نعود الى الموضوع السوري لأن هناك ما يثير الغضب أكثر مما يثير العجب. ونتساءل الى متى يغض أصحاب "الفكر الديمقراطي" النظر عن ممارسات عصابات الارهاب الظلامي، والمأجورين الدخلاء القادمين من مختلف أصقاع الأرض، من أجل هدم الدولة السورية وتدمير الحضارة العربية فيها، والقضاء على مهد المسيحية ومنارة الاسلام في شرقنا العربي، والاجهاز على كل معلم حضاري وتاريخي وديني سماوي.

بعدما أنهيت هذا الأسبوع كتابة مقال آخر عن سوريا ومحنتها الحالية، صعقت بما سمعته من أحد أبناء معلولا عصر الثلاثاء الماضي على شاشة "الميادين" وهو يصف ويشرح ما فعلته عصابات التكفيريين ببلده معلولا في نفس اليوم، حيث اقتحمت تلك العصابات الارهابية البلدة الوادعة في هجمة ثانية جاءت لئيمة وبشعة، وكأنها تأتي انتقاما من الجيش العربي السوري والدولة السورية وأهالي معلولا الذين استردوا البلدة من عصابات الارهاب قبل بضعة أسابيع، لهذا عاث المجرمون والقتلة خرابا وتدميرا في البلدة فهدموا وأحرقوا وخربوا معالمها الدينية المسيحية القديمة والتي تعود إلى أيام السيد المسيح (له المجد)، واعتدوا على الناس فخطفوا البعض واقتحموا أحد الأديرة وخطفوا منه اثنتي عشرة راهبة ونقلوهن إلى مكان مجهول، وذنب الراهبات أنهن تمسكن بديرهن ورفضن الخروج منه في المرة الأولى، كما واصلن رعاية ما يقارب 60 طفلا معاقا ويتيما. هكذا تنضم الراهبات إلى المطرانين اللذين مر على اختطافهما أكثر من نصف عام دون أن تحرك الهيئات الدولية ومؤسسات حقوق الانسان (كذبا وزورا) أي ساكن، ودون أن يهتز جفن لأدعياء الانسانية خصوم النظام الذين يخرجون صبحا مساء بتصريحات نارية تدين النظام بالجرائم التي تقع في سوريا، وكأن عصابات الارهاب وما يسمى "بالجيش الحر" لا يستعملون السلاح ولا يقصفون أو يدمرون ويقتلون، هل هناك منطق أعوج أكثر من هذا اللامنطق؟!

لا أدري كم إثبات يحتاج مناصري ما يسمى "الثورة" السورية من ديمقراطيين وقوميين وليبراليين، حتى يقتنعوا أنه لم تعد هناك ثورة في سوريا وأن ما يسمى "المعارضة" ما هي إلا أوراق تعبث بها رياح الشر والاستعمار. فالعصابات الارهابية التكفيرية الظلامية هي من تقاتل وتنفذ عمليات التفجير والقتل والارهاب تحت لافتة "الثورة"، بل ان تلك العصابات لم تعد تلجأ إلى هذه الذريعة الفضفاضة وباتت تعلن جهارا أن هدفها بناء دولة اسلامية في سوريا والعراق أو فرض النظام التكفيري الجهادي والقضاء على النظام القومي العلماني في سوريا، وما يثير العجب والاستغراب أن يواصل بعض العلمانيين تأييد ما يسمى "ثورة" متعامين عن الواقع المرير والأليم الذي يحيق بوطن القومية والعلمانية العربية، ضاربين بعرض الحائط المفاهيم والقيم القومية ومساندين لعصابات التجهيل والرجعية، وما زالوا يوجهون أصابع الاتهام الى النظام السوري وكأنه المسؤول عن تلك الجرائم!!

إنه عبث العبث ما نسمعه ونقرأه بعد كل تلك الجرائم والمجازر والتفجيرات، وبعد كل أعمال القتل والتدمير، تدمير معالم الحضارة والثقافة العربية التقدمية والانسانية العريقة الموجودة في سوريا منذ آلاف السنين، وبعد كل تلك الاعتداءات على دور العبادة وخاصة والكنائس والأديرة التي كان لها المساهمة الغنية في الحفاظ على التراث والحضارة العربيين في بلاد الشام. وما شهدته معلولا في الأيام الأخيرة انما يثبت ما أكده أكثر من مرة غبطة البطريرك ميشيل صباح (أول بطريرك عربي فلسطيني في القدس لكنيسة اللاتين) من أن الاعتداء على المسيحيين في سوريا أو أي قطر عربي مثل مصر والعراق، صحيح أنه يأتي ضمن الاعتداءات على أي مواطن عربي مسلما كان أم غير مسلم، لكن الاعتداء على المسيحي يأتي من باب أنه مسيحي. وإلا كيف نفسر الاعتداء الأخير والهمجي على بلدة معلولا، والتنكيل بكنائسها وأديرتها وتدمير كل ما تطاله الأيدي وإحراق البيوت والأماكن الدينية والمؤسسات الأخرى، دون أن يكون فيها أي جندي أو مراكز أمن، ولم تشكل أي تهديد لأي طرف مسلح، انما هي بلدة هادئة وادعة مسالمة، فلماذا يتم اقتحامها بهذه البشاعة وهذا الحقد وتلك الكراهية سوى كونها بلدة مسيحية مازال أبناؤها يتكلمون الارامية اللغة التي تكلم بها السيد المسيح؟

بربكم أجيبونا يا أدعياء "الديمقراطية" من أبناء شعبنا و"حقوق الانسان" في العالم، هل هو النظام وقواته المسلحة هم الذين هجروا أهالي معلولا ولاحقوهم وخطفوهم ونكلوا بهم؟ هل النظام وقواته هم من قاموا بهذه الجرائم، أم أن الناس عاشوا بأمان وطمأنينة في ظل النظام العربي السوري القومي؟ وهل يمكن لأحدكم أن يقنع أي طفل أو امرأة أو مسن في معلولا بنظرياته واتهاماته وهجومه على النظام وجيشه العربي ومؤسساته؟ لم يعد الشعب في سوريا يطلب الثورة، ولم تعد مطالب التغيير والديمقراطية هي مطالب الشعب السوري اليوم. بعد كل التدمير والقتل والتشريد لا يريد الشعب سوى العودة الى بيوته واعمارها والاقامة فيها بسلام وطمأنينة وكرامة، وهذا ما لا يريده سماعه خصوم وأعداء النظام من "ديمقراطيين" وغيرهم، لكن هذا الأمر ليس ادعاء أو أمنية انما هذا ما نشرته بعض الصحف الأسبوع الماضي، حول تراجع العديد من المحاربين السوريين الذين انخرطوا في صفوف المعارضة إما تضليلا أو أملا في تغيير النظام، لكنهم اليوم ينسحبون من صفوف المعارضة بعدما رأوا ممارسات العصابات الارهابية ودخول المأجورين لوطنهم، وأعلنوا عن عودتهم الى بلداتهم وأهلهم، وما هذا إلا دليل على أن الشعب السوري يريد اليوم العيش الآمن والهاديء، وعودة سوريا الى أبنائها وطرد كل الدخلاء والمأجورين منها وتنظيف البلاد من الارهابيين والعملاء، فهل يتم لهم ذلك وهل سيسمح من يدعم العصابات الارهابية والمأجورين بذلك، ويوقفوا مد تلك العصابات والمقاتلين بالمال والعتاد، وبالتالي يوقفوا تدمير سريا؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا