وقفة بين الكتاب المقدَّس وبين غيره– ج10 أوّلًا: في الصلاة المسيحية

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

هذه الوقفة تخصّ الصـلاة التي في الكتاب المقدَّس. وكلٌّ من المكتبات المسيحية والمواقع ‏الالكترونية المسيحية زاخر بموضوع الـصلاة وما يتعلَّق بها من معنى وضرورة وواجب ‏وفائدة. فإذا وضعت على گوگل "قوة الصلاة" تجد تفاصيل باهرة ورائعة، بينما تجد الصلاة ‏في ديانات مختلفة في كتب أخرى وعلى مواقع أخرى ومنها ويكيپيديا: صلاة. وسأحاول ‏الإجابة على جوانب من الصلاة بشكل "سؤال وجواب" للسهولة، لأن موضوعها طويل ‏ومتنوّع ومتشعّب، في ضوء تأمّلات شخصية مستوحاة من الكتاب المقدَّس:‏

‏1 ما هي الصلاة؟ إنها تواصل مستمر مع الله أنّى كان ظرف المؤمن بالله: {واظِبوا على ‏الصَّلاة}+ تسالونيكي الأولى 5: 17‏

‏2 أين ذُكِرت الصلاة أوّل مرّة في الكتاب المقدَّس وحَرفيًّا؟ بصيغة الإسم: صلاة حَنَّة أمّ ‏صموئيل- آخر قُضاة بني إسرائيل- في سِفر صموئيل الأوَّل 1: 12 أمّا بصيغة الفعل ‏المضارع "يصلّي" فقد وردت في كلام الله إذ أوحى إلى أبيمالك في حُلم قائلًا: {فالآن رُدَّ ‏امرأة الرجل (إبراهيم) فإنّه نبيّ فيصلّي لأجلك فتحيا...}+ تكوين 20: 7 وأمّا بصيغة الفعل ‏الماضي "صلّى" فمكتوب أنّ إبراهيم صلّى إلى الله وقد استجاب الله لصلاته: {فصلّى ابراهيم ‏الى الله. فشفى الله أبيمالكَ وامرأتَهُ وجواريَه فوَلَدنَ}+تكوين 20: 17‏‏ ‏

‏3 مَن عَلَّمك الصلاة؟ يسوع المسيح، خلال الموعظة على الجبل.‏

‏4 ماذا قال يسوع عن الصلاة؟ قال ضمن الموعظة: {ومتى صَلَّيتَ فلا تكنْ كالمُرائين، فإنهم ‏يُحبّون أن يصلّوا قائمين في المجامع وفي زوايا الشوارع، لكي يظهروا للناس. الحقّ أقول ‏لكم: إنهم قد استوفوا أجرهم! وأمّا أنت فمتى صلَّيتَ فادخُلْ إلى مخدعك وأغلق بابك، وصَلِّ ‏إلى أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية. وحينما تُصلّون لا ‏تكرِّروا الكلام باطلًا كالأمم، فإنهم يظنّون أنّ بكثرة كلامهم يستجابُ لهم. فلا تتشبَّهوا بهم. لأنَّ ‏أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه}+متّى 6: 5-8‏
وقد قصد في قوله {أبوك، أباك، أبيك} الأب السماوي أي الله، لأنّ علاقة المسيحي مع ربّه ‏صارت بالمسيح علاقة أب مُحبّ مع أولاده وليست علاقة سيّد مع عبد: {إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، ‏وخاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ المُؤمِنُونَ ‏بِاٌسْمِه}+ يوحنّا\ الأصحاح الأوَّل. ‏

وتعليقي في مناسبة ذكر المُرائين، ما من المؤسف ذكره؛ هو أنّي رأيت أحد المصلِّين مرّة، ‏عابس الوجه، فظًّا في التعامل مع الناس، بعد انتهائه مِن أداء الصلاة، كأنّه مَنَّ على الناس ‏بصلاته. فالمفترض أنّ الصلاة طهّرته من الداخل ولطَّفت طلعته في الخارج؛ لأنّ من أحبَّ ‏الله، بعد محاولة التقرّب إليه بالصلاة، وجب عليه أن يحبّ سائر خليقة الله إذ أحبَّها الله ‏فخلقها. قلتُ له: ما شأن الناس بك إذا صلّيت وما شأنك بالنّاس مِن غير المصلِّين؛ هل عيَّنك ‏الله رقيبًا عليهم، ألا يحاسب الله الجميع يوم الحساب؟ فإذا صلّيت وأنت تفكّر بهذه الطريقة ‏فأغلب ظّنّي أنّ صلاتك مرفوضة، حتى إذا قضيت عمرك كلّه في الصلاة. وأظنّ أيضًا أنّ ‏عقاب المذنبين مِمّن يعرفون الله، يوم الحساب، أقسى مِن عقاب البعيدين عن الله ومِن عقاب ‏الذين لم يعرفوا الله. قال السيد المسيح: {لا تَدينوا، فلا تُدانوا. لا تَحكُموا على أحدٍ، فلا يُحكَمُ ‏علَيكُمْ. إِغفِروا، يُغفَرْ لكُم}+لوقا 6: 37‏

‏5 ماذا قال آباء الكنيسة القديسون عن الصلاة؟ أقوالهم في آثارهم وفي كتب تفسير الكتاب ‏المقدَّس. وبالمناسبة مثالًا؛ يجد الباحث-ة "وصايا القديس أغسطينوس العشر عن الصلاة" في ‏المكتبات المسيحية، كما أشرت أعلى، وعلى الانترنت.‏

‏6 ما هي الصلاة التي عَلَّمَ يسوعُ تلاميذَهُ والشعب؟ الصلاة الرَّبِّيَّة أو الربّانية- حسب الترجمة ‏المشتركة: {أبانا الّذي في السَّماوات، ليتَقدَّسِ اَسمُك، ليأتِ مَلكوتُك، لتكُنْ مشيئتُك، في الأرضِ ‏كما في السَّماء. أعطِنا خُبزَنا اليَوميّ، واَغفِرْ لنا ذُنوبَنا كما غَفَرنا نَحنُ لِلمُذنِبينَ إلَينا، ولا ‏تُدخِلْنا في التَّجرِبَة، لكنْ نجِّنا مِنَ الشِّرِّير}+ متّى\6 ولوقا\11 وهي التي يصلّيها كل مسيحي-ة ‏بلغته. وسأذكر سبب اختياري الترجمة المشتركة في القسم الثاني من المقالة، في معرض ردّ ‏على نقد.‏

‏7 كيف نعلم أننا نصلّي كما ينبغي أن تكون الصلاة؟ إنّ الروح القدس يرشد المؤمن-ة ويُعِينه ‏على ضَعفه ويشفع له عند الله+ رومة 8: 26‏

‏8 ما الظروف التي تسمح للإنسان بالصلاة وما التي تمنعه؟ إن الصلاة ممكنة في نظري أيًّا ‏كانت الظروف. وفي نظري أيضًا؛ أنْ يكون الله ماثلًا بين عيني الإنسان، كلّ حين وفي كل ‏مكان، حالة من حالات الصلاة. والمعنى: أنّى كان ضمير الإنسان حيًّا وتفكيره سليمًا وعمله ‏صالحًا فهو في حالة صلاة. عندما أفكّر بضمير مرتاح يرضي الله فإني أصلّي. وعندما أحبّ ‏الآخرين ولا أؤذي أحدًا منهم بكلمة جارحة أو فعل قبيح فإني أصلّي. وهكذا عندما أنجز عملًا ‏ما مقبولًا عند الله.‏
وبالمناسبة؛ وَصَفَ الموسيقار الراحل منير بشير الموسيقى بأنها علاقة تواصل مع الله، أي أن ‏الموسيقى في نظره صلاة من طراز خاصّ. فنصح الجمهور مرّة، خلال حلوله ضيفًا على ‏برنامج الإعلامية جِيزَيل خوري "حوار العمر" قُبَيل رحيله أواخر سبتمبر 1997 بالتوقف ‏عن إظهار علامات الإعجاب (الصفير والتصفيق والتطبيل) خلال أداء الفنان عمله، كأنه قال ‏‏"لا تقطعوا على الفنان صَلاته" كما أشاد بأدب لياقة أهل الذوق في هنغاريا من الذين حضروا ‏له عددًا ممّا عزف (على العود) هناك، عِلمًا أن زوجة الراحل هنغارية.‏
‏ ‏
‏9 ما المطلوب في الصلاة أوّلًا؟ {ملكوت الله وبِرّه}+متّى 6: 33‏

‏10 ما الدليل على استجابة الله للصلاة؟ لقد رأينا كيفية استجابة الله لصلاة إبراهيم في العهد ‏القديم. أمّا في العهد الجديد فمتى عاش المؤمن-ة باستقامة فإن الله يستجيب إلى طلبته إذا طلبها ‏باٌسم ابن الله (1) يسوع المسيح إذ قال: {ومَهْمَا سَألتُمْ بِاسْمِي فذلِكَ أفعَلُهُ لِيَتمَجَّدَ الآبُ ‏بالابْن}+يوحنّا 14: 13‏
وفي الإنجيل أيضًا: {11 وهذه هي الشهادة: أن الله أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ‏ابنه.... 14 وهذه هي الثقة التي لنا عنده: إنْ طَلَبْنا شيئًا حسب مشيئته يسمع لنا. 15 وإن كنّا ‏نعلم أنْ مهما طلبنا يسمع لنا، نعلم أنّ لنا الطلباتِ التي طلبناها منه} +يوحنّا الأولى\5‏
أمّا إذا شعر المؤمن بتأخر استجابة الله لصلاته فلا بدّ من وجود سبب ما. وفي هذه الحالة؛ ‏توجد احتمالية مرور المؤمن بتجربة ما ظرفية، قد يطول أمدها وقد يقصر، لكن عليه أن ‏يشكر الله دائمًا ويحمده على أيّة حال، لأنّ الله يعرف عواقب الأمور فيستر ويدفع ما هو أقسى ‏وأمَرّ. ولا ريب في أنّ استجابة الله للصلاة يقرِّرها الله. فكم شكرت الله على صليب حملته ‏قائلًا: أشكرك ربي وإلهي إذ مكّنتني من حمل هذا الصليب روحيًّا ومعنويًّا وماديًّا. أو: أشكرك ‏ربّي لأنك لم تحمِّلني صليبًا أثقل فإنّ طاقتي على التحمّل محدودة ومتواضعة.‏

‏11 أين مكان الصلاة الانفرادية؟ حيثما وُجِد مكانٌ مناسب لها. وهذا من البديهيات.‏
‏12 أين مكان الصلاة الجَماعية: كما سبق؛ قال الرب يسوع: {حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة ‏باٌسمِي فهُناكَ أَكُونُ في وَسْطِهِمْ}+ متّى 18: 20 فالقدّاس الإلهي (اجتماع العبادة) وبالآراميّة ‏‏​‏ (قُربانا قدّيشا) تنفيذ لقول السيد المسيح لتلاميذه خلال عشاء الفصح الأخير ‏‏{اصنعوا هذا لذِكْري}+ لوقا\22 وكورنثوس الأولى\11 أمّا آداب الصلاة، ولا سيّما الجَماعيّة ‏فلا يتسع المجال هنا لذكرها، لكنّها معروفة في تقليد كل طائفة.‏

‏13 أين اتجاه الصلاة: لا يوجد في المسيحية اتجاه محدد؛ لأن الله موجود في كلّ مكان مالئ ‏الكون، وهو يرى المصلّي، ويسمع تضرّعاته سواء أصلّى بشفتيه أم بقلبه. ‏

‏14 هل تجوز الصلاة لغير الله؟ كلّا؛ إنها لله فقط، شأنها شأن السجود والتسبيح والاستغفار ‏والشكر والحمد. لأنّ الله هو الذي يلبّي دعوة المؤمن-ة ويُنعم عليه ويبارك.‏

‏15 ما قولك عن الوساطة أو الشفاعة؟ شأنها متروك للمؤمن-ة (2) ومعلوم أنّ الله يُجازي ‏حسب القلب أو النيّة!‏

‏16 هل يُصلّي الله على إنسان أيًّا كان أو مِن أجل إنسان؟ كلّا قطعًا، لمَن يُصلّي الله؟ إنّ الله ‏لَأسمى منزلة من مخلوقاته، بدون استثناء، فهي مَن وجب عليها تسبيحه والتمجيد والعرفان ‏بالجميل والشكر على نعمه والبركات. فالصلاة تنطلق من الخاطئ إلى الغافر لا العكس!‏
أمّا صلاة الإنسان من أجل أخيه الإنسان فهي جائزة وموصًّى بها، إذ نصّت عليها آية إنجيلية ‏حَرفيًّا: {اِعتَرِفُوا بَعضُكُمْ لِبَعضٍ بالزَّلات، وصَلُّوا بَعضُكُمْ لأَجْلِ بَعْض، لِكَيْ تُشْفَوا. طلبَةُ البارِّ ‏تَقتدِرُ كثِيرًا فِي فِعلِها}+ يعقوب 5: 16‏
وإليك مثالًا آخر من العهد القديم، بالإضافة إلى صلاة إبراهيم المذكورة أعلى: {وَالآنَ فَخُذُوا ‏لأَنْفُسِكُمْ سَبْعَةَ ثِيرَانٍ وَسَبْعَةَ كِبَاشٍ واذهَبُوا إِلَى عَبْدِي أَيُّوبَ، وَأَصْعِدُوا مُحْرَقَةً لأَجْلِ أَنْفُسِكُمْ، ‏وعَبْدِي أَيُّوبُ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِكُمْ...}+ أيّوب 42: 8‏

‏17 هل تعرف أحدًا من أتقياء الله ممّن أشار الكتاب المقدَّس إلى صلواتهم، بالإضافة إلى ‏إبراهيم وأيّوب وحَنّة؟ إليك نماذج من العهد القديم: إسحاق، يعقوب، موسى، يشوع، صموئيل، ‏داود، إيليا، أليشع، حَزَقِيَّا، دانِيال. ومن العهد الجديد: السيدة العذراء ابتداء بـ (لوقا 1: 46) ‏وحَنّة النبيّة بِنْتُ فَنُوئِيلَ (لوقا 2: 37) ورُسُل المسيح واستفانوس شهيد المسيح الأوّل. أمّا ‏الملائكة فقد ذكرهم البشير لوقا في قصّة ميلاد يسوع المسيح وهم يسبّحون الله قائلين: {الْمَجْدُ ‏للهِ فِي الأَعَالِي، وعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وبالنَّاسِ المَسَرَّة}+ لوقا 2: 14 واكتفيت بهذا القدر.‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
هذه الوقفة تخصّ البقرة. يوجد للبقرة، الحمراء تحديدًا، ذِكرٌ خاصّ بها في التوراة، ممّا يرمز ‏إلى ذبيحة فداء السيد المسيح على الصليب. أمّا في القرآن فتوجد ‏سورة كاملة باٌسمها، هي أطول سُوَره...
هذه الوقفة تخصّ الاحتلال باٌسم الدين ودفع الجزية.‏ لقد تعرّضت منطقة اليهودية لاحتلال الرومان الوثنيّين سنة 63 ق.م. وقد فرضوا جزية الدِّرهَمَين‎ ‎على ‏أصحاب الأرض. أمّا الغزوات الإسلامية تحت مسمّى...
يبدو أنّ من الصعب على غير المسيحيّين أن يفهموا أنّ للسيد المسيح طبيعتين، إلهية وإنسانيّة. ‏فقد كشف القدّيس مرقس عن طبيعته الإلهية بالآية الأولى من بشارته: {بَدْءُ إِنْجيل يسوع ‏المسِيحِ ابن الله} و...
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader