مسيحي يُطالع القرآن: القلم 3 من 7

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

مسيحي يطالع القرآن: القلم 3

الزبور في لسان العرب وفي القرآن

لقد ركّز مؤلّف القرآن على الزبور دون غيره من كتب الأنبياء، بعد التوراة والإنجيل، فعكس التركيز تأثّره به، كما رأينا في القسم السابق من المقالة بأدلّة وبراهين، وسنرى أيضًا في معرض شرح كلمة "زبر" في معجم لسان العرب. عِلمًا أنّ ابن منظور (630- 711هـ) ألّف معجمه في ضوء القرآن والحديث معزِّزًا بعض المعاني بأبيات شعر.
إليك أوّلًا مقتطفات مِن معنى "زبر" في "لسان العرب" بتصرّف:
[الزَّبْرُ الكتابة. وزَبَرَ الكتابَ: كتبه. زَبَرتُ الكتاب إِذا أتقنتُ كتابته. والمِزْبَرُ: القلم. والزَّبْرُ: الكتابُ، والجمع: زُبُورٌ، مِثل قِدْر وقُدُور؛ ومنه قرأَ بعضهم: (وآتينا داود زُبُورا)- الإسراء:55 والزَّبُور: الكتاب المَزبُور، والجمع زُبُر. قال لبيد بن ربيعة في معلَّقته:
وجَلا السيولُ عن الطُّلُولِ كأَنها – زُبُرٌ تَخُدُّ مُتُونَها أَقلامُها
وقد غلب الزَّبُورُ على صُحُفِ داود، على نبينا وعليه الصلاة والسلام. كل كتاب: زَبُورٌ، قال الله تعالى: (ولقد كَتَبْنا في الزَّبُورِ من بَعْدِ الذِّكْرِ)- الأنبياء:105 قال أَبو هريرة: الزَّبُورُ ما أُنزل على داود من بعد الذكر من بعد التوراة... إلخ] انتهى.
وتعليقي أوّلًا: لم يثبت لنا ابن منظور أن الله "تعالى" إنّما الصحيح في أنظار المسيحيّين أنّ الله محبّ البشر، القادر على كلّ شيء، قد تنازل بشخص السيد المسيح. والسيد المسيح قد أثبت أنّه كلمة الله {ابن الله} وهذا التعبير- ابن الله- من أدقّ ما وُصِف به السيد المسيح مع التالي: {فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ الله، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ}+ يوحنّا 1:1 والتفصيل في الإنجيل. والإنجيل مدوَّن بثمانية أقلام، غير منزَّل! يُفهَم بإرشاد الروح القدس مع الاستعانة بأحد كتب التفسير المسيحي المعتمدة لدى المسيحيّين. من الغباء انتقاد عقيدة بدون دراسة جذورها، من أصولها وليس من كتاب مُضِلّ أو من مقالة غبيّة مُغرِضة، لأنّ الذي يفسِّر على هواه، أو على هوى أحد الأغبياء، يسخر من عقله القرّاء.
وتاليًا؛ ما استطاع ابن منظور، شأنه شأن جميع الإخوة المسلمين، أن يثبت أنّ القولَ المذكور، المنسوبَ إلى الله، موحًى به من الله.
ثانيًا؛ ورد ذِكر الزبور بهذه الصيغة- المفردة- في شعر امرئ القيس، على وزن بحر الطويل والضرب فَعُولُنْ:
لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرتُهُ فَشَجَاني – كخطّ زبُور في عسيب يمانِ
وفي قصيدة أخرى على الوزن نفسه لكن بضرب آخر: مَفاعِيلُنْ
أتت حججٌ بعدي عليها فأصبحتْ – كخطّ زَبُور في مصاحف رُهْبانِ
والعروض والضرب مشروحان في سلسلة "بحور الشعر العربي" على موقع لينغا:
linga.org/arabic-poetry

ثالثًا؛ ذُكِر الزّبور في أزيد من مكان في القرآن بصيغة المفرد، كما رأينا في "الإسراء" وفي "الأنبياء" وقد كرّر في النساء: 163 ما قال في الإسراء على أنّ الله هو القائل- حاشا الله: (ولقد فضَّلْنا بَعضَ النَّبِيِّين على بعض وآتَينا دَاوُودَ زَبُورا) مركِّزًا على زبور داود من بين زُبُر النبيّين.
وهذا ما قال في النساء: (إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيّين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا) مع التحفّظ على وجود عدد من المغالطات في هاتين المقولتين، بالنسبة إلى الكتاب المقدَّس؛ سأترك الحديث عنهما إلى مقالة منفصلة، لأنّ المهمّ الآن أنّ داود لم ينفرد بالزبور وحده بين هذه المجموعة! إنما كان معروفًا أيضًا سِفر يونان (قرآنيًّا: يونس) وكان معروفًا لسليمان الحكيم أزيد من سِفر (الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد) فواضح هنا تأثّر مؤلِّف القرآن بمزامير داود، بالإضافة إلى ظنّه أن الله أوحى إليه بالقرآن كما أوحى إلى داود بالمزامير. وعلى هذا القياس؛ يستطيع كل كاتب، متمكن من اللغة ومن فنّ الكتابة، تأليف عدد من الخواطر الروحية، ونشرها ورقيًّا أو على الانترنت، مدّعيًا أن الله أوحى إليه كما أوحى إلى داود وسليمان. وهذا من حقّه لأنّ من الله كل موهبة نافعة وكل عمل صالح، أمّا خلافهما فليس من الله.

أمّا صيغة الجمع "زُبُر" بمعنى الصحف أو الكتب، الواردة في شعر العرب ما قبل الإسلام، كقول لبيد المذكور أعلى، فقد وردت في آل عمران:184 بتكرار الوارد في فاطر:25 حرفيًّا كما وردت في الشعراء:196 وفي النحل:44 وفي القمر:43 و52 وفي المؤمنين:53 عِلمًا أنّ الزُّبَر (بفتح الباء) التي وردت في الكهف:96 جَمْعُ زُبْرة: قطعة من الحديد.

رابعًا؛ لنتأمل في تفسير القرطبي (وءاتَينا داوُدَ زَبُورا): [أي كما آتينا داود الزبور فلا تنكروا أن يؤتى محمد القرآن. وهو في مُحاجّة اليهود] انتهى.
ومعنى محاجّة: مجادلة، منازعة بالحجّة. وفي هذا التفسير دليل يُضاف إلى أدلّة احتكاك مؤلِّف القرآن باليهود. وفي رأيي؛ تكفي خواطره عن اليهود، المدوّنة في القرآن وفي أحاديث السيرة، أدلّة على اهتمامه بكتب اليهود، الرسمية منها وغير الرسمية، وتعرّضه لها بما فيها من تفسير وقصص إذ كانت (تُملى عليه بكرة وأصيلا) وإليك من خواطره التي في التوراة؛ انتشال موسى من الماء والحديث في الوادي المقدّس وتسلّط فرعون على بني إسرائيل وضربات مصر والخروج وعبور البحر الأحمر وعبادة العجل... إلخ حتّى بلغ عدد المرّات التي ذكر فيها موسى النبي 136 مرّة في 17 مقطعًا تناول سيرته موزعة على عدد كبير من السور. فهذه كلّها لم تأتِ من فراغ قطعًا ولا من وحي إلهي قطعًا (انظر-ي مطالعة سورة العلق) إنما خُزِّنت في عقله الباطن لكثرة اختلاطه بأهل الكتاب وفرط إصغائه إلى قصص كتبهم مدّة طويلة، سواء خلال احتكاكه بهم في مكّة ويثرب (المسمّاة بالمدينة بعد هجرته إليها) وخلال أسفاره إلى الشام.

وأضرب مثالًا على قولي "لم تأتِ من فراغ" إذ طلب إليّ مرّة أحد الأصدقاء أن أرثي أباه بقصيدة لكي يضعها شاهدة على قبره. قلت: ما قابلت أباك يومًا ولا عرفت عنه شيئًا فماذا أكتب؟ قال: كان أبي كذا وكذا. فكتبت. فقصيدتي لم تأتِ من فراغ، إنما من معلومات جمعتها عن أبيه فخُزِّنت في عقلي الباطن ثم صغتها بأسلوب شعري.

فليس صعبًا الاستنتاج أن الملقَّب محمَّدًا، في تفسير القرطبي المذكور وفي كتب المسلمين قاطبة، قد اطّلَع على التوراة وعلى سائر أسفار الأنبياء، وجميعهم من بني إسرائيل حتى السيد المسيح، منها- مثالًا لا حصرًا؛ سفر يونان المذكور أعلى وسِفر حزقيال (قرآنيًّا: ذو الكفل) بالإضافة إلى مزامير داود. فرصد أسلوبًا شِعريًّا تكرّر في تسعة مزامير، هي المذكورة في القسم السابق، لا شكّ لديّ في عثوره على عدد منها، ما لم يعثر عليها كلّها، سواء أكان قارئًا بنفسه أم مستمِعًا، لكي يوظّف الأسلوب المذكور في القرآن كلّه [بعدما قضى خلوة في حراء، خلال النصف الأخير من السنة الـ39 من عمره. فمِنْ حُبّه للخلوة في هذه المدّة يُستدَلّ على أنّه قد صمَّم على القيام بالدعوة، فاحتاج إلى التفكّر في الأساس الذي تقوم عليه، بعدما اختمرت في نفسه فكرة النبوّة ونضجت]- بتصرّف عن "الشخصية المحمدية" للرصافي، الخلوة في حراء وبدء الوحي ص215 في كتابه أو ص138 على نسخة الانترنت.

ـــ ـــ

اقتباس (ص) القرآن من (ص) مزامير داود

وردت في القسم السابق قطعة المزمور الـ119 التي تحت عنوان (ن) وهي التي قابلها مؤلِّف القرآن شكليًّا بسورة (ن) أي القلم. وإليك الآن القطعة التي تحت عنوان (ص) التي قابلها المؤلِّف بسورة (ص) فلا يقولنّ أحد أنّ هذه المقابلة موحًى بها من الله جلّ شأنه:

اقتباس القرآن من مزامير داود

ما فائدة الحروف المقطَّعة ومَن المستفيد مِن غموضها؟

ذكرت في القسم السابق أنّ الهدف من المقابلة المذكورة، حسب نظريّتي، تقليد كتاب الله الحقيقي- الكتاب المقدَّس- في محاولة لإيهام العرب وأهل الكتاب بأن القرآن "أيضًا" كتاب الله أو موحًى به من الله مثلما أوحِيَ بالزبور إلى داود النبي. وقد رجّحت خلال مطالعة القرآن كفّة تعمّد مؤلِّفه إدخال الإبهام إلى القرآن والأوهام أيضًا، على أمل بقاء العقول جاهلة مصادر القرآن ولا سيّما الكبيرة منها، غير مدركة كلّ شيء فيه، فلا تنشغل بما يفوق الإدراك ولا تسأل عن أشياء إنْ تُبْدَ لها تسُؤْها (المائدة:101) وفي المقابل؛ كان طموح المؤلِّف أن تنشغل العامّة بدعوته وأن يحظى بمكانة في قومه (قريش) يُشار إليها بالبنان إذ نُسِبَ إليهم، حسب مصادر إسلاميّة، لكنّه كان منبوذًا بينهم! وهذا ما فسَّر في نظري تأثّره بقصّة يونس (لولا أن تَدارَكَهُ نِعمةٌ من ربّه لَنُبِذَ بالعَرَاء وهو مذموم)- القلم:49 وفسَّر في نظر الكاتب حامد عبد الصمد تأثّره بقصّة إسماعيل التوراتية فنسب نفسه إلى إسماعيل (1) وقد سُمِّيَ ابن أبي كبشة في تفسير النجم:49 للقرطبي، أي نُسِبَ إلى أمّه، ليس إلى أبيه، إذ قيل في التفسير عينه أن أبا كبشة أحد أجداده مِن قِبَل أمّهاته. وانظر-ي ما رجزت امرأة أبي لهب عنه، ممّا في تفسير سورة المسد عند القرطبي وعند ابن كثير. ومعنى رجزت: أَنْشَدَت أُرجُوزَة، قالت شعرًا على وزن بحر الرَّجَز:
مُذمَّمًا عَصَينا* وأمرَهُ أبَينا* ودِينَهُ قَلَينا- عند القرطبي، تفسير المسد:1
مذمَّمًا أبينا ودينه قلينا وأمره عَصَينا- عند ابن كثير، تفسير المسد:5

ولهذا السبب وغيره قال بعد فتور الوحي أزيد من سنتين: (ألم يَجدْك يتيمًا فآوى. ووَجَدَك ضالًّا فهدى. وَوَجَدَكَ عائلًا فأغنى...)- الضحى:6-8
هكذا حاول بالقرآن تعزية نفسه والدفاع عنها ودعم دعوته. فعمل جاهِدًا لإقناع الناس بوجود علاقة خفيّة بينه وبين ربّه، واضعًا خطوطًا حمراء أمام الشكّ في هذه العلاقة وأمام التشكيك في نسبه (2) ومن الأمثلة على هذه العلاقة معاتبة ربّه على عبسه يوم (عبس وتولّى. أن جاءه الأعمى. وما يُدريكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)- عبس:1-3 ومنها أنّ ربّه أظهر ما أخفى في نفسه حسب تفسير الطبري الأحزاب:37 [وتخفي في نفسك محبة فراقه إياها لتتزوجها إن هو فارقها، والله مُبْدٍ ما تخفي في نفسك من ذلك] فنجح في مسعاه؛ بتخطيط مسبق وذكاء واضح ومعرفة متنوّعة وخبرة طويلة نسبيًّا، بعدما قضى على خصومه ومعارضيه، بالإضافة إلى تماديه في تضليل العامّة قرآنيًّا بمحاولات الافتراء على الكتاب المقدَّس، والاستدلال غالبًا بما خالفه، بالاستعانة بكتب منحولة انتشرت بين هراطقة زمانه، إمّا أن قرأها أو أصغى إلى مروِّجيها. فنفّذ مؤلِّف القرآن مآربه محتجًّا بالقرآن ومتفنّنًا في خواطره. والغموض في القرآن أحد فنونه في التأليف، رُبّما شجّعه عليه اختلاف أهل التأويل والتفسير فيه ولا سيّما الحروف المقطَّعة (انظر-ي تفسير القرطبي "الم" أوّل سورة البقرة) نظرًا إلى دعمها العلاقة الخفيّة المذكورة أعلى، فكرَّرها بسرور ورضا كاتمًا سرّها عنهم. وما بلغني أنّ واحدًا منهم تنبّه إلى وجود حروف أبجديّة في أوائل تسعة مزامير مِن صحف داود، حسنت فكرتها في نظر مؤلِّف القرآن فاقتبسها وتفنَّن فيها في أوائل 29 سورة، ممّا ورد في القسم الثاني من هذه المقالة.
ومن أدلّة تفنّنه ما نرى في بداية سورة الشّورى: 1 و2 أي "حم" و"عسق" إذ وظّف المؤلِّف المذكور كلمتين مبهمتين متتاليتين في السورة نفسها لكي يزيد القرآن ألغازًا وغرابة فيزداد المسلمون حيرة فيه. قُلْ حاشا الله الإيحاء بألغاز لتضليل الناس. وقُلْ في نفسك: ماذا استفدت من الحروف المقطّعة التي كانت من دواعي سرور صاحبها ومن دواعي ضحكه على الذقون؟ فإليك التالي- مثالًا لا حصرا- بتصرّف: [ذُكِر أنّ جماعة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب وشعبة بن عمرو ومالك بن الصيف دخلوا على "الرسول" وقالوا: بلغنا أنك قرأت (الم* ذلك الكتاب) فإن كنت صادقًا فيكون بقاء أمّتك إحدى وسبعين سنة، لأن الألف: واحد، واللام: ثلاثون، والميم: أربعون، فضحك "الرسول" ثم قالوا له: وهل غير هذا؟ قال: نعم "المص" فقالوا: هذا أكثر لأن "ص" تسعون. فقالوا: هل غير هذا؟ قال: نعم "الر" فقالوا: هذا أكثر، لأن الراء: مائتان، ثم ذكر "المر" فقالوا: خلطت علينا يا محمد لا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟]- عن\ بحر العلوم- للسمرقندي، ممّا على ويكيبيديا: حروف مقطعة.
وأردف السمرقندي: [وإنما أدركوا من القرآن مقدار عقولهم، وكل إنسان يدرك العلم بمقدار عقله. وكل ما ذكر في القرآن من الحروف المقطعة فتفسيره نحو ما ذكرنا ههنا؛ والله أعلم بالصواب] انتهى.

وتعليقي أنّ من الواضح في رواية السمرقندي وجود احتكاك بين محمد وبين اليهود، ما قبل تخلّصه منهم في ما بعد. ومن الواضح أيضًا ان القرآن في نظر السمرقندي يحتاج إلى عقول "كبيرة" لكي تدركه، أمّا العقول "الصغيرة" فإمّا مغضوب عليها أو ضالّة. ليت السمرقندي فكّر قليلًا في كلامه كي لا ينطبق عليه المثل القائل (إنّ المتكبِّر كالواقف على قمة جبل، يرى الناس صغارًا ويرونه أصغر منهم) لأنّ العقول الصغيرة هي المحتاجة إلى الدعوة إلى الله والهداية وبذل جهد معها، أمّا الكبيرة (التي تعرف الله) فلا تحتاج إلى شيء من هذا القبيل. ليت السمرقندي اتّعظ من رسالة السيد المسيح: {لا يَحتاجُ الأَصِحّاءُ إلى طَبِيب بَلِ المَرضَى. فاذهَبُوا وتَعَلَّمُوا ما هُوَ: إِنّي أُرِيدُ رَحمة لا ذبيحة، لأنّي لَمْ آتِ لأدعُوَ أبرارًا بَلْ خُطَاةً إلى التَّوبة}+ متّى 9: 12-13 وانظر-ي مرقس 2: 17 ولوقا 5: 31-32

وتاليًا؛ يوجد بين الناس علماء في تخصّصات معيّنة كلّ زمان وفي كلّ مكان ويوجد في المقابل أناس آخرون مطّلعون على تلك التخصّصات لكنهم تخصّصوا في مجالات أخرى. لا يوجد علم مطلق إلّا عند الله. ولا يوجد جهل مطلق إلّا عند بعض المُعاقين عقليًّا. فكلّ مِن عِلم الإنسان والجهل نسبيّ. لكن يدلّ اشتراك الفريقين في الجهل إلى أجل غير مسمّى، على وجود موضوع ما قيد البحث، إمّا فوق إدراك العقل كأسرار الفضاء الخارجي، وإمّا ضدّه كجعل النجوم رجومًا للشياطين (المُلْك:5) فإذ ما استطاع أحد "الجهلاء" عدّ نجوم السماء- مِثالًا- فاستحالة عَدِّها من البديهيّات ما ليس من العدل إطلاق صفة الجهل عليهم لسببها وليس هذا الجهل بحجّة عليهم، لأنّ "العلماء" أيضًا ما استطاعوا ولن يستطيعوا، لأنّ مسألة عدّها إعجازيّة، شأنها شأن بعض الأسرار وبعض الألغاز. أمّا المسألة التي في مستوى إدراك العقل فكلّ من يجهلها اليوم، قد ينفتح ذهنه يومًا ما لحلّها.
فهل أدرك السمرقندي معنى كلّ مِن: ص، حم، عسق، المص، كهيعص... إلخ أم بقِيَ جاهلًا حتى وفاته؟ ثمّ أن خاتمة كلامه "والله أعلم بالصواب" ليست منطقيّة! لأنّ الله بريء ممّا نُسِبَ إليه بدون دليل ولا برهان. لو ثبت أنّ لله دخلًا فيما جرى لجاز قوله "الله أعلم" ولتقريب الصورة؛ معلوم لدى المؤمن-ة بالله أنّ الله في البدء خلق السماوات والأرض (تكوين 1:1) فإنْ سأل سائل عن أبعاد هندسة الكون فالجواب "الله أعلم" مقنع لأن الله هو المهندس. لكنّ سؤالًا مِثل (كيف يتزوّج الفيل والنملة) ليس منطقّيًا فلا يجوز الرّدّ عليه بالقول "الله أعلم" إنّما الواجب فحص عقليّة السائل ما لم يكن ساخرًا مِن عقليّة المقابل.

ـــ ـــ

حاشا الله أن يُضِلّ إنسانًا أو يسخر من عقله

بالعودة إلى القرآن المنسوب وحيه إلى الله على أنّه رسالة إلى الناس لإخراجهم من الظلمات إلى النور (بداية سورة إبراهيم) فالعكس في نظري هو الصحيح والأسباب كثيرة؛ منها المتعلِّق بالقرآن كالغموض والاختلاف. لكنّ السبب الرئيسي هو المتعلِّق بالكتاب المقدَّس ولا سيَّما أنّ السيد المسيح: {الأَلِفُ والياءُ، البدايةُ والنِّهَايةُ، الأوّلُ والآخِر}+ رؤيا 22: 13
عِلمًا أنّ رسائل الله واضحة عند أهل كتابه الوحيد وصالحة كلّ زمان وفي أيّ مكان. لقد فهِموها فحفظوها إلى ألف جيل وجيل وعملوا بوصاياها وأحكامها وعَلِموا أنّ الله سيجازي يوم الحساب كلّ إنسان بما يستحقّ، حاشا الله أن يُضِلّ إنسانًا أو يسخر من عقله، لأنّ الله يريد {أنّ جميع الناس يَخْلُصون وإلى معرفة الحقّ يُقبِلون}+ 1تيموثاوس 2: 4 فالضَّلال إمّا مِن إبليس أو مِن إنسان مُضِلّ.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
رأيت ثلاث إشكاليات في هذه المسألة؛ الأولى: النبي. والثانية: أول ما خلق الله. والثالثة: مخاطبة الله القلم. فلو كانت المسألة بعيدة عن الله لما همتني بشيء. لكن نسبة القرآن إلى الله دفعتني إلى فحص كل
وجدت خلال مطالعتي القرآن أنّ أسلوب الوحي به قد اختلف عن أسلوب الوحي بتدوين التوراة والإنجيل وعن أسلوب الوحي بتدوين أسفار كتبة الكتاب المقدَّس والأنبياء، باستثناء أسلوب الوحي بأسفار الكتاب الشعريّة...
ما تبرير تنزيل نحو 275 لفظة أعجمية في القرآن "العربي المُبين" الذي "نزل به الروح الأمين" فهل من الأمانة التنزيل بلفظ أعجمي؟ وهل عجز جبريل من العثور على كلمة عربية لتقابل بالمعنى أية كلمة أعجمية؟
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader