مسيحي يُطالع القرآن: القلم 5 من 7

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

مسيحي يطالع القرآن - الجزء 5

لقد أشرت في مطالعة "القلم" ج4 إلى إشكالية قراءة القرآن بألفاظ مختلفة تحت ذريعة نزوله بسبعة أحرف، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما أنسِيَ مؤلِّفُه وما نُسِخ منه ليؤتى بأحسن منه أو مثله، وما أُسقِط منه عند جمعه في زمن عثمان وما حُرِّق، مستغربًا مِن إدخال كلمات أعجميّة إلى القرآن إذ وُصِف بالعربيّ المبين؛ أي (يَبين لِمَن سَمِعَه أنه عربي، وأنّه بلسان العرب نزل- تفسير الطبري) ممّا في القسم السابق. وأمّا هنا ففي قوله (لَنُبِذَ بالعَرَاء وهُوَ مذمُوم)- القلم:49 إشكاليّتان من نوع آخر، بالنظر في كلِّ من الفعل الماضي "نُبِذَ" المبني للمجهول وفي معنى "مذموم" بمقارنة كليهما مع الوارد في سورة الصّافّات:-

الإشكاليّة الأولى نحويّة متعلِّقة بقواعد اللغة، فإذ قال عن النبي يونس "نُبِذَ بالعراء" في سورة القلم والفعل هنا مبني للمجهول، أيّ أنّ الفاعل (الذي نبذ يونس) مجهول، عاد إليه في الصّافّات (تسلسلها التاريخي 56) قائلًا (فنَبَذناهُ بالعَرَاء وهو سَقِيم 145) والفعل فيها مبني للمعلوم والمراد بالفاعل الله. فشتّان ما بين المبني للمجهول (نُبِذَ) وبين المبنيّ للمعلوم (نبذناه) لأنّ قوله "نُبِذَ" لا خبر فيه عن شخصية النّابذ ولا أرى صعوبة في جعل "نبذ" الذي في القلم مبنيًّا للمعلوم مع تعديل بسيط في صياغة الخاطرة.
وسواء أكان النابذ الله أم الحوت فالتعبير سواء في "القلم" وفي "الصّافّات" لم يكن دقيقًا دقّة الكتاب المقدَّس لِمَن أراد الاطّلاع على قصّة النبي يونان (قرآنيًّا: يونس) من أصلها وليس من كتاب آخر. ففي الأصل الجَليّ كالشمس: {وأَمَرَ الرَّبُّ الحُوتَ فقَذَفَ يُونانَ إِلَى البَرّ}+ يونان 2: 10 وهذه قمّة البلاغة، إذ أخبر الوحي الكتابي عن الحدث بدقّة ووضوح.

فإن سأل سائل: ما علاقة الله بالموضوع؟ فالجواب أنّ الله هو الذي أعدّ هذا الاختبار ليونان مسلِّطًا الحوت عليه: {وأَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونان. فكَانَ يُونانُ فِي جَوفِ الحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال}+ يونان 1: 17 فالمسؤول الأوّل عن حادثة يونان هو الله وما الحوت سوى أداة في يد الله، لكنّ في قصة يونان رمزًا واضِحًا إلى موت السيد المسيح وقبره وقيامته في اليوم الثالث، قد أشار إليها السيد المسيح نفسه إذ قال: {فكما بَقِيَ يونانُ ثلاثةَ أيّام بلَياليها في بَطنِ الحُوت، كذلِكَ يَبقى ابنُ الإنسان ثلاثةَ أيّام بلَياليها في جوفِ الأرض}+ متّى 12: 40 (انظر-ي أيضا متّى\ الأصحاح 16 ولوقا\ 11) لكنّ مؤلِّف القرآن لم يذكر تدخّل الله في التقام الحوت يونس إذ قال: (فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهُوَ مُلِيمٌ)- الصافات: 142 جاعلًا الحوت مسؤولًا عن التقامه وليس الله. كما أن مؤلِّف القرآن تجاهل الرمز إلى المسيح، آخذًا من القصة موضوع النبذ المتعلِّق به إذ كان منبوذًا من قريش. وأخيرًا؛ لم يعرف محمد مقدار ما لبث يونس في جوف الحوت، والدليل اختلاف أهل التأويل؛ ففي تفسير ابن كثير الصّافّات:142 بتصرّف: [ثلاثة أيام، قاله قتادة. وقيل جمعة، قاله جعفر الصادق. وقيل أربعين يوما، قاله أبو مالك. وعن الشعبي: التقمه ضحى وقذفه عشية. والله أعلم بمقدار ذلك. وفي شعر أمية بن أبي الصلت:
وأنتَ بفضلٍ مِنكَ نجّيتَ يونسًا – وقد بات في أضعاف حوت لياليا] انتهى

الإشكاليّة الثانية تعبيريّة- إخبار القرآن عن حال يونس خلال نبذه بالعراء؛ قال: (فنَبَذناهُ بالعَرَاء وهو سَقِيم) في "الصافات" ثم قال (نجّيناه من الغمّ)- الأنبياء:88 أي كان مغمومًا، وتسلسل نزول "الأنبياء" التاريخي 73 وليس 21 المدوّن في المصحف زورًا وتضليلا، شأنها شأن جميع السور تقريبا. في وقت أخبر عنه في "القلم" قائلا: (وهُوَ مذمُوم) فإذا تركنا اختلاف أهل التأويل في معنى "مذموم" ما بين مُليم وبين مُذنب (حسب الطبري) فأمامنا حال يونس متأرجحة ما بين ثلاث حالات، لمّا نُبِذ بالعراء، والصحيح منها غير معروف: مذموم (القلم) وسقيم (الصّافّات) ومغموم (الأنبياء) وشتّان ما بين الصفات الثلاث في لسان العرب. عِلمًا أنّ الوحي بالكتاب المقدَّس ركّز على حال يونان في بطن الحوت بطريقة رائعة، تستحقّ وقفة مهمّة، لا يقف قارئ القرآن مثلها، لأنّ قصة يونس القرآنية لا قيمة لها أمام قصّة يونان الحقيقية. ما دلّ في النهاية على أن مؤلِّف القرآن اقتبس قصّة يونس من شعر أميّة أو من أحد كتب التفسير اليهودية، كما أن عقله الباطن لم يسعفه في وصف حال يونس بدقّة. وهذا ما سنرى في طريقة قراءته الشعر- بلسان السيدة عائشة.

ـــ ـــ

يونان

أبو بكر يصحّح لرسوله (1)

ورد في تفسير الطبري (وما علَّمناه الشعر وما ينبغي له إنْ هو إلّا ذِكرٌ وقرآنٌ مُبين)- يس:69 التالي- بتصرّف: [عن قتادة: قيل لعائشة هل كان "رسول الله" يتمثّل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثَّل ببيت أخي بني قيس، فيجعل آخره أوّله، وأوّله آخره، فقال له أبو بكر: إنه ليس هكذا، فقال نبيّ الله: (إني واللهِ ما أنا بشاعِر ولا ينبغي لي)... إلخ] انتهى.

وتعليقي: طالما أنّ الله لم يُعلّم مؤلِّف القرآن الشعر فلماذا تمثّل به، ما حاجته إلى الشعر وعنده القرآن، أما كفاه عِلم القرآن وبيانه؟ هذان حسبما صُدِع رأسي بتعليقات بعض النقّاد على مقالاتي، كلّما دحضت أقوالهم قالوا ما معناه "اقرإ القرآن بقلبك لا عقلك" أي على خلاف تمنّيّ عليهم أن يقرأوا القرآن بعقولهم لا قلوبهم، مقترحًا عليهم أن يطالعوا القرآن بطريقتي لكي يصلوا إلى الحقّ. ومنهم الذي ادّعى "أنّ كتابك محرَّف" فحيثما وجدت هذا الإدّعاء أيقنت أن الناقد مصاب بالغباء ومخزيّ بإفلاس فكري لثلاثة أسباب؛
الأوّل جهله الكتاب المقدَّس! فليس من الحكمة الادّعاء على أيّ كتاب بدون مطالعته وبدون تقصّي الحقيقة، بل انّ عليه إلقاء شائعات المسلمين المغرضة في سلة المهملات، قبل أن يقرأه، ابتداء بالإنجيل، مسترشدًا بإلهام الله ومستعينًا بالتفسير المعتمد لدى المسيحيّين.
والثاني: لا دليل لدى أي إنسان على تحريف كتاب الله الوحيد- الكتاب المقدَّس- لذا فإنّ الادّعاء عليه مفتقرًا إلى حجّة عقلانيّة ضربٌ من الهراء.
والثالث أنّ النّاقد لم يقرأ مقالاتي التي فُنِّد بها التحريف المزعوم ودُحِضت ذرائعه، منها:
الاقتباس والتأليف وراء لغز شبهة التحريف

ولماذا يخشون عقلي؟ إنّما الذي يخشى العقل قليل العقل. فقصدوا أن أستمع إلى القرآن مثلهم، بدون تفكير في مفرداته ولا بحث في معانيه. أو أنّ عليّ أن أخشع لتلاوة فلان وهو يتلو بنفس واحد: (بسم الله الرحمن الرحيم... إيّاك نعبد... غير المغضوب عليهم ولا الضالّين) قلت: ما أدراهم ما الفاتحة، ليتهم قرأوا تفاسيرها المعتمدة لديهم بعيون مفتوحة، وليتهم أصغوا إلى تلاوة الشيخ بحنان: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر...) وأقول: لا يا مغيَّبي العقل والضمير، ثقوا أن قصائدي رصينة وأنّ صوتي عذب وأنّ مزامير الكتاب المقدَّس خير ما أترنّم به وأنّ كلام يسوع خبز يُشبع وماء يروي وخمر يصحو به السكارى! لن تلزمني إساءات إلى الله، عن قصد أو عن غير قصد، ممّا في القرآن. ولا أحتاج إلى قراءة أساطير الأوَّلين من القرآن، كقصّة أصحاب الكهف المقتبسة من قصة مسيحية رمزية. ولا يلزم الناس سجع "الْمُدَّثِّر" و"المُرسَلات" وغيرهما كثير، وعندي أساجيع حصدت من نقرات الإعجاب المئات (انظر-ي عددًا منها في مطالعة القلم ج2) بل رثيت لمسألة التباس الخلق على مؤلِّف القرآن في بداية دعوته، إذ قال في أولى سُوَرِه: (خلق الإنسان من علق) قبل درايته بما في التوراة، وقبل أن يقذف علماء الشريعة بالعلق إلى الرقم 96 في المصحف وتقديم إحدى أواخر السور (آل عمران) التي فيها قصة "خلق آدم من تراب" التوراتية إلى الرقم 3 في محاولة فاشلة لإبعاد شبهة تأليف القرآن بشريًّا ما لا علاقة له بالله. فأعتقد جازمًا أنّ الذي يؤمن مسبّقًا بأنّ الحروف (يس، الم، طسم، المر، كهيعص،...) من وحي الله، بغضّ النظر عن اقتباس فكرتها من مزامير النبي داود، ممّا في ج2 من المقالة، لَفِي حاجة ماسّة إلى العيادة العقلية الوحيدة: الكتاب المقدَّس.
وقد وعدت القارئ-ة بكتابة القطعة "ق" من المزمور الـ119 وهي التالي:

وتاليًا؛ كيف صحَّح أبو بكر لِمَن قيل له (إنّ الله ورسوله أعلم) كيف صحَّح لِمَن رويَ عنه قوله عن نفسه (أنا مدينة العلم) أو (أنا مدينة الحكمة) في حديث مختلَف على صحّته؟ أمّا قول السيدة عائشة (فيجعل آخره أوّله، وأوّله آخره) فيدلّ على مسألة خطيرة، قد يستدلّ بها القارئ حين يقرأ (الرَّحمَنُ. عَلَّمَ القُرآنَ. خَلَقَ الإنسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَان) والمعلوم أنّ خَلْق الإنسان سابقٌ على تعليم القرآن، ممّا أشرت إليه فيما مضى، فما يزال التساؤل قائمًا: مَن الذي-ن علَّم اللهُ القرآنَ قبل خلق الإنسان، لماذا قُدِّم تعليمُ القرآن على خلق الإنسان؟ سأترك الجواب للقارئ-ة لعلّه يستند على قول السيدة عائشة المذكور لتشخيص هذه الحالة، علمًا أنّها انعكست على القرآن أيضا، إليك ثلاثة أمثلة ممّا ذكر الرصافي في "الشخصية المحمدية" باب مراعاة الفواصل ص838 أو ص561 في نسخة الإنترنت- بتصرّف:
[الأوّل: (لقد جاء آلَ فرعونَ النُّذُرُ)- القمر:41 فقدّم المفعول وأخّر الفاعل مراعاة للفاصلة (النذر) والثاني: (فلِلَّهِ الآخِرة والأولى)- النجم:25 فقدَّم ما هو متأخِّر من الزّمان (الآخرة) ولولا مراعاة الفاصلة لقُدِّمتِ الأولى كما قُدِّمتْ في قوله: (لهُ الحمد في الأولى والآخرة)- القصص:70 والثالث: (قالوا آمَنّا بربّ هارون وموسى)- طه:70 فقدَّم الفاضل على الأفضل مراعاة للفاصلة، بينما أخّر هارون بقوله (ولقد مَنَنّا على موسى وهارون)- الصّافّات:114 مراعاة للفاصلة أيضا] انتهى. قلت: هل يُعقل أنّ هذا ترتيب إلهي أم ترتيب بشري؟

وأقول: كم صدع رأسي النّقّاد بسورة الإخلاص، لم يفكّروا في غلطة القرآن المنطقية بتقديم "لم يلد" على "لم يولد" فالمرء يولد أوّلًا ثم يلد وليس العكس (2) عِلمًا أنّ المؤلِّف لو قال "لم يولد ولم يلد" لاٌستقام المعنى الذي أراد توصيله ولاٌستقامت الفواصل معه أيضا على وزن "فعل" سواء بفتح العين أو خفضها (أحَد، صمَد، يلِد، أحَد) لكن من جهة أخرى؛ لن تجد-ي في شعر العرب تكرارًا مثل "أحد" قبل البيت السابع من القصيدة ولا في سجع الكهّان، فالمؤلِّف خرج عن المألوف وكسر كلّ قاعدة شعرية أو سجعية إمّا عمدًا، في أغلب الظّنّ، أو سهوًا أو جهلا. فتكفي هذه الغلطة (لم يلد ولم يولد) وحدها دليلًا قاطعًا بأن القرآن من تأليف صاحبه بعيدًا عن الله.

عِلمًا أنّ أبا بكر صحّح لرسوله قراءة مغلوطة قد يعود سببها إلى عامل النسيان لديه والذي أدّى بدوره إلى مشكلة غير مقصودة دُعِيَت بالتحريف فيما بعد. أمّا الآن فإليك ما صحّح أبو بكر- بتصرّف عن تفسير القرطبي يس:69: [كان "رسول الله" لا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثِّلا كَسَرَ وزنَه، وإنّما كان يحرز المعاني فقط، مِن ذلك أنه أنشد يومًا لطرفة بن العبد:
(ستُبدي لك الأيام ما كنت جاهلا – ويأتيك من لم تزوده بالأخبار)
وأنشد يومًا وقد قيل له مَن أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:
(ألم تَرَياني كلّما جئت طارقًا – وجدتُ بها وإن لم تطيّب طيبا)
وقال الحسن بن أبي الحسن؛ أنشد النبي: (كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا)
فقال أبو بكر: يا "رسول الله" إنّما قال الشاعر:
هريرة ودِّعْ إنْ تجهّزتَ غاديا – كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا... إلخ] انتهى

وتعليقي: تأمّل-ي في مستوى مؤلِّف القرآن الأدبي! واسأل-ي، إذا أمكن، أيّ أستاذ في اللغة العربيّة: كم درجة، أو علامة، تُعطي تلميذك إذا أنشد الأبيات الثلاثة بطريقة مؤلِّف القرآن؟ فكيف يرقى القرآن إلى مستوى الأدب العربي ولا سيّما في تلك الفترة الذهبيّة- فترة ظهور المعلَّقات! وهي- بتصرّف: [مِن أشهر ما كتب العرب في الشعر. وقد قيل لها معلَّقات لأنها مثل العقود النفيسة تعلق بالأذهان. حتّى قيل إن هذه القصائد كانت تكتب بماء الذهب وتُعلَّق على أستار الكعبة قبل مجيء الإسلام]- عن ويكيبيديا: معلقات.
قطعًا لم تكن تلك الفترة "جاهليّة" إنّما القرآن في نظري جاهليّ قياسًا على أدب تلك الفترة وغيرها. عِلمًا أنّ الصحيح في ما تقدَّم، بالإضافة إلى ما صحَّح أبو بكر:
ستُبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلًا – ويأتيك بالأخبار مَن لمْ تزوّدِ- لطرفة، على وزن الطويل.
ألمْ تَرَياني كلّما جئت طارقًا – وجدتُ بها طِيبًا وإنْ لمْ تُطيَّبِ- لامرئ القيس، على الطويل.

ـــ ـــ

اختلاف مخارج حرف الرَّويّ في القرآن

وأمّا بعد فقد كثرت في القرآن فواصل على أوزان مختلفة، ومخارج حرف الرَّويّ (3) مختلفة. إليك أوَّلًا الأوزان المختلفة في فواصل سورة القلم، وبعض هواة الشعر على علم بهذه الأوزان جيّدًا بالإضافة إلى أهل العَروض:
فاعلون=فاعلان (نائمون)
مفعول (مفتون)
فعُولون=فعُولان (لَمَجْنون)
مَفعولون=مَفعولان (يستثنون)
فَعِيل=فَعُول (عظيم)
وكما سبق في الميزان: مَفاعِلان (مكذِّبين)
مُتفاعِلان (يتلاومون)
مُسْتفعِلان (للعالمين)
فاعِلاتان (يستطيعون)
وإليك تاليًا اختلاف مخرج حرف الرَّوِيّ، فتارة نون وتارة ميم، وهذه الحالة إذ وُجِدَ لها مكان في الشعر الحديث- الموزون- من النوع متعدّد القوافي فقد اعتُبِر ورودها في الشعر القديم عيبًا من عيوب القافية سُمِّي بالإجازة (4) وأكتفي بذكر مثالين من هذه السورة؛ الأوّل على وزن فَعِيل: مَهِين- نَمِيم. والثاني على وزن فاعِلان: كالصَّرِيم- صارِمِين.

والنتيجة أن نظم سورة القلم وغيرها، ولا سيّما السُّوَر القصار، قريب شكليًّا مِن طريقة نظم مزامير داود، كالمذكور أعلى، ومِن سجع الكواهن والكهّان ما قبل الإسلام؛ قال عُزَّى سَلمة الذي وصفه الجاحظ في "البيان والتبيين" بأكهن العرب وأسجعهم: والأرض والسماء، والعُقَاب والصَّقْعاء، واقعة بِبَقعاء، لقد نَفَّر المجدُ بني العُشَراء، للمجد والسَّناء.
وقال: أحلف بالضياء والظلم، والبيت والحرم، أنّ الدَّفين ذا الهرم، للقرشيّ ذي الكرم.
وقالت زَبْراء كاهنة بني رئام محذّرة قومها من غارة قادمة عليهم: واللوح الخافق، والليل الغاسق، والصباح الشارق، والنجم الطارق، والمُزْن الوادق، إنّ شجر الوادي ليأدو خَتْلا، ويحرق أنيابًا عُصْلا. وإن صخر الطَّوْد ليُنذر ثُكْلا، لا تجدون عنه مَعلا... إلخ- عن "الأمالي" لأبي علي القالي (ت سنة 356 هـ) ج1 ص126
ولا يخفى أنّ مؤلِّف القرآن أقسم بغير الله؛ كقوله: والقلمِ وما يسطرون، والنَّجْمِ إِذا هَوَى، والسَّمَاءِ والطَّارِق، والتِّينِ والزَّيْتُون... إلخ كما أقسم الوثنيّان عُزَّى سَلمة الكاهن وزبراء الكاهنة. ومعلوم أنّ القَسَمَ بغير الله شِركٌ بالله سواء في نظري وفي أنظار فقهاء المسلمين، لكنّهم غضّوا بالطَّرف عن قسم الله بمخلوقاته، محذِّرين المسلمين من القسم بغير الله! لم يخطر في أذهانهم أنّ من المستحيل أن يُقسِم الله بمخلوق، لأنّهم لم يقرأوا الكتاب المقدَّس لكي يعرفوا الله على حقيقته فيدركوا صفاته، غير المنسوبة إليه في خواطر القرآن، ولا سيّما القسم بالمخلوقات والتضليل (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاء- الرعد:27) والمكر (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه- آل عمران:54)... إلخ فأيّهما أصعب؛ أقَسَمُ الله بمخلوق أم قسم المخلوق بغير الخالق؟ قلت: إنّما في الأوّل إساءة إلى منزلة الله وفي الثاني الشِّرك.
هذا لأنّ الله قد أقسم بذاته في الكتاب المقدَّس ولم يُقسِم بمخلوق إطلاقا! وقد قال إنّ كلّ لسان سيحلف به لا غيره! وإليك الدليل: {تعالَوا إليَّ تَخلُصوا يا جميعَ شُعوبِ الأرض! فأنا أنا اللهُ ولا آخَر. بذاتي أقسَمتُ صادِقًا، فمِنْ فَمي يَخرُج الصِّدْقُ، وكلِمَةٌ مِنهُ لا ترجعُ: سَتَنحَني لي كُلُّ رِكبَة، وبي سيَحلِفُ كُلُّ لِسان}+ أشعياء: 45: 22-23
والمزيد في قَسَم الخالق بالمخلوق في مقالة الكاتب: وقفة بين الكتاب المقدَّس وبين غيره– ج2: القسم الإلهي؛ هل حَلَفَ الخالقُ بمخلوق؟

وبوقفة سريعة، بالمناسبة، على قوله (والسَّمَاءِ والطّارق. وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب. إن كلّ نفس لَمَّا عليها حافظ. فلْيَنظُرِ الإنسانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن ماء دَافِق)- الطارق: 1-6 قد يفطن اللبيب إلى التالي؛
أوّلًا؛ عجز مؤلِّف القرآن من الحفاظ على قافية القاف، على وزن فاعِل (طارق، دافِق) بقافية موحّدة وبمخرج حرف رويّ واحد فأتى بكلّ مِن ثاقب وحافظ.
ثانيًا أنّ الطارق معروف نجمًا عند الوثنيّين قبل الإسلام فلم يأت المؤلِّف بجديد!
ثالثًا؛ كأنّما أراد المؤلِّف توجيه رسالة إلى أولئك الكهّان بأنّ الذي أوحى إليه قادر على أن يوحي بسجع، كما رأينا في "الطارق" وفي "المُرسَلات" وفي غيرها، مثل قدرته على الاقتراب من منطقة الشِّعر. فما خفيَ تاليًا الفرق بين سجع القرآن وبين سجع الكهّان، إذ حَشَرَ مؤلِّف القرآن الخالق في خواطره إمّا متحدّثًا بلسانه أو موظِّفًا معجزاته (انظر-ي سورة الرعد بما فيها من إشكاليّات) وهدفه اقناع النّاس بأنّ الخالق هو الذي أوحى إليه.
رابعا؛ ثبت في مقالة (مطالعة سورة العلق) التباس مادّة خلق الإنسان على المؤلّف، فتارة من علق وتارة من تراب، طين لازب، صلصال، نُطْفةٍ أَمْشاجٍ، ماء دافق.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
من الواضح في رواية السمرقندي وجود احتكاك بين محمد وبين اليهود، ما قبل تخلّصه منهم في ما بعد. ومن الواضح أيضًا ان القرآن في نظر السمرقندي يحتاج إلى عقول "كبيرة" لكي تدركه، أمّا العقول "الصغيرة"...
ما تبرير تنزيل نحو 275 لفظة أعجمية في القرآن "العربي المُبين" الذي "نزل به الروح الأمين" فهل من الأمانة التنزيل بلفظ أعجمي؟ وهل عجز جبريل من العثور على كلمة عربية لتقابل بالمعنى أية كلمة أعجمية؟
كما أن محمدًا إذ ذكَر لفظ الجلالة- الله- في العلق:14 لم يذكره في "القلم" بل قال (ربّك) مخاطبًا نفسه وقال عن ربّ صاحب الحوت (ربّه) لم يقل "الله" ولم يقل "ربّي" حتى كأنّ ربّ محمّد
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader