ليت شعري ما الذي أوصل ابن القرية وبنت المدينة إلى مملكة ابن الله؟ هل ظَنَّ أحَدُهُما أنّ مملكته من هذا العالم؟ إنما قال: {مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدّامي يجاهدون لكي لا أسَلَّمَ الى اليهود...} يوحنّا 36:18 وما الذي حَثَّهُما على اللجوء إلى مَلِكٍ لا بيت له ليرتاح فيه ولا جَعل له مُتَّكَأً؟ إنما قال: {للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار. وأمّا ابن الإنسان فليس له أين يَسنُدُ رأسَهُ} مَتَّى 20:8 ولوقا 58:9 أفليس ما تقدّم دليلًـا على أنّ ابن الله وابن الإنسان قد قرع باب هذا بإحدى طرائقه وباب هذي بطريقة أخرى؟ بل قرع أبوابًا كثيرة فكتب الشعراء عنه ما كتبوا وسائر الأدباء. مثالًـا الشاعر بدر شاكر السياب الذي وُلِد في قرية جيكور (من قضاء أبي الخصيب جنوبيّ البصرة) فلمّا أبصر النور لم يعرف في قريته مسيحيًّا واحدًا. لكنّ من يبصر النور يتوق إلى التعرّف على مملكة النور وعلى ملك النور الذي وهبه النور ليقرأ ويتثقّف ويلتقي مع أولاد النور فيرى بنفسه ويسمع ويكتب مُوظِّفًا النور في كتاباته لكي يشعّ النور من خلالها أيضًا ويمتد إلى أقصى دهاليز الظلام. هكذا تخطّى روّاد الشعر الحديث والمُستحدَث منه بأشكال مختلفة وقوافٍ منوّعة حدود الأمكنة التي ولدوا فيها إلى الإغتراب وتخطّوا الأزمنة التي عاصروا إلى درجة السّبق فتألَّقوا خلالها فإذا الألق ألقى بظلاله على عصور لاحقة

لم ينفرد السياب بالدخول إلى مملكة النور من غير المسيحيّين، إنما رافقه كثير من معاصريه؛ هنالك الشاعر عبد الوهاب البَيّاتي (ابن الرِّيف قبل انتقاله إلى بغداد) والشاعرة نازك الملائكة بنت المدينة (بغداد) والأديب محمد الماغوط (سورية 1934- 2006) والشاعرة فدوى طوقان والشاعر محمود درويش (فلسطين 1941- 2008) والشاعر صلاح عبد الصبور (مصر 1931- 1981) أمّا قديمًا فأخصّ بالذِّكْر الحسين بن منصور الحَلّـاج (ت 922 م \ 309 هـ) المتصوّف الذي قٌتِل مصلوبًا، بعد اتِّهامه ظُلمًا بالزَّندَقة والإلحاد. وسوف أعزِّز ما تقدّم بأمثلة منشورة ورقيًّا والكترونيًّا في مقالة لاحقة، لأنّ ما يهمّني هنا بحر المتدارَك؛ إذ كتب السيّاب قصيدته التي تحت عنوان “المسيح بعد الصَّلب” على وزنه وكتب محمود درويش قصيدة تحت عنوان “المزمور الحادي والخمسون بعد المئة” على وزنه أيضًا. أمّا الآخرون فكتبوا على أوزان أخرى، باستثناء الماغوط الذي لا أستطيع تسمية أيٍّ من خواطره المنثورة شِعرًا، متفقًا مع الشاعرة نازك الملائكة إذ فرّقت بين الشعر والنثر تفريقًا مُنصِفًا، مؤكِّدة على أنّ الوزن الشِّعري هو أساس كلّ نصٍّ أدبي سُمِّيَ شِعْرًا. إذ نقرأ في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» ص 188 ما معناه: (لماذا مَيّزت لغاتُ العالم كلُّها بين الشعر والنثر؟ وما العنصر المُمَيِّز بينهما سوى الوزن؟ يتشابه الليل والنهار في احتواء كلّ منهما على اثنتي عشرة ساعة في المتوسط. ويتشابه النثر والشعر في احتواء كل منهما على العاطفة والجمال. لكنّ أذهاننا تبتعد أكثر من عدد الساعات لتشخّص الظلام في الليل والضياء في النهار. كما تبتعد أذهاننا عن العاطفة والجمال لتشخّص الوزن في الشعر وانعدامه في النثر. فإن سَمَّينا كلّ كلام شعرًا بمعزل عن الوزن فكأننا سَمَّينا الحياة كلّها نهارًا سواء أكان فيها ضياء أم لا. إنّما الليل ليل والنثر نثر. وواجبنا نحو اللغة والذهن الإنساني أن نسميهما ليلًـا ونثرًا دون أن ننتحل لهما تسميات مضلِّلة لا تشخِّص شيئًا. فما الفائدة من تسمية النثر شعرًا والليل نهارًا يا ترى؟!...) انتهى

وجوابًا على تساؤل الشاعرة قلت: لأنّ أجيال القرنين الماضي والحالي لم تقرأ جيّدًا (دراسة وبحثًا وتدقيقًا) فكيف تفهم وتستمتع وكيف تنتشي بخمرة الشعر وتَطرَب؟ لهذا السبب آثرتُ اليوم إحياء الشعر العربي الجميل والمُؤثِّر والمُكهرِب، الذي كاد ألقه ينطفئ، من خلال مراجعة بُحُوره بصوت مسموع. وفي رأيي؛ للأمانة الأدبيّة ودون تحيّز لأحد، لولا أنّ نازك الملائكة تعرّضت في شعرها لسِفر التكوين وللحياة الرهبانية بنقد واضح، عن جهل؛ إذ أصيبت منهما بالذهول ولم تكلّف نفسها عناء البحث والسؤال والاستفسار، ما تتقدم به إلى شخص لاهوتيّ وآخر راهب، قبل التعرّض لهما، لقُلتُ أنّها تستحق، على شِعْرها الذي قرأتُ غالبيّته وعلى كتابها المذكور، لقب أميرة الشعر الحُرّ (أو شعر التفعيلة) فلو سألتْ شاعرتُنا كاهنًا مسيحيًّا لنصَحَها بقراءة العهد الجديد أوّلًـا قبل البدء بقراءة العهد القديم الذي يصعب فهم أحداثه ورموزه بدون دراسة العهد الجديد. ولو سألت راهِبًا عن سبب اعتكافه في الدير لأقنعها بأنّ لكلّ إنسان الحقّ في اتّباع الطريقة التي يتواصل بها مع خالقه ما لم يضرّ بها أحدًا. أمّا الشِّعر الحُرّ فأسمِّيه من اليوم فصاعدًا «شِعر الشَّطر» لثلاثة أسباب؛ 1. تمييزًا له عن شعر الشَّطرَين (مِثالًـا: شعر الأخطل) 2. لأنّ كلّ “بيت” في قصيدة الشعر الحرّ ذو شطر واحد 3. قد يحتوي الشطر على تفعيلتين بدل الواحدة، هو ما لاحظت في كلّ قصيدة منظومة على واحدة من صور المديد والرمل (فاعلاتُن فاعلن) أو الهزج (مفاعيلن فعولن) أو السريع (مستفعلن فاعلن) أو الخفيف (فاعلاتُن مستفعلن) وغيره

والجدير ذكره نقلًا عن كتابها، بتصرّف واختصار، ما ورد في الصفحة 193 تعزيزًا لرأيها الذي تقدّم ذِكره: (أمّا الشاعر الذي يجهل قواعد النظم، إنما افتقد جزءً مُهِمًّا من عُدَّة الشاعر، لأنّ الوزن هو الروح التي تُكهرب المادّة الأدبيّة وتصيِّرُها شِعرًا، فلا شعر من دونه مهما حشد الشاعر من صور وعواطف، ما لم تلمسهنّ أصابع الموسيقى وينبض في عروقهنّ الوزن) وأردفت في الصفحة التالية: (إن الموزون الطافح بالصور والأخيلة والعواطف سيملك قلوبنا ويهزّنا ويُثيرنا أكثر من النثريّ الطافح بالمقدار نفسه من الجزئيّات. وذلك لأنّ عنصرًا جماليًّا جديدًا قد أضيف إليه هو الموسيقى والإيقاع) أمّا عن نثريّات محمد الماغوط فقالت ما معناه: (إنّ خواطر محمد الماغوط تكون أجمل لو كُتِبَت شِعرًا لا نثرًا. ونحن لا ننتقص من قيمتها لولا أنها تطاولتْ لتُسمِّيَ نفسها شعرًا. وإنما النشوة والموسيقى والدفء من مصاحِبات الوزن. فمَن رغِب فيها فليكن شاعِرًا وليعرف كيف يرقرق معانيه في قصائد متدفقة. وبعد فليس يعيب النثر أنه ليس شعرًا وأنّ الموسيقى ملازمة للشعر لا له. إنّ تلك هي طبيعة الأشياء وكُلٌّ لِما خُلِق له. وفي وسعنا ختامًا أن نلخّص تعريف الشعر؛ إنه ليس عاطفة وحسب، إنما عاطفة ووزنها وموسيقاها... إلخ) انتهى. فلنتوقف قليلًـا للاستمتاع بالمقطعَين الأوّل والأخير من قصيدة السّياب المذكورة أعلى

المسيح بعد الصَّلب- بدر شاكر السّياب

بعدما أنزلوني، سَمِعْتُ الرِّياحْ

في نواحٍ طويلٍ تسفّ النخيلْ

والخُطى وهي تنآى. إذنْ فالجراحْ

والصَّليبُ الذي سَمَّروني عليه طوال الأصيلْ

لم تُمِتْني. وأنصَتُّ: كان العويلْ

يَعْـبُرُ السَّهْلَ بيني وبين المدينهْ

مِثل حَبْلٍ يشدّ السَّفينهْ

وهي تهوي إلى القاعِ. كان النُّواحْ

مِثلَ خيطٍ مِن النورِ بين الصباحْ

والدُّجى، في سماءِ الشِّتاءِ الحزينهْ
- - -

بعدَ أنْ سَمَّروني وألقيتُ عَينيَّ نحوَ المدينهْ

كدتُ لا أعرفُ السَّهْلَ والسُّورَ والمقبرهْ

كان شيءٌ، مدى ما ترى العينُ، كالغابة المُزهِرهْ

كان، في كُلِّ مرمىً، صليبٌ وأمٌّ حزينهْ

قُدِّسَ الرَّبُّ هذا مَخاضُ المدينهْ
* * *

لعلّ خير مثال على تأثّر شعراء المشرق بالرموز المسيحيّة هو تقارب عنوان قصيدة السياب بالمعنى مع عنوان رواية “المسيح يُصلَب من جديد” للأديب الفيلسوف نيكوس كازنتزاكيس (كريتي، اليونان 1883 – 1957 م) كتبها باليونانية سنة 1948 وموضوعها: مسرحيّة مسيحيّة تُحيي ذكرى آلام السيد المسيح كل سبع سنوات، في قرية يونانية كانت واقعة تحت احتلال الإمبراطورية العثمانية. وقد تُرجمت الرواية إلى الإنكليزية سنة 1954 وبُنِيَتْ عليها فيما بعد فكرة أوبرا ألّفها الموسيقار التشيكي بوهُسلاف مارتينو (1890- 1959 م) بين 1954 و1957 م وفكرة فيلم “هو مَن يجب أن يموت” الذي كتب روايته الأميركي جولز داسّين (1911-2008 م) وأخرجه سنة 1957 م. أنظر-ي الهامش

أمّا التركيز على الإبن والبنت في ما تقدّم فهو لتقريب صورة {ابن الله} إلى أذهان غير المسيحيّين، أذهان تشبّعَت بأفكار جنسيّة مغلوطة منذ زمن إحدى بدع النصارى (ما معناها أنّ لله صاحبة وولدًا) التي اتَّخذها الجَهَلة “حجّة” ضدّ المسيحيّة وظُلمًا مُتَعَمَّدًا إلى اليوم. والحقيقة هي أنّ تلك البدعة، إن وُجدَت، لم تمتّ إلى المسيحيّة بأيّة صِلة، ما لم تكن محض افتراء على نصارى ذلك الزمان، لأني لم أقرأ أنّ نصرانيًّا قال بها لا في الشعر ولا في النثر! فحاشا الله أن يكون له ولد بالمعنى الجسدي، إنما أولاد النور ذكورًا وإناثًا يُصبحون أولاد الله بالمعنى الروحي لا الجسدي؛ أي المؤمنون باٌسم الله: {وأمّا كلّ الذين قبلوهُ فأعطاهُمْ سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باٌسْمِهِ. الذين وُلِدوا ليس مِن دَم ولا مِن مشيئة جَسَد ولا من مشيئة رَجُل بل من الله} يوحنّا1: 12-13 والهاء في “قبلوه” تعود على المسيح له المجد. ومعنى ابن الله: كلمة الله. وتاليًا لا يعني القول “ابن القرية” أنّ للقرية صاحِبًا ولا يعني “بنت الريف” أنّ للريف صاحِبَة

ولماذا لا يذهب المشكِّكون إلى الكتاب المقدّس ليتبيَّنوا بأنفسهم معنى ابن الله وأولاد الله قبل اتّهام المسيحيّة بالشِّرك وغيره، في وقت أصبح الكتاب المقدَّس متيسِّرًا على الإنترنت؟ إلّـا إذا أرادوا لعقولهم أن تبيت على انحطاط فكري وأرادوا مبرِّرات واهية للتعرّض إلى المسيحيّين بهدف تهجير المتبقّي منهم واستباحة أراضيهم وأراضي أجدادهم ونهب أموالهم وخطف نسائهم... إلخ، مُستغِلِّين التفوّق العددي وتسامح التعليم المسيحي واحترام المسيحيّين قوانين البلاد التي يعيشون فيها ونبذهم الإرهاب. في وقت يعرف المُهرِّجون ما لدى المسيحي من قوّة إذا أراد معاملتهم بالمِثل! فليقرأوا التاريخ الحديث وليقرأوا ما كتب المسلمون المتنوّرون من أمثال الأديب المصري قاسم أمين (1863– 1908 م) وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان: (معاقبة الشَّرّ بالشَّرّ إضافة شرّ إلى شَرّ) فإذا قابل المسيحيّون الشرّ الذي عانوا منه طويلًـا بالمحبّة وبعَرض الخدّ الآخر (أي التفاهم) فهل جزاؤهُم الذي يستحقّون إلّـا المحبّة والإخاء؟ أمّا الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال- وهو فيزيائي ورياضي- فقال: (عَظَمة النفس الإنسانية في قدرتها على الإعتدال، لا في قدرتها على التجاوز) وهذا وذاك على حقّ

* * *

بَحْرُ المُتدارَك

وزنهُ فاعِلُنْ، ثماني مرّات. لهُ ثلاث أعاريض صحيحة كلّ منها فاعِلُنْ؛ الأولى تامّة أي المستعملة في المتدارك التامّ ( فاعِلُنْ، ثماني مرّات) والثانية مجزوءة أي المستعملة في المتدارك المجزوء (فاعلن، ستّ مرّات) والثالثة مشطورة أي المستعملة في المتدارك المشطور (فاعلن، أربع مرّات) أمّا الأضرب في جميع الأنواع فأربعة؛ الضّرب الأوّل فاعلن (مثل العروض) والثاني مخبون فَعِلُنْ بخفض العين والثالث مقطوع فعْلُنْ بإسكان العين والرابع مُذيَّل فاعِلانْ. وقد أضاف أحد العروضيّين ضربًا خامسًا مخبونًا مُرَفَّلًـا (فعلاتُنْ) على المتدارك المجزوء لكنّه قبيح في قصيدة الشطرين فلا أنصح باستعماله إلّـا في قصيدة الشَّطر. أمّا الحشو (أي جميع الأجزاء باستثناء العروض والضّرب) فقد جاز فيه الخبن والقطع المذكوران كما جاز القبض (فاعِلُ) الناتج من حذف الساكن الخامس من فاعِلُنْ لكنه غير مستَحسَن، إنّما اٌستُحسِن في الخَبَب

وقد اتفق أغلب العروضيّين على أنّ الأخفش الأوسط (سعيد بن مسعدة، ت 835 م) هو الذي زاد بحر المتدارك على البحور الخمسة عشر متداركًا به على الخليل (718 – 791 م) حتّى أثير جدل واسع النطاق في شأن المتدارَك، ابتداءً بتسمياته التي سأذكر منها ما هو جدير بالذِّكر؛ إذ سُمِّيَ أيضًا بالشقيق على أنه شقيق بحر المتقارب؛ أي أنك إذا حذفت “فا” من “فاعلن” أصبح الوزن على النحو التالي
عِلُنْ فاعِلُن فاعِلُن فاعِلُنْ * عِلُنْ فاعِلُن فاعِلُن فاعِلُنْ
وهو صورة من صور المتقارب أي
عِلُنْفا عِلُنفا عِلُنفا عِلُنْ * عِلُنْفا عِلُنفا عِلُنفا عِلُنْ
ما يساوي التالي تمامًا وهو وزن المتقارب
فعُولُنْ فعُولُنْ فعُولُنْ فعِلْ * فعُولُنْ فعُولُنْ فعُولُنْ فعِلْ
لأنّ عِلُنْفا= فَعُوْلُنْ. عِلُنْ= فَعِلْ

كما سُمِّيَ بالمُحْدَث وبالمُختَرَع لأنّه استُحدِثَ بعد الخليل وسُمِّيَ بالمُتّسِق لأنّ جميع أجزائه على خمسة أحرف (وهذا السبب ليس بمُقنع لأنّ أجزاء المتقارب على خمسة أحرف أيضًا) وبالخَبَب (وهو ضَرْبٌ من العَدْوِ أي الجري) لأنّ تفعيلته فاعِلُنْ إذا خُبنتْ “فَعِلُنْ” بخفض العين أسرَعَ بها اللسان وأشْبَهَ خَبَبَ الخيل ورَكْضَها (تَرَرَتْ= فَعِلُنْ) كقولك: قمَري، عَجَبًا، ذهَبُوا... وإذا قُطِعَتْ فاعِلُنْ لتصير فاعِلْ= فَعْلُنْ بإسكان العين صارت كدقَّتَي ناقوس (تُنْ تُنْ= فَعْلُنْ) أو كقولك قلبي، سلمى، نالوا... لكنّ المتدارك متى خُبِنتْ أجزاء منه وقُطِعَت الأخرى أو متى خُبِنتْ جميع الأجزاء، أو قُطِعَتْ، تغيّرَ إيقاعُهُ وتحوّلت موسيقاه إلى أخرى! فالصّواب تسميته عندئذٍ بالخبَب، لذا عزمت على فصل الخبب عن المتدارك في بحر مستقلّ. أمّا الحكم في النهاية فمتروك للجمهور من ذوي الحسّ المُرهَف وذواته. عِلمًا أني لم أخترع بحرَين جديدَين لا الخبب ولا المضطرب (عوض البسيط المُخَلَّع) إنّما قمت بتوسيع دائرة بحور الشِّعْر؛ نظرًا لاختلاف نظام التفاعيل بين البسيط ومُخَلَّعِه وبين المتدارك وخبَبه وتاليًا لاختلاف الإيقاع جذريًّا بين الأصل والفرع. ذلك من جهة، أمّا في الجهة المقابلة فلتسهيل البحور ما أمكن على أصحاب الموهبة الشعريّة وصاحباتها. لذا أصبح عدد بحور الشعر ثمانية عشر ابتداءً بتاريخ نشر هذه المقالة على صفحات هذا الموقع الأغرّ

أخيرًا؛ زعم بعض العروضيّين أن الخليل عرف هذا البحر (المتدارك) فنسبوا له أبياتًا من وزن الخبب، لكنّ الاحتجاج بتلك الأبيات واهٍ، إذ كان عليهِم أن ينسبوا له أبياتًا من المتدارك لكي يُصدِّقهُم الجمهور. أمّا هُمْ فقالوا: أعرض الخليل عن هذا البحر إذ وجده عند غير العرب (ولا سيّما الفرس) وتعليقي: وإن وجده في الصين فما المشكلة إذا ما تقبّله الذوق العربي؟ وقِيل أنّ الخليل لم يعثر على قصائد من هذا الوزن في شعر العرب (وهذه حجّة واهية لأنّ بحر المضارع عانى الأزمة عينها لكنّ الخليل اعتمده بحرًا مستقلًّـا) فقلت في النهاية: إنّ روّاد الشعر الحديث قد تذوّقوا المتدارك وأجادوا فيه وأكثروا من النظم عليه، سواء أكان الخليل عارفًا بتفعيلته أم لم يفطن إليها، حتى انضمّ إلى البحور الأسهل استعمالًـا لديهم والأكثر شيوعًا، شأنه شأن شقيقه المتقارب وشأن كلّ من الوافر والكامل والرَّجَز والرَّمَل والسَّريع والخبب. وإليك بالمناسبة مثالًـا من وزن الخبب؛ قصيدة أبي الحسن الحصري القيرواني (تونس 1029 - 1095 م) التي عارضها الشاعر أحمد شوقي وغيره وتغنّت بها السيّدة فيروز (والأغنية متوفرة على يوتيوب) لأخذ فكرة عنه ولمقارنة موسيقاه مع موسيقى أمثلة المتدارك التالية
يا لَيْلُ الصَّبُّ متى غَدُهُ * أَقِيامُ الساعةِ موعِدُهُ
رَقـدَ السُّـمَّارُ فأرَّقهُ * أَسَـفٌ للبَيْنِ يُرَدِّدُهُ

* * *

أمثلة على بحر المتدارك

لقد جرت العادة في ما مضى على أن آتي بمثال من شاعر معروف أو أزيد على كل تنويعة من تنويعات البحر، لكني وجدت العروضيّين في الغالب لا الشعراء مَن قاموا بتأليف أمثلة على أشكال بحر المتدارك، ما دعاني إلى الاستغناء عنها والتوجّه مباشرة إلى الشعر الحديث، عِلمًا أني أستطيع بسهولة ضرب مثال على كلّ تنويعة، لكني لستُ مضطرًّا لفعل ما فعلت في حلقات المضارع والمقتضب وغيره. فمثالًـا لا حصرًا

قِيلَ عن ريفنا صَيْفُهُ ماحِلُ * والطريقُ إلى رَيِّهِ مائلُ
قلتُ أنّ الشِّتاءَ على بابِهِ * فاعِلُنْ فاعِلُنْ فاعِلُنْ فاعِلُ

قِيلَعَنْ- ريفنا- صَيْفُهُو- ماحِلُوْ * وَطْطَري- قُئِلـا- رَيْيِهِيْ- مائِلُوْ
فاعِلُنْ- فاعِلُنْ- فاعِلُنْ- فاعِلُنْ * فاعِلُنْ- فَعِلُنْ- فاعِلُنْ- فاعِلُنْ

قُلتُأنْ- نَشْشِتا- أَعَلـا- بابِهِيْ
فاعِلُنْ- فاعِلُنْ- فَعِلُنْ- فاعِلُنْ

فمن أراد، بعد دراسة الأمثلة التالية، كتابة قصيدة الشطرين (كالمثال السابق) فهو حُرّ. لكني أدعو جميع هواة كتابة الشعر والمُغرَمات به وأصحاب الموهبة الشعرية وصاحباتها إلى دراسة كتاب الشاعرة نازك الملائكة «قضايا الشعر المعاصر» إذ أمكن تنزيله من إحدى صفحات الإنترنت، قبل المجازفة بإرسال أيّة قصيدة إلى النشر؛ لأن في كتابها طرائق مفيدة لتفهّم وزن الشَّطر وكتابة الشعر الحديث. هنا مقاطع مختارة للتعليم من قصيدة للشاعرة، كتبتها متحرِّرة من قيود الشطرين ووحدة القافية لكنّها بقيت حتى نهاية القصيدة ملتزمة بالوزن، لم تخلّ بوزن تفعيلة واحدة منه وإن تنوّعت فيها التفاعيل والقوافي، ما يلزم متابعة التقطيع الشعري المُرافق بعناية وتركيز

* * *

سخرية الرماد- نازك الملائكة

لو رَجَعْنا غدًا ورآنا القمَرْ
بعد غيبتنا الكبرى

لوْرَجَعْ- ناغدَنْ- وَرَءَا- نَلْقمَرْ
فاعِلُنْ- فاعِلُنْ- فَعِلُنْ- فاعِلُنْ

بَعْدَغَيْ- بَتِنَلْ- كُبْراْ
فاعِلُنْ- فَعِلُنْ- فَعْلُنْ

ورآى كيف نمنحُ ما قد غبَرْ
ومضى فرصة أخرى

وَرَءَا- كَيْفنَمْ- نَحُما- قدْغبَرْ
فَعِلُنْ- فاعِلُنْ- فَعِلُنْ- فاعِلُنْ

وَمَضَاْ- فُرْصَتَنْ- ءُخْرَاْ
فعِلُنْ- فاعِلُنْ- فَعْلُنْ
- - -

لو رآنا الطريق نشقّ السكونْ
بتعابيرنا الجامدهْ

لَوْرَءَا- نطْطَريْ- قُنَشُقْ- قُسْسُكُوْنْ
فَاعِلُنْ- فاعِلُنْ- فَعِلُنْ- فاْعِلَـاْنْ

بتَعَاْ- بيْرِنَلْ- جَامِدَهْ
فَعِلُنْ- فَاعِلُنْ- فاعِلُنْ

ويُخادِعُنا ما طَوَتْهُ المَنونْ
مِن رغائبنا الخامدهْ
- - -

ونُزيلُ رمادَ شهورٍ طوالْ
عن هَوًى لفَّهُ المُستحيلْ

وَنُزيْ- لُرَمَا- دَشُهُوْ- رِنْطوَاْلْ
فَعِلُنْ- فَعِلُنْ- فَعِلُنْ- فاعِلَـاْنْ

عَنْهَوَنْ- لفّْفَهُلْ- مُسْتَحِيْلْ
فاعِلُنْ- فاعِلُنْ- فاعِلَـاْنْ

فوق أشلائهِ ذكرياتٌ ثقالْ
من دموعي وحزني الطويلْ
- - -

وسيسخرُ مِن شَبَحَيْنا القمَرْ
وهْوَ يَرقبُ كيف نسِيرْ

وَسَيَسْ- خَرُمِنْ- شَبَحَيْ- نَلْقمَرْ
فَعِلُنْ- فَعِلُنْ- فَعِلُنْ- فاعِلُنْ

وَهْوَيَرْ- قَـبُكَيْ- فَنَسِيْرْ
فاعِلُنْ- فَعِلُنْ- فَعِلَـاْنْ

كيف ننشرُ ما قد طواهُ القدَرْ
واٌحتواهُ سكونُ المصيرْ
- - -

وهناك نرى جثث الأشواقْ
في خمود طويل عميقْ

وَهُنا- كنرَا- جُثَثَلْ- أشواقْ
فَعِلُنْ- فَعِلُنْ- فَعِلُنْ- فَعْلَـاْنْ

فيْخُمُو- دِنْطوي- لِنْعَمِيْقْ
فاعِلُنْ- فاعِلُنْ- فاعِلَـانْ

ويخادعنا لونها البَرّاقْ
فتؤمّل أن تستفيقْ
* * *

هنا مثالًـا على مجزوء المتدارك في مقاطع من قصيدة للشاعرة نفسها

تواريخ قديمة وجديدة- نازك الملائكة

لنَسِرْ كان أمسِ وماتْ * منذ بضع مئات السنينْ
مَسَحَتْ ذِكرَهُ السنواتْ * وطَوَتْهُ مع المَيِّتينْ

لنَسِرْ- كَاْنَأمْ- سِوَمَاتْ * مُنذُبِضْ- عِمِئا- تِسْـسِـنِـيْنْ
فَعِلُنْ- فاعِلُنْ- فَعِلَـاْنْ * فاعِلُنْ- فَعِلُنْ- فَاْعِـلَـاْنْ
- - -
وبَحَثْنا زمانًا طويلْ * عن كواكبهِ الآفلاتْ
واٌستعَرْنا يدَ المستحيلْ * لنُعيد إليهِ الحياةْ
- - -
ورأينا هناك جباهْ * لا ترى فهْيَ عمياءُ
وعُيونًا طوتها الحياهْ * صمتتْ فهي خرساءُ
- - -
ويتيهُ صدى الأمسِ * في مدار الزمان العميقْ
ونحسّ على الكأسِ * فورة الحُلُم المُستفيقْ
* * *

وهنا مثالًـا على مشطور المتدارك في مقاطع من قصيدة للشاعرة نفسها

أنشودة الرياح- نازك الملائكة

لك قلبٌ غفا * عن معاني الذرى

لكَقَلْ- بُنْغَفَاْ * عَنْمَعَاْ- نِذْذُرَا
فَعِلُنْ- فاعِلُنْ * فَاعِلُنْ- فاعِلُنْ

لك روحٌ ثوى * في ضباب الكرى
لا يُحسّ الندى * في جفاف الثرى
فاٌهبطي واٌبحثي * عند أهل القرى
- - -
حُلُمٌ واٌنطوى * في الفضاء المديد
كلّما أخفقت * في رجاء فريد
شيَّدتْ في الذرى * حُلْمَها من جديد
لا تبالي اللظى * لا تبالي الجليد
* * *

عباس محمود العقاد
أسوان، مصر 1889- 1964 م

يا لهُ مِن فمٍ * يا لها مِن شفهْ

يا لشَهْدٍ بها * كُدْتُ أنْ أرشفهْ

يا لزهْر بها * كدت أن أقطفهْ

حُلوة ويحها * غضّة مُرهَفهْ

حَسْرَتي بعدها * حسرة مُتلفهْ
* * *

كان جميع ما تقدّم قصائد من نوع الشّطرين، أمّا التالي فلا يختلف كثيرًا، لكنّه من الطراز الذي كان يُسمّى بالشعر الحُرّ وهو في نظر نازك الملائكة أصعب نظمًا

إلى الشعر- نازك الملائكة

مِن بَخور المعابدِ في بابلَ الغابرهْ

مِن ضجيج النواعيرِ في فَلَواتِ الجَنوبْ

مِن هتافاتِ قُمْريّةٍ ساهرهْ

وصدى الحاصدات يغنّين لحْنَ الغروبْ

ذلكَ الصوتُ، صوتُكَ سوف يؤوبْ

لحياتي، لسَمْعِ السِّنينْ

مُثخَنًا بعَبيرِ مساءٍ حَزينْ

أثقلتهُ السَّنابِلُ بالأرَجِ النَّشْوانْ

بصدًى شاعريٍّ غريبْ

من هُتافاتِ ضفدعةٍ في الدجى النَّعْسانْ

يملأُ الليلَ والغدْرانْ

صوتُها المتراخي الرتيبْ
* * *

المزمور الحادي والخمسون بعد المئة- محمود درويش

أورشليم! ابتعدت عن شفاهي

المسافات أقرَبْ

بيننا شارعانِ، وظَهْرُ إلهْ

وأنا فيك كوكبْ

كائن فيك، طوبى لجسمي المُعذَّبْ

يسقط البعد في ليل بابلْ

واٌنتمائي إلى خُضرة الموت_ حق

وبُكاء الشبابيك_ حق

صوتُ حرّيتي قادمٌ من صليل السلاسلْ

وصليبي يُقاتلْ

أورشليم! التي عصرَتْ كلّ أسمائها

في دمي

خدعتني اللغات التي خدعتني

لن أسَمِّيكِ

إني أذوب، وإنّ المسافات أقرَبْ

وإمام المُغَـنِّين صَكّ سِلاحًا ليقتلني

في زمان الحنين المُعَلَّبْ

والمزامير صارت حجارهْ

رجموني بها

وأعادوا اٌغتيالي

قُرب بيّارة البرتقالْ

أورشليم! التي أخذت شكل زيتونة

دامية

صار جلْدي حذاءْ

للأساطير والأنبياءْ

بابلي أنتِ، طُوبى لمن جاور الليلة الآتيهْ

وأنا فيك أقرَبْ

مِن بكاء الشبابيكِ. طوبى

لإمام المغنِّين في الليلة الماضيهْ

وإمام المغنّين كان، وجسمِيَ كائنْ

وأنا فيك كوكبْ

يسقط البُعد في ليل بابلْ

وصليبي يُقاتلْ

هلِّلويا

هلّلويا

هلّلويا
* * *

أخيرًا؛ أدعو الأحبّاء الكرام إلى قراءة خاطرة الأديب محمد الماغوط التي أشرتُ إليها أعلى، للتمييز بين الشعر الموزون وبينها. وقد وردت تسميتها (خاطرة) في هامش ص 133 من كتاب نازك الملائكة المذكور. عِلمًا أنّي تشرّفت خلال التسعينيّات بزيارة باب توما وهو أحد أبواب مدينة دمشق القديمة (سُمِّيَ بهذا الاسم نسبة للقديس توما أحد تلاميذ المسيح الإثني عشر حيث كانت دمشق مقصدًا للرسل والقديسين ومُنطلَـقًا على مَرّ التاريخ. بُنِي أوّلَ مرّة في عهد الرومان وأعِيد بناؤه... إلخ- ويكيپـيديا: باب توما) وهنا الخاطرة منقولة من الصفحة المذكورة- مع محبتي وأطيب التمنيّات

أغنية لباب توما- محمد الماغوط

ليتني وردة جورية في حديقة ما

يقطفني شاعر كئيب في أواخر النهار

أو حانة من الخشب الأحمر

يرتادها المطر والغرباء

ومن شبابيكي الملطَّخة بالخمر والذباب

تخرج الضوضاء الكسول

إلى زقاقنا الذي ينتج الكآبة والعيون الخضر

حيث الأقدام الهزيلة ترتفع دونما غاية في الظلام

أشتهي أن أكون صفصافة خضراء قرب الكنيسة

أو صليبًا من الذهب على صدر عذراء

تقلي السَّمَك لحبيبها العائد من المقهى

وفي عينيها الجميلتين ترفرف حمامتان من بنفسج
* * *

Christ Recrucified المسيح يُصلَب من جديد
The Greek Passion or Christ Recrucified (Ο Χριστός Ξανασταυρώνεται= Christ is Recrucified) is a 1948 novel by Nikos Kazantzakis. The story concerns the attempts of a Greek village community to stage a Passion play. It takes place in a Greek village (Lycovrisi) under the Ottoman Empire. The village holds Passion plays every seven years and the elders of the village decide on choosing among the villagers the characters for the play.

Adaptations
1. Bohuslav Martinů wrote an opera in four acts, also called The Greek Passion (Czech: Řecké pašije) based on the novel, with a libretto by the composer.
2. Jules Dassin's film He Who Must Die (1957) is based on the novel.
3. Derek Carver based his stage and BBC radio play (Not to Send Peace) on the novel

¤ ¤ ¤ ¤ ¤

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا