المزمور الأول 1-6 "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لَكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّب مَسَرَّتُهُ وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَاراً وَلَيْلاً. فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِيِ الْمِيَاهِ الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ. وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ. لَيْسَ كَذَلِكَ الأَشْرَارُ لَكِنَّهُمْ كَالْعُصَافَةِ الَّتِي تُذَرِّيهَا الرِّيحُ. لِذَلِكَ لاَ تَقُومُ الأَشْرَارُ فِي الدِّينِ وَلاَ الْخُطَاةُ فِي جَمَاعَةِ الأَبْرَارِ. لأَنَّ الرَّب يَعْلَمُ طَرِيقَ الأَبْرَارِ أَمَّا طَرِيقُ الأَشْرَارِ فَتَهْلِكُ".

انسان مبارك

لا يحب النَّاس سماع جمل بصيغة النفي، أي بصيغة سلبية، بل يريدون الإيجابيات فقط. ولذلك أصبح الحديث عن السلبيات أمراً غير مرغوب فيه، والمطلوب أن يكون الوعظ والكلام فقط في الإيجابيات، دون التطرق إلى السلبيات.

وكثيراً ما نسمع بعض النَّاس يقولون: "أنا أحب أن أكون إيجابياً دائماً". ولكن هذا المبدأ لا وجود له في الكتاب المقدس. فهذه فلسفة وردية ولكنها ليست واقعية. فكل انسان يعرف أنه توجد في الحياة الكثير من السلبيات الى جانب الإيجابيات.

كذلك في مجال تربية الاولاد: نسمع نصائح تقول أن على الوالدين أن لا يقولا لأولادهم كلمة "لا" أبداً، بل أن يكون الأهل إيجابين معهم باستمرار، ولا يمنعوا عنهم أي شيء. في الواقع أن مثل هذه التربية هي دعوة لتدمير الأسرة ولفساد الأولاد. فإن لم اقل لأولادي "لا" لأشياء كثيرة، فإنني بذلك أشجعهم بطريقة غير مباشرة على الشر. علينا أن نتأكد بأننا إن أردنا أسرة سعيدة، فإن علينا أن نرفض الكثير من مطالب وتصرفات أولادنا، لأننا بذلك نريد لهم الخير والأفضل، وبهذه الطريقة نجعل منهم رجالاً ونساءً عظام.

اسمع ما يقوله الرَّب: لا تقتل، لا تكذب، لا تزن، لا تسرق، لا تشته أموال غيرك، لا تظلم أحداً. فإن كان الله يستخدم لغة النفي، فمن أنا حتى لا استخدم نفس اللغة في تربية أولادي ورعاية كنيستي: "لا" لن نصغي للعالم الشرير، وسنستخدم لغة النفي كثيراً. سنقول للعالم: لا لطريق الأشرار، لا للحسد ولا للغيرة ولا للشتيمة ولا للفساد ولا للملابس المكشوفة ولا للزنا ولا للكسل ولا لكل أنواع الشَّر في العالم.

في سفر المزامير، وتحديداً في المزمور الأوّل، نقرأ عن نوعين من النَّاس: الإنسان البار أو المطوّب والمبارك. والإنسان الشرير والخاطئ. ونقرأ في الآية الثالثة من المزمور قوله: "وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ". وهذا وعد عظيم من الله لكل من يعمل بما جاء في الكلمات السابقة لهذه العبارة في المزمور. لذلك للحصول على هذا الوعد، يدعونا الله أن نعمل بما في هذا المزمور.

تتحدث الآيات الثلاثة الأولى عن الإنسان البار والمطوَّب والمبارك. وتتحدث الآيات الثلاثة الأخيرة عن الإنسان الشرير والخاطئ. وتأملاتنا هنا ستكون حول الإنسان المبارك أو المطوَّب:

تبدأ الآية الأولى بالقول: "طُوبَى لِلرَّجُلِ": أي يا لسعادة ويا لغبطة ويا لسرور ويا لبركة ويا لفرح وابتهاج هذا الرجل أو هذه المرأة، وللتعميم تقول لهذا لإنسان. أنه إنسان في موقع رائع وعظيم، وقد يحسده الآخرون بسبب بركات الرَّب في حياته.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: من هو الإنسان المبارك والمطوَّب؟ وما هي صفات وخصائص الإنسان السَّعيد.

أولاً: أنه مبارك ومطوَّب بسبب الأشياء التي لا يعملها، أي بسبب عدم ممارسته لبعض الأعمال. نلاحظ هنا صيغة النفي في الآية الاولى. فالمزمور يقول: "طوبى للرَّجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار"، ولا يقول: "طوبى للرجل الذي يسلك في مشورة الأبرار". والسؤال الآن: ما هي الأشياء التي لا يعملها الإنسان المطوَّب بحسب كلمة الله هنا هي:

أ. هو مطوَّب لأنَّه لم يسلك في مشورة الأشرار: تشير كلمة "مشورة" إلى خطط وأهداف وآراء جماعة الأشرار والخطاة. فإن كنت تريد أن تكون مطوَّباً من الرَّب، فعليك أن تبتعد عن آراء وأفكار وأهداف وخطط الأشرار، وإن أدى ذلك إلى أن تصبح مرفوضاً أو مضطهداً من النَّاس. ولأن المؤمن يرفض آراء الأشرار وخططهم، فهو لذلك لا يكون تحت نير مع غير المؤمن، ولذلك يرفض مسايرة العالم في عمل أشياء لا تليق بالمؤمن. كذلك يلجأ المؤمن الحقيقي إلى قول الحق في وجه الباطل، وإن أدَّى ذلك إلى غضب النَّاس عليه، فالمؤمن الحقيقي يطلب أولاً وأخيراً بركة الرَّب ورضاه، وليس رضا العالم الذي سقط في الشِّرير.

إذا رفض أي إنسان أن يؤمن بوحي الكتاب المقدس، أو رفض الإيمان بلاهوت الرّب يسوع المسيح وولادته من عذراء وصلبه وموته وقيامته بالجسد وصعوده إلى السماء وعودته عن قريب، فكيف يستطيع المؤمن أن يسلك في مشورة مثل هؤلاء النَّاس؟كذلك إذا رفض إنسان الإيمان بأن الخلاص والتبرير يعتمد على نعمة الله التي تجسدت في صليب الرَّب يسوع المسيح. ويصر هذا الإنسان على أن الخلاص يتم بالأعمال الصالحة، فكيف يمكن للمؤمن المسيحي أن يسلك أو يسير في طريق هذا الإنسان.

إن مشورة الأشرار، أي آرائهم وأفكارهم وخططهم، هي دائماً ضد مشيئة الله. فالذي يدعوك لصرف الوقت في السخرية ولعب ورق الشدة أو البيلياردو أو في تناول الخمرة وسهرات المجون، مثل هذه المشورة هي مشورة شريرة من أناس أشرار، وعلى المؤمن الحقيقي أن يبتعد عن مشورة الأشرار، لكي يكون مطوَّباً من الرَّب.

ب. وفي طريق الخطاة لم يقف: المؤمن الحقيقي والمطوَّب لا يصرف وقته مع الخطاة والأشرار. فهو لا يقف في طريق الخطاة، أي لا يستسلم ولا يكون سلبياً مع الخطاة، بل عليه أن يقف ليقول للخطاة أن طريقهم تؤدي إلى الكارثة، وأن عليهم أن يتوبوا ويرجعوا للرَّب.

على المسيحي الحقيقي، أي على الإنسان الذي يريد بركة الرَّب على حياته، والذي يريد أن يكون مطوَّباً من الرَّب، على هذا الإنسان أن يقرر بحزم وقوة بأنَّه:
- لن يتصرف مثلما يتصرف العالم.
- لن يعيش مثلما يعيش العالم.
- لن يلبس مثلما يلبس العالم.
- لن يتردد إلى الأماكن الشريرة التي يتردد عليها العالم.

على المسيحي الحقيقي أن يكون مختلفاً عن العالم، وأن يعيش بحسب إرادة الله. نقرأ في رسالة كورنثوس الأولى 33:15 "لاَ تَضِلُّوا! فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ"، وفي سفر الأمثال 20:13 "اَلْمُسَايِرُ الْحُكَمَاءَ يَصِيرُ حَكِيماً وَرَفِيقُ الْجُهَّالِ يُضَرُّ"، لذلك على المؤمن أن يلاحظ نفسه وسلوكه، فالعشرة الردية، أي الصداقة والاختلاط الدائم مع الأشرار، ومسايرتهم في الكلام والتصرفات ستؤدي حتماً إلى فساد أخلاق المؤمن وسقوطه الروحي بشكل مُشين ومُهين.

وكأن الله يدعونا هنا إلى أن نأخذ بهذه النصيحة: حاول دائماً أن تختلط وتعاشر الأشخاص الأمناء واصحاب الأخلاق المسيحية في عملك أو مكان دراستك، لأن ذلك سيحسن من وضعك بشكل كبير، وإن لم تعمل ذلك، فلن يتحسن وضعك أبداً. وإن خالطت الخطاة والأشرار، فلن يتحسن وضعك، بل ستستمر في التقهقر والرجوع والسقوط.

على المؤمن أن يجد أفضل وأقدس مسيحي ليختلط به: ابحث عن مؤمن يحب الرَّب، وممتلئ بالروح القدس، وممتلئ غيرة لخدمة يسوع، ولاحظ النمو والتغيير الذي سيتم في حياتك.

ما أكثر المؤمنين الذين دُمرت حياتهم الروحية بسبب عشرتهم مع الخطاة، فاهرب منهم يا إنسان الله، واتبع البر والتقوى مع الذين يحبون الرَّب يسوع من كل قلوبهم، وتذَّكر قول الله في سفر الأمثال 25:29 "خَشْيَةُ الإِنْسَانِ تَضَعُ شَرَكاً وَالْمُتَّكِلُ عَلَى الرَّب يُرْفَعُ". لقد سقط كثير من المؤمنين في فخ وشرك الخطيّة بسبب خوفهم وخشيتهم من النَّاس، بدلاً من اتكالهم على الله.

ج. وفي مجلس المستهزئين لم يجلس: هذه هي الصيغة السلبية الثالثة في المزمور. فبعد قول الوحي المقدس: "لم يسلك" و "لم يقف" فهو هنا يقول: "لم يجلس". نلاحظ في هذه الأفعال عملية تطور وتقدم: سلوك "أي مشي" ووقوف ثم جلوس، وأي عارٍ في هذا الجلوس. إنه جلوس في مجلس المستهزئين، وكلمة "المستهزئين" هنا تشير إلى كل شخص لا يؤمن بالكتاب المقدس، ولا يؤمن بكلمة الله، ويستهزأ من الأبرار والمؤمنين المخلَّصين بدم الرَّب يسوع المسيح. وما أكثر المستهزئين بالمؤمنين في عالمنا اليوم ، وما أكثر مجالس المستهزئين: بنكاتهم السخيفة والتافهة، وبأحاديثهم المشبعة بالنجاسة والإثم، وبكلامهم على النَّاس بشكل يثير الاشمئزاز.

يدعونا الله أن نفكر بوضعنا، فأين تجلس أو تجلسين معظم الوقت، مع الاخوة والأخوات القدِّيسين، أم مع الأشرار والنجسين؟.

ثانياً: إنَّه مبارك بسبب الأعمال التي يعملها: نقرأ في الآية الثانية: "لَكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّب مَسَرَّتُهُ"، أي أن الإنسان المطوَّب والمبارك يفرح ويُسر بالعمل والعيش بحسب شريعة الله، وشريعة الله هنا لا تعني فقط الوصايا العشرة، بل تشير إلى كل مطالب الله في الكتاب المقدس، أي أن المؤمن يسرّ بالكتاب المقدس وما فيه من تعليم عن حياة القداسة والطهارة والخير والحق والجمال.

يجد المؤمن المسيحي مسرّته في ناموس الرَّب وفي كلمة الله. فهل تفرح وتسر في قراءة كلمة الله وتطبيق هذه الكلمة على حياتك، أم أنك تخجل من إنجيل الرّب يسوع المسيح. صلاتي أن يُلهب الله قلوبنا في محبة كلمته، وأن نفضل قراءة الإنجيل على أي شيء آخر في حياتنا.

تأمل في ما قاله رجل الله أيوب في 11:23-12 "بِخَطَوَاتِهِ اسْتَمْسَكَتْ رِجْلِي. حَفِظْتُ طَرِيقَهُ وَلَمْ أَحِدْ. مِنْ وَصِيَّةِ شَفَتَيْهِ لَمْ أَبْرَحْ. أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَتِي ذَخَرْتُ كَلاَمَ فَمِهِ". فهل كلام الله زاداً يومياً لحياتك؟ وهل قررت أن تقرأ الكتاب المقدّس كل يوم؟ وأن تنهي قراءته على الأقل مرة واحدة في السنة؟ هل تسرُّ حقاً في قراءة الكتاب المقدس، أم تستمتع أكثر بقراءة الجريدة. أعرف أن بعض المؤمنين لن تفوتهم قراءة الجريدة في أي يوم من أيام الأسبوع، ولكنهم لا يقرؤون الكتاب المقدس إلا صباح الأحد في الكنيسة. أو أنهم لا يقرؤونه أبداً، والسبب ببساطة هو أن الكتاب مزعج لهم، فهو يوبخهم وينخز ضميرهم ويظهر لهم حقيقة وضعهم الروحي المخجل.

أما المؤمن الحقيقي فيفرح بكلمة الله، لأن الكتاب مصدر تعزية وفرح للمؤمن، ففي الكتاب عرف رسالة الخلاص، وحصل على هذا الخلاص (راجع بطرس الأولى 23:1) وفي الكتاب نحصل على اليقين (راجع يوحنا الأولى 13:5)، ونحصل على الطهارة (راجع يوحنا 13:15 ومزمور 9:119)، ويقودنا الكتاب في ظلمة هذا العالم (راجع مزمور 105:119)، ونحصل منه على التعزية (راجع تسالونيكي الأولى 13:4-18). المؤمن ينمو بواسطة كلمة الله، ويتغذى بكلمة الله، ويتسلح بكلمة الله، ويزرع كلمة الله ليحصد النفوس للرّب يسوع. 

قال أحد المؤمنين المسيحيين لصاحبه قبل سفره، وبعد أن امتلأت حقيبته: "أريد أن آخذ معي أيضاً مصباح ومرآة ودليل سفر وكتاب قصائد، وعدد من سير الحياة، ومجموعة رسائل قديمة، وكتاب ترنيم وتسبيح، وسيف، وترس، وخوذة، ومكتبة مكونة من 66 كتاباً". فقال له صديقه: "وأين ستضع كل هذه الأغراض وقد امتلأت الحقيبة"؟ فقال لصديقه: "كل هذه الأشياء موجودة هنا"، ورفع بيده الكتاب المقدس.

ثالثاً: إنه مبارك بسبب الحالة التي هو بها: وهذه الحالة هي ما نقرأه في الآية 3: "فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِيِ الْمِيَاهِ"، لم توجد الشجرة صدفة عند جداول المياه، بل إنها مغروسة، أي أن شخصاً ما زرعها هناك، أي أخذ النبتة الصغيرة، وحفر حفرةً بجانب جدول المياه، وزرع النبتة وأصبحت شجرة مثمرة. والذي زرع المؤمن عند جداول المياه هو الرَّب يسوع المسيح. فهو الذي خلَّصنا بدمه الذي سُفك على الصليب، وهو الذي قلعنا من أرض الخطيّة وزرعنا في أرض الإيمان. فهل نتغذى من كتاب الرَّب يسوع لتصبح حياتنا مثمرة للرّب؟ أم نرفض نعمة الله ونبقى في خمول روحي؟

إن استسلم أي واحد منا لمشيئة الله، فلن نبقى حيث كنا، ولن نصبح في مكان آخر بالصدفة، بل أن الرَّب يضعنا في المكان اللائق بنا، لكي تكون حياتنا مثمرة، ولكي يتمجد الله من خلالنا.

لاحظ هنا أن المؤمن يعطي الثمر في أوانه، أي في وقته بالضبط، كذلك ورقه لا يذبل. وللأسف الشديد، فكروا بالأعداد الهائلة من المؤمنين الذين ذبلت أوراقهم وابتعدوا عن الرَّب: مثل هؤلاء النَّاس كانوا صالحين لفترة قصيرة، وكانوا متشجعين، ولكنهم ذبلوا سريعاً.

صلاتي أن يعطينا الرَّب مؤمنين مسيحيين حقيقيين، مؤمنين لا يتغيرون ولا يرتدون ولا يذبلون: بل دائماً يحبون الرَّب، ودائماً يصلُّون، ودائماً ممتلئين بالروح القدس، ودائماً فرحين بالرَّب، ودائماً يحبون الاخوة والأخوات، ودائماً لديهم استعداد كامل للعطاء والخدمة والتبشير.

شيء آخر يقوله المزمور عن البار في الآية 6 "لأَنَّ الرَّب يَعْلَمُ طَرِيقَ الأَبْرَارِ"، الرَّب دائماً يراقب طرقنا. الرَّب ينظر إليكَ وإليَّ، والرَّب سينظر إلينا غداً، وبعد غد، وكل يوم، فهو يعلم طريق الأبرار. فهل أنت تسلك في هذه الطريق؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا