَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ به (يوحنا14: 6)، هو وحده الطريق الى السماء، وبه وحده نيل الحياة الأبدية. لهذا هو أتى لكي يخلص ما قد هلك، وما نحن بكرازتنا إلا منارة ترشد الجميع إلى المرفأ الأمين، شخص ربنا وسيدنا، يسوع المسيح، فادي البشرية.

2. عَمّدوا: كل من يؤمن بالمسيح، يعترف به علنًا أمام الناس، فبعد أن آمن بالقلب، يعترف بالفم، "لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ، وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ" (رومية10: 10)، وعندها يُعلن المؤمن استعداده للمعمودية، أي الاعتراف العلني أمام الجميع، "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (كولوسي 2: 12)، "فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ" (رومية6: 4)، ففي دخول المعتمد في الماء يؤكد أنه مات عن العالم مع المسيح، وفي خروجه من الماء يعلن أنه قام مع المسيح في حياة جديدة، فالمعمودية هي رمز وعلامة علنية أمام الناس، وتتم بالاعتراف العلني باسم الله الواحد المثلث الأقانيم. فيتم التعميد "بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ"، بــ "اسم" وليس "أسماء"، فالله واحد في ثلاثية تسمو عن أفكارنا، فالآب بذل ابنه، والابن افتدانا بقوة الروح القدس فتم الخلاص.

3. علموا: لا تنتهي الارسالية العظمى بتبشير الناس، ونيلهم الحياة الأبدية، بل تمتد إلى المتابعة الروحية، من خلال تعليمهم كيفية العيش في الرّب في عالم بعيد عنه ورافض له، وتشجيعهم وارشادهم ليواظبوا "عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ" (اعمال2: 42)، ليحفظوا وصاياه في حياتهم العملية ويعملوا مرضاته ويشهدوا له، ليقوموا هم أيضًا بدورهم كمرسلين وسفراء له في مهمة، بل امتياز، القيام بالإرسالية العظمى، لإرشاد آخرين للمسيح، "فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ابْنِي بِالنِّعْمَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا" (2 تيموثاوس2: 1و2).

مصب الارسالية العظمى: المعيّة

 

في ختام الارسالية العظمى يؤكد الرّب يسوع أننا لسنا بمتروكين، ففيما نحن نقوم بها، لنا امتياز معيته ورفقته لنا، "أَنَا مَعَكُمْ"، فهو معنا يعلمنا ويرشدنا، يحفظنا من كل شرّ وينجح طريقنا، عينه علينا، ليس فقط كلّ اليوم، بل في "كُلَّ الأَيَّامِ" أيضًا، فلا حدود لهذه المعية والرفقة والعناية الالهيّة، فهي لن تنتهي "إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ". 

طوبى لمن قبِل الرّب يسوع مخلصًا شخصيًا له، فنال الحياة الأبدية، وأصبح من أصحاب الامتيازات السماوية، وعلى رأسها امتياز دعوة الارسالية العظمى.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا