إن تاريخ عيد الميلاد، وهو 25 من شهر 12، بحسب ما نعرفة من التاريخ والآباء، لم يأت عن معرفة دقيقة عن زمن ميلاد المسيح؛ بل شعر آباء الكنيسة بقيادة من الروح القدس أنهم يحتاجون لأن يحتفلوا بعيد ميلاد المسيح المجيد، واستحسنوا استخدام تاريخ 25/ 12، لاستبدال بعض الأعياد الوثنية التي كانت تمارس في المجتمع لتحرير الناس منها، كعيد ساتروناليا لإكرام الآلهة ساتورن عند الرومان؛ وعيد آلهة الشمس تموز عن البيزنطيين؛ وميلاد مثرا في الديانة الزردشتية الفارسية والكردية القديمة.
لكن بالرغم من كل هذا، وبشكل عفوي إلهي دون أن يخطط آباء الكنيسة له، وبعد الفحص الكتابي، نجد أن تاريخ عيد الميلاد هذا هو تاريخ كتابي مهم جدًا جدًا ومرتبط نبويًا بميلاد المسيح؛ وهو موعد تأسيس هيكل الرب الأخير الذي بُني في أواخر القرن السادس قبل الميلاد؛ الذي دعا الله الشعب لحفظ تاريخه في قلوبهم كذكرى. وفعلا يرى الوحي الكتابي في ميلاد المسيح مستخدمًا نفس الموعد، لتأسيس هيكلنا الجديد الأبدي الذي فيه رأينا حلول، ليس لمجد الله المؤقت فقط كما حدث في هيكل سليمان، بل حلول الله ذاته بملء مجده مع البشر.

نرى هذه الحقيقة المجيدة في نبوءة حجي النبي، الأصحاح 2،  التي نزلت 520 سنة قبل المسيح: 

"6 لأَنَّهُ هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هِيَ مَرَّةٌ، بَعْدَ قَلِيلٍ، فَأُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَالْيَابِسَةَ 7 وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ فَأَمْلأُ هَذَا الْبَيْتَ مَجْداً قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. 8 لِي الْفِضَّةُ وَلِي الذَّهَبُ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. 9 مَجْدُ هَذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. وَفِي هَذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُود 10 فِي الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ التَّاسِعِ، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِيُوسَ، كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَنْ يَدِ حَجَّي النَّبِيِّ قَائِلاً... 15 وَالآنَ فَاجْعَلُوا قَلْبَكُمْ مِنْ هذَا الْيَوْمِ فَرَاجِعًا، قَبْلَ وَضْعِ حَجَرٍ عَلَى حَجَرٍ فِي هَيْكَلِ الرَّبِّ... 18 فَاجْعَلُوا قَلْبَكُمْ مِنْ هذَا الْيَوْمِ فَصَاعِدًا، مِنَ الْيَوْمِ الرَّابعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ التَّاسِعِ، مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ تَأَسَّسَ هَيْكَلُ الرَّبِّ، اجْعَلُوا قَلْبَكُمْ." 

وهذا يقودنا لسؤالين، هما:  

الأول: ما علاقة تاريخ الرابع والعشرين من الشهر التاسع، بتاريخ 24 / 12؟

إن الرابع والعشرون من الشهر التاسع، هو حوالي 24 / 12؛ لأن السنة الكتابية آنذاك كانت في بداية الربيع حوالي بداية شهر 4، بداية شهر أبيب: 
"5 فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ، فِي الرَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِصْحٌ لِلرَّبِّ" لاويين 5. 
والشهر الأول هو شهر أبيب (أي شهر الربيع، نيسان؛ راجع خروج 13: 4 و23: 15 و34: 18 وتثنية 16: 1). فيصبح الشهر التاسع هو شهر 12؛ أي أن الموعد الذي يجب أن يُحتفل به ببناء هيكل الرب الأخير، هو 24/ 12.
ملاحظة: ربما يتساءل القارئ أن السنة العبرية تختلف عن السنة المدنية اليوم، وتاريخ الرابع والعشرين من الشهر التاسع، يختلف عن 24/ 12.  فيقول عالما العهد القديم كيل وديليتش (Keil & Delitzsch)، أن الشهر التاسع يأتي من حوالي منتصف شهر 11، لمنتصف شهر 12، أي يقع قبل عيد الميلاد الحالي بحوالي 15 يوم.  نعم هذا صحيح، لكننا هنا نتكلم عن رموز نبوية وإشارات حققها الله لاحقًا بعفوية تامة من آباء الكنيسة؛ فبما أن الآباء أصلا نظروا للنص المذكور في حجي نظرة نبوية عن المسيح كما سنرى لاحقًا، فلماذا لا يُنظر للتاريخ المذكور أيضًا بنظرة نبوية، لا تؤخذ بالضرورة بدقة تاريخية، بل 24 من الشهر التاسع (أي شهر 12)، بشكل نبوي.
فنرى في هذا أمرًا عجيبًا وهو، كيف تم تعيين هذا اليوم الخاص المميز من قبل الكنيسة لميلاد المسيح، دون أن تخطط له وتدرك أهميته؟؟؟ 

الثاني: ما علاقة ميلاد المسيح بتأسيس هيكل الرب؟

إن التجسد الإلهي للبشر، هو تتمة لهيكل الرب، كما يؤكد الوحي:
"14 والكلمة وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" يوحنا 1.
وكلمة "حل" في الآية أعلاه "اسكينوسين" في اليونانية، استخدمت لحلول وسكنى الله بملء مجده، مثل رؤيا 21 "3 وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ (في أورشليم الجديدة).. "
نرى أن المسيح أيضًا عمل ارتباط بينه كهيكل الله الحقيقي، مع نفس هيكل زروبّابل: 
"19 أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ 20 فَقَالَ الْيَهُودُ: فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟ 21 وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ" يوحنا 2. 
إذا المسيح ربط نفسه بهيكل زروبَّابل المذكور أعلاه (وهو الهيكل الأخير)؛ فيصبح ميلاده، هو تأسيس الهيكل الحقيقي.  والعلاقة بينهما، هي احتواء مجد الله فيه؛ ففي المسيح رأينا مجد الله بملئه، كما يؤكد الكتاب، "14 ... وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا." يوحنا 1؛ وليس حلول لمجد الله فقط، بل حلول الله شخصيًا على أرضنا وفي قلوبنا؛ كما يؤكد البشير متى في أول أصحاح من وحيه، أن هذا المولود ليس فقط الملك المنتظر "ابن داود" (عدد 1)، وليس فقط المسيا المخلص للبشر "يسوع" (عدد 21)؛ بل هو أيضًا الله الساكن مع وفي أتباعه إلى الأبد: 
"23 هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا" متى 1.
"19 لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ (الإلهي، راجع كولوسي 2: 9)" كولوسي 1. 
لذلك قال المسيح عن نفسه أنه أعظم من الهيكل: "6 وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ!" متى 12.

دلائل مُكملة تدعم ارتباط هذا التاريخ نبويًا بميلاد المسيح:

1- ليست صدفة أن اليهود لا يقدسون تاريخ الرابع والعشرين من الشهر التاسع المذكور في حجي، بالرغم من أن النص يدعوهم لذلك!! خاصة أنهم يقدسون أعياد أخرى مرتبطة بالهيكل، ليس لها أي علاقة بالكتاب المقدس!! مثل ذكرى خراب الهيكل، وذكرى إعادة تدشين الهيكل (الحانوكاه)، الذي تأسس في القرن الثاني ميلادي!! فلماذا لم يطيعوا أمر الله في حفظ ذكرى هذا اليوم؟؟ الجواب بسيط؛ وهو أن هذا اليوم لم يعد لهم، بل أعد من الله لكنيسته، بحسب سابق علمه لتقديس ذكرى ميلاد يسوع المسيح، الهيكل الأخير الأزلي.

2- ليست صدفة أن يقرر المسيحيون بأن يحتفلوا بعيد الميلاد في مساء 24/ 12 !! فجميع أحداث حلول وقت مريم لتلد، وولادتها، وظهور النجم للرعاة، حدث في يوم 24/ 12، وليس في 25!! فلماذا مثلا لم يحافظ المسيحيون على التاريخ 25/ 12 التاريخ للاحتفالات الوثنية المذكورة أعلاه؟ يقدسونه صباحًا ومساء، دون أن يدخلوا به يوم وليلة 24/ 12 أيضًا؟؟ فأنا أرى في إدخال اليوم 24، أنه ليس مجرد صدفة عملوها، بل شيء حدث بترتيب وقيادة إلهية لهم، حتى دون أن يدركوا بالضرورة هذا ؟؟

3- الكتاب المقدس في نص حجي: "9 مَجْدُ هَذَا الْبَيْتِ الأَخِيرِ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَجْدِ الأَوَّلِ قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ. وَفِي هَذَا الْمَكَانِ أُعْطِي السَّلاَمَ يَقُولُ رَبُّ الْجُنُود"، لا يتكلم عن هيكل أول وثاني، بل هيكل أول وأخير، كما في النص. فإذا كان الأخير هو هيكل زروبَّابل، فهل جسد المسيح هو الهيكل الثالث مثلا؟؟ أم جسد المسيح ببساطة هو التتمة النبوية للهيكل الأخير الذي بناه زروبَّابل؟؟ نعم أقول هو التتمة النبوية للهيكل الأرضي الأخير، فجسد المسيح الهيكل الأزلي الذي كمل المؤمنين إلى الأبد. 

4- عندما بُني هيكل زروبَّابل، وعد الله بحسب الآيات، أن مجده سيكون أعظم من مجد الهيكل الأول، فهل فعلا رأينا تاريخيًا هيكل زروبَّابل (أو كما دعي هيكل هيرودس لاحقًا)، فيه مجد أعظم من مجد هيكل سليمان؟؟ لم يتحقق هذا الوعد ولا في عهد دولة مادي وفارس، ولا في عهد دولة الاسكندر الكبير، ولا في ظل الدولة الرومانية طبعًا، إلى أن جاء المسيح!!! لدرجة أن بعض المفسرين يفسرون مجد الهيكل الأخير في هذه الآية، بأنها تتكلم عن زيارة المسيح لهذا الهيكل؛ خاصة أنه من أسفار أخرى مثل ملاخي نرى من حالة الشعب آنذاك، عكس المجد تمامًا!! فأين بالضبط إذا التتمة لهذا الوعد؟؟؟

5- نرى أيضًا أن معظم المفسرين رأوا في هذا النص، إشارة نبوية للعهد الجديد.  كالفين (Calvin’s Commentary)، رأى أنه يقارن الهيكل الأول بعهد الناموس، ومجد الأخير الأعظم بالمسيح والإنجيل؛ ومعظم المفسرين ربطوا النص بمجيء المسيح الأول؛ مثل بنسون (Benson Commentary) وكلارك (Clarke’s Commentary) وجيل (Gill’s Bible Exposition) وكوزيك (Guzik Bible Commentary) وبارنز (Barnes’ Notes) وبنسون ( Benson Commentary) و(Geneva Study Bible) وجاميسون وفاوسيت (Jamieson-Fausset, Brown Bible Commentary) وكيل وديليتش (Keil & Delitzsch) ولانغ (Lange Commentary) ... وغيرهم.  وبما أن جميع هؤلاء رأوا في النص إشارة نبوية تحققت فقط في المسيح، فلماذا لا يكون أيضًا في التاريخ 24/ 12، إشارة نبوية تحققت في عهد الكنيسة، ليحتفل به أبناء الهيكل الأزلي بذكرى تأسيس الهيكل الحقيقي، أي بميلاد المسيح له كل المجد، في 24/ 12. طبعًا لم أقصد من جميع ما سبق، أن ميلاد المسيح بشكل حرفي كان في يوم 24/ 12، لكن قصد أالله كان أن تحتفل الكنيسة به بهذا التاريخ النبوي، الذي سبق وتنبأ به النبي حجي.

وأخيرًا أقدم الشكر لأحد المؤمنين المسيانيين واسمه ريتشارك أونوروف؛ الذي شارك معي قبل حوالي عامين بالتاريخ المذكور وإمكانية ربطه بتاريخ 24/ 12؛ وبدوري قمت بالبحث في الموضوع، مما قادني لكتابة هذا المقال ومشاركته مع الجسد، وأرجو أن يضاف مع باقي الأبحاث التي تصب في هذا الموضوع.

إذا بحسب ما ورد، أنا أؤمن بأن تاريخ 24/ 12 لميلاد المسيح، مرتب في الوحي الإلهي للاحتفال بهذا الحدث العظيم، وهو ليس مجرد تاريخ وضعته الكنيسة لاستبدال تاريخ وثني كما يظن البعض.  بل هو تاريخ معين ومرتب من الله، بحسب علمه وترتيبه المسبق؛ فأكرم الله بساطة قلب آباء الكنيسة وصدق إيمانهم ورغبتهم بأن يقدسوا ويمجدوا ذكرى ميلاد المسيح المجيد، فقادهم الله للاحتفال بهذا التاريخ المبارك. فهو يوم مقدس وكتابي؛ ويجب أن ندرك هذا بيقين في ضمائرنا؛ ولا ننظر له كمجرد ترتيب كنيسي، بل بترتيب إلهي عظيم: 
"33 يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاءِ!" رومية 11.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا