لقد حزن إبراهيم كثيرًا بعد وفاة امرأته المحبوبة سارة، كما يقوب الكتاب في تكوين ٢٣:
" 2 وَمَاتَتْ سَارَةُ فِي قَرْيَةِ أَرْبَعَ، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ وَيَبْكِيَ عَلَيْهَا."

بعدها شعر إبراهيم بالغربة والوحدة، بالرغم من أنه عاش في أرض كنعان أكثر من خمسون عامًا. فقال للحثيين الذي كان متغرب في وسطهم:
" 4 «أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيِّتِي مِنْ أَمَامِي»."

نعم الحزن والاحباط كثيرًا ما يجعلنا نشعر أننا وحيدين وغرباء؛ ولنا الرغبة في الانطواء والانعزال. وأحيانًا يجعلنا الحزن نشتاق إلى أشخاص أعزاء علينا فقدناهم؛ أو أشخاص أعزاء علينا، ليسو بموجودين معنا في ساعة الحزن. ربما نحن بعيدين عن المدينة التي ولدنا وترعرعنا فيها، فالحزن يضفي على الإنسان الشعور بالاشتياق لوطنه، بلده، أرضه، أحباءه، وطفولته.

لقد كانت هذه الحادثة صعبة على إبراهيم؛ ونرى في تكوين ٢٣، أن إبراهيم بسبب الشعور في الغربة، أراد أن يمتلك ملكًا يشعر فيه بالأمان؛ ويستخدمه لدفن سارة. أما هو فبقي متغربًا في أرض كنعان، منتظرًا المدينة التي في السماء، والتي بانيها وباريها هو الله (عبرانيين ١١: ٨-١٠).

عندما نتابع القصة، نرى كيف تعايش إبراهيم مع الحزن والشعور بالغربة، وكيف استطاع في وسط الحزن أن يحقق دعوة الله له، بكل دقة وإيمان.

١- تمسك بالعلاقة مع الناس، ولم ينعزل عنهم:

بالرغم من أن الحثيين لا يعرفون إله إبراهيم، إلا أن إبراهيم توجه إليهم للتعبير عن احتياجه لهم، واحتياجه لطلب المعونة منهم (عدد ٣-٤). فعندما نسلم الضيق والحزن في يد الله، ممكن أن يُستخدمه الله كجسر للتقارب الصحي بيننا وبين أهل العالم؛ لكي يتمجد الله في ذلك التقارب.

٢- أصرَّ على ممارسة الخلقيات الكتابية:

بالرغم من أن الله أعطى أرض كنعان لإبراهيم؛ وأيضًا قد منحه عفرون الحقل هدية مجانية له، لدفن موتاه (عدد ١١)؛ إلا أن إبراهيم لم يشعر أنه يجب أن يأخذه مجانًا؛ بل أصرَّ على دفع ثمنه (عدد ١٣). إن الحزن يمنحنا الفرص لنيل الشفقة من الناس الذين حولنا؛ وربما يجذبنا هذا لاستغلال شفقتهم لتحقيق أكبر عدد من المرابح. لكن يجب أن لا ننسى المبادئ التي علمنا اياها الرب، ولا نستسلم لروح الشفقة على الذات، وننسى الأخلاقيات الروحية. أيضًا نرى هذا في سلوك إبراهيم الروحي عندما صار خلاف بين رعاة لوط ورعاة إبراهيم (تكوين ١٣: ٥-١٨)؛ فلم يقل إبراهيم للوط: " الله منحني هذه الأرض، هي لي، يجب أن تنسلخ أنت منها". لكنه كان واثقًا أن الذي وعد هو أمين لأن يحقق وعده؛ أما هو، فيجب أن يسلك بحسب المبادئ الخلقية الإلهية، لكي ينال وعود الله في توقيته. يا ليت الكنيسة تمتلئ بتلك الروح، روح إبراهيم أبو المؤمنين، من جهة الحق في أرض فلسطين وإسرائيل.

٣- تمسك إبراهيم في شعب الرب:

لقد أراد إبراهيم زوجة لابنه قبلما يموت من بنات عشيرته، شعب الرب. لأننا نذكر أن أباه تارح كان من شعب الرب، حيث تلقى الدعوة للذهاب إلى أرض كنعان قبل إبراهيم. أيضًا لابان وبتوئيل، أخو وأبو رفقة، نرى من النصوص، أن لهما ثقة بإله إبراهيم (تكوين ٢٤: ٥٠). فكثيرًا ما تجد المؤمنين عندما يصابون بالحزن، ينعزلون عن الأخوة وشعب الرب، ويسمحون لأنفسهم لأن يُبتلعو من الحزن؛ فيصيرون فريسة سهلة للشرير.

٤- تمسك إبراهيم بالدعوة التي دعاه اياها الرب:

لذلك قال إبراهيم لعبده الذي أرسلة لاختيار زوجة لابنه:
“ 8 وَإِنْ لَمْ تَشَإِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتْبَعَكَ تَبَرَّأْتَ مِنْ حَلْفِي هَذَا. أَمَّا ابْنِي فَلاَ تَرْجِعْ بِهِ إِلَى هُنَاكَ (إلعراق اليوم)»." تكوين ٢٤.
فلم يفعل إبراهيم كما فعل أبوه تارح، الذي أراد أن يذهب من ناحور إلى أرض كنعان، قبل دعوة الله لإبراهيم؛ لكنه خار في الطريق، وبقي في حاران (تكوين ١١: ٣١). بل ذهب إبراهيم إلى أرض الموعد، وأكد بأن يبقى ابنه، ابن الموعد إسحق، فيها.

٥- اهتمام إبراهيم بابن الموعد، ليتمم دعوة الله:

إن أحد أهم العناصر التي جعلت الله يختار إبراهيم، هو أنه كان أبٌ صالح؛ كما يقول الكتاب عن قول الله عن إبراهيم:
“ 19 لأني عرفته لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ لِيَعْمَلُوا بِرّاً وَعَدْلاً لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ»." (تكوين ١٨)؛ وفعلاً رأينا هذا في سلوك إبراهيم بعد موت سارة، لقد أكد كما قلنا في النقطة "٤"، بأن يبقى إسحق في أرض الموعد، ليتمم دعوة الله. وأيضًا أكد أن يرتب لابنه إسحق زواجًا مقدسًا لفتاة من شعب الرب، قبلما يفعل أي شيء له، مثل زواجه فيما بعد من قطورة (تكوين ٢٥: ١).

إذا عندما نمر في ظروف تضفي على نفوسنا الحزن والإحباط، ماذا ستكون ردة فعلنا:
هل سننطوي وننعزل ونستسلم لروح الوحدة والغربة؟
هل سنجد رغبة في البقاء في شعور الشفقة على الذات؟

أم سنحول الحزن والإحباط لطاقة روحية تمجد الله، كحنة أم صموئيل النبي؟ (في ١ صموئيل ١-٢).
أنت على مفترق طرق!! اختر أن تضع الحزن والاحباط في يد الله ليستخدمه لمجده ومجدك. أطلب من الله أن يحقق نصيحة سليمان، التي دعت الإنسان للخروج من ألمه وحزنه، لكي يتمكن من تحقيق دعوة الله:
" 10 إِنِ ارْتَخَيْتَ فِي يَوْمِ الضِّيقِ ضَاقَتْ قُوَّتُكَ. 11 أَنْقِذِ الْمُنْقَادِينَ إِلَى الْمَوْتِ وَالْمَمْدُودِينَ لِلْقَتْلِ. لاَ تَمْتَنِعْ." أمثال ٢٤.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا