ليس الشكّ هو ما يدفع إلى الجنون، بل اليقين / الإسلام كأنموذج

في تاريخ الأفكار، لم يكن الشكّ عدوّ العقل، بل كان دائمًا محرّكه الأول. فحيثما توقّف السؤال، وادّعى الإنسان امتلاك الحقيقة المطلقة، بدأ الجمود، وتحوّل اليقين من أداة معرفة إلى سلاح قمع. هذا المقال يحاول مقاربة العلاقة بين الشكّ واليقين...
قبل 3 ساعات
ليس الشكّ هو ما يدفع إلى الجنون، بل اليقين / الإسلام كأنموذج

تمهيد:
القول أعلاه لفريدريك نيتشه (15 أكتوبر 1844 - 25 أغسطس 1900)، فيلسوف ألماني، ناقد ثقافي، شاعر وملحّن، ولغوي وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث (منقول).

المقدمة:
(نيتشه هنا يريد أن يقول إنّ الخطر الحقيقي على العقل لا يكمن في الشكّ أو عدم اليقين، بل في الاعتقاد المطلق بأنّنا نملك الحقيقة الكاملة. لأنّ من يتوقّف عن الشكّ ويتوهّم أنه يعرف كل شيء، يتجمّد فكره ويُغلَق وعيه، وهذا ما يقوده إلى التطرّف والجنون الفكري / منقول من بوست على الفيسبوك).

توضيح: ما سأسرده في هذا البحث المختصر ليس بالضرورة يترجم ما نصّ عليه فريدريك نيتشه، ولكنه من الوحي الفكري للمقولة، مستعيرًا ومركّزًا على ذات المفردات الواردة فيها، بشكل أو بآخر.

الموضوع:

الحقيقة المطلقة الكاملة أمر ربّاني، لا يمكن بلوغه، وكل معتقد أو مذهب أو فرقة... تعتقد أنها تملك هذا اليقين من الحقيقة، فإن يقينها هو وضع مهلهل؛ لأنه سيرفض من قبل التحليل المنطقي للمفكرين والعقلاء، وسيسقط زمكانيًا. ولكن هذا لا يمنع البحث عن الحقيقة الكاملة.

فالمسيح قال: "أنا هو الطريق والحق والحياة"، وهو قول فلسفي إيماني وروحاني، ولكنه لم يُجبر الآخرين على اتباعه، لا بالقوة ولا بالسيف ولا بالتهديد، ولكنه ركّز فقط على المحبة، والمحبة فقط.

أمّا المعتقد الإسلامي / محمد والقرآن والموروث كله، كان لهم رأيًا آخر.. سأسرد بعضًا منه:

  • فالرسول اعتقد بما أنه خاتم الأنبياء والرسل، ورسالته آخر الرسالات، إذن الحقيقة المطلقة تكمن معه ومع معتقده، وهذا وهم كبير.. لأجله أرسل رسائل للملوك لا يدعوهم للإسلام، بل يهددهم بمقولته "أسلم تسلم".
    (عبارة "أسلم تسلم" تعني: ادخل في الإسلام، وتسلّم (تنل) السلامة أو النجاة. تُنسب هذه العبارة إلى رسائل النبي محمد إلى ملوك وقادة الأمم، حيث كان يدعوهم فيها إلى الإسلام، ويُعرض عليهم خيار قبول دين الإسلام والدخول فيه، فيحصلون على السلامة والنصر، أو رفض الدعوة، وفي هذه الحالة يواجهون العواقب / AI).

"أمّا رسائل محمد فهي: رسالة لهرقل / ملك الروم - حملها دحية الكلبي، ورسالة إلى المقوقس حاكم مصر - حملها حاطب بن أبي بلتعة، ورسالة للنجاشي ملك الحبشة - حملها عمرو بن أمية الضمري" (نقل من موقع إسلام ويب). وهناك شكّ في مصداقية إرسال هذه الرسائل.

  • بعد الرسول، الخلفاء والحكام، بما أنهم ورثة نبي، معتقده الحقيقة المطلقة، فسخّروا هذا المفهوم في احتلال الأمصار، ليس بالإيمان والكلمة الطيبة، وإنما بالسيف، على أساس أن الحقيقة معهم، أي الإسلام. ومثال ذلك فتوحات الحجاج بن يوسف الثقفي:
    "ولمّا وُلّي الحجاج العراق، ولّى سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي مكران وثغر الهند، ثم أتبعه بمجّاعة بن سعر التميمي، فغزا وفتح مناطق من قندابيل، ويذكر المؤرخون أن كلاً من الهند والسند وقندابيل أصبحت حينذاك تحت ولاية الحجاج، وكان ذلك سنة 85هـ".
    الحجاج مارس حقيقة السيف في غزو البلدان. وقد روى الترمذي في سننه:
    "عن هشام بن حسّان قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرًا فبلغ مائة ألفٍ وعشرين ألف قتيل".
    وقال عمر بن عبد العزيز: "لو تخابثت الأمم وجئتنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان يصلح لدنيا ولا لآخرة" (تاريخ دمشق). وهذا يدلّل على دموية الحجاج.
  • حين يُكشف زيف حقيقة الظلاميين، فالرصاصة هي الحل. وهذا الأمر يتمثل في واقعة اغتيال د. فرج فودة / المتنوّر، بعد مناظرة معرض الكتاب / مصر، يوم 1 يونيو 1992، والتي جرت بين الفقيد ود. محمد أحمد خلف الله من جانب، والشيخ محمد الغزالي ومحمد عمارة والمرشد مأمون الهضيبي من جانب آخر. والتي حشد لها جماعة الإخوان المسلمين كل الإمكانيات من أجل استفزاز الفقيد.
    "كانت المناظرة أشبه بمسرحية مأساوية من أجل إعطاء دليل إسلامي كي يقدّم الدوافع والأسباب والموجبات إلى تكفير د. فرج فودة، وإعلان ردّته ثم قتله" (نقل من مقال لكاتب المقال بعنوان: مسرحية الشحن الإسلامي في قتل د. فرج فودة).

وانتهى كل شيء يوم 8 يونيو 1992، أي بعد أسبوع من تاريخ المناظرة:
"(.. حيث تم قتل د. فرج فودة بعدها بأسبوع فقط بواسطة سماك، بعد نشر جريدة النور الإسلامية لفتوى دينية تبيح دمه بعد انتصاره الساحق على مناظريه وعجزهم عن تفنيد حججه. اعترف القاتل "عبد الشافي رمضان" أنه تلقّى أوامر بقتل فودة من المحامي صفوت عبد الغني القيادي بالجماعة الإسلامية.. / نفس المصدر السابق)".

خاتمة:

ما علاقة الشك واليقين بالحقيقة المطلقة بما كتبت في أعلاه؟

(أ) الرسول أصبح بوضع فاق كل تصوراته؛ فكيف من فرد انتقل من راعي غنم إلى زوج لإحدى ثريات قريش إلى رسول له أتباع ومريدون؟ فهذا الأمر قاده لخيال أن يخضع كل العالم له، وهذا ضرب من الجنون. ولم يدع هذا الأمر أي شك له في أن يكون ليس سيد العرب، بل سيد العالم بأكمله، وهذه كارثة جنون العظمة - البارانويا
(اضطراب نفسي يتميز بأفكار وهمية ومبالغ فيها حول العظمة والقوة، ويعتقد الشخص المصاب أنه يمتلك قدرات استثنائية أو مكانة تفوق الآخرين بشكل غير واقعي. غالبًا ما يرتبط بالبارانويا الشعور بالشك المرضي والاعتقاد بوجود مؤامرات دون دليل حقيقي / منقول AI).

(ب) ليس موضوع الحجاج جاء اعتباطًا! فهو حالة من آلاف الحالات التي ترتبط بالسيف والدم في غزو الأمصار تحت مظلة حقيقة الإسلام، على أنه الدين الأوحد وفق النص القرآني:
"إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ" / (19 سورة آل عمران)
الذي هيمن على عقلية الخلفاء ظاهريًا. ولكن ليس همّ الخلفاء والأمراء من كون أن الإسلام هو الحقيقة المطلقة عقائديًا، والتي يجب أن تنتشر في كل الأمصار، بل همّ الخلفاء كان السبايا والمال والنهب وخراج الأمصار.. وليس نشر العقيدة!

(ج) الحقيقة المطلقة التي آمنت بها جماعة الإخوان المسلمين أسقطها فرج فودة في المناظرة القاتلة، ليس بالتشكيك، بل بالأدلة وبالوقائع. فهو رفع ورقة التوت التي كانت تغطي عورتهم، وبيّن أن الدولة المدنية هي الحل، وليس "الإسلام هو الحل". فاختار الظلاميون أن يُسدلوا الستار عن المناظرة خائبين يوم 1 يونيو 1992، باغتيال من عرّاهم بعد أسبوع، فقتلوا فرج فودة.

إضاءة:

الحقيقة المطلقة ليست يقينًا؛ فلا بد لنا دومًا أن نتبع المبدأ الديكارتي الذي يفضي إلى أن "الشك يقود لليقين". ولكي نتوصل للحقيقة لا بد أن نشك بكل المسلمات حتى نتوصل للمطلق منها.

أمّا الإسلام فقد سقط في فخ الزمكانية، حيث إنه لا يصلح للأزمنة الحاضرة، ومن المحتمل أنه كان صالحًا قبل 14 قرنًا لقوم فطري يسوده الجهل في بعض الجوانب - وليس كلها.

الإسلام لا يملك الحقيقة المطلقة التي جعلت الفقهاء في هوس الحصول على أدلة صلاحيته لأي مشكلة. ومن جانب آخر، إن كل رجال الإسلام يقفون صامتين عن أي إجابة عقلانية لـ: "إرضاع الكبير وحور العين والإسراء والمعراج"، و"ثقافة العنف وإلغاء الآخر"، و"آيات السيف". بعد ذلك لهم الحق في الحديث عن الحقيقة المطلقة.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا

Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/lingaor/public_html/article.php:1) in /home/lingaor/public_html/comments_article.php on line 74
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.