أن كلمة "محبه" هي أعظم وأسمى كلمه في الوجود، كيف لا والله بذاته هو المحبة (1 يو 4 : 8، 16)، ولهذا السبب فبها يتعلق الناموس كله والأنبياء (مت 22 : 40)، ويهتف بولس ويقول: "أما الآن فيثبت الايمان والرجاء والمحبة، هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبة" (1 كو 13 : 13).

يقول الكتاب أن الله هو فاحص القلوب والكلى (مز 7 : 9) ولذلك فهو يعلم كل العلم هل نحبه فعلا من كل القلب والنفس والفكر والقدرة وهل نحب أخانا وقريبنا كنفسنا (مت 22 : 37 – 39، مر 12 : 30 – 31)، هاتان الوصيتان اللاتي دعاهما الرب بالأعظم، وليس وصية أعظم منهما كما قال.

أن موضوع المحبة يتردد كثيرا على الألسنة، بالذات لأولئك الذين توّجوا يسوع ملكا وربا على عرش قلوبهم، ولربما لدرجة أن هذا الأمر أصبح من البديهيات في حياتنا كأولاد الله، وبالتالي قد نبدأ شيئا فشيئا بالانزلاق في فخ السهو وعدم الحذر معتبرين أن هذا الأمر موجود فينا دون الفحص الدائم لقلوبنا وتجديد الأذهان والعهود يوميا، ومن هنا فنحن معرضون كثيرا للسقوط في فخ المحبة الباردة أو المزيفة أو حتى عدم المحبة، وكل ذلك سيودي بنا ألى حفرة البغض والكراهية وحياة عدم الغفران، وكم أخطرها من حياة (رو 12 : 1 – 3).

لقد شدّد يوحنا في رسالته الأولى أن نحب بالعمل والحق وليس بالكلام واللسان (1 يو 3 : 18)، ولذلك فالسؤال الحاسم الذي ينبغي أن نواجه فيه أنفسنا يوميا: هل فعلا محبتي هي بالعمل والحق أم أنها لا تتعدّى المجال الكلامي ؟! لقد وقع قايين في القديم بفخ المحبة الكلامية دون المحبة العاملة لدرجة أنه قتل أخاه هابيل حسدا، بالرغم من كونه أخيه الذي عاش وتربى معه، وذلك لأن "محبة" قايين لأخيه لم تتعد كون هابيل أخا له، فأبغضه وحسده ثم قتله، وعندما لاقاه الله سائلا "أين هابيل أخوك" أجابه قايين "لا أعلم، أحارس أنا لأخي" (تك 4 : 1 – 9).

لقد قتل قايين أخاه بالرغم من تحذير الله له قائلا: "أن أحسنت أفلا رفع، وأن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة واليك اشتياقها وأنت تسود عليها" (تك 4 : 7)، ولكن للأسف أدار قايين ظهره لتحذير الله، فسمح بإبقاء خطية الحسد الرابضة في قلبه ضد أخيه، فقام عليه وقتله. ان قتل قايين لأخيه هابيل لم يحدث بيوم وليلة، انما ربضت خطية البغضة في قلبه لفترة من الزمن، وتفاقمت أكثر وأكثر إلى أن وصلت درجة القتل بالرغم من انذارات الله وحثه على التوبة، وجواب قايين لله بخصوص هابيل أخيه "لا أعلم" يدينه، فكون هابيل أخاه الأصغر يحتّم عليه أن يعرف أين هو موجود، والقسم الآخر من الإجابة يدينه أكثر: "أحارس أنا لأخي"، فقايين لم يهتم بأخيه ولوجوده ولحمايته، على الرغم من كون قايين الأخ البكر وبالتالي فهو مسؤول عن أخيه الأصغر هابيل. ان قايين لم يهتم لأخيه، تجاهله، تحاشاه، همّشه، لم يهتم أن يعرف أو يسأل عنه أو يتحدّث اليه، والأصعب من ذلك أبغضه ثم اقترف أول وربما أبشع جريمة قتل على وجه البسيطة: قتل أخاه البار الذي لم يخطئ اليه "بدم بارد" مع سبق الاصرار بالرغم من تنبيهات القاضي الأعظم، وقد حكم الكتاب على قايين وعرّفه بالشرير السائر في الظلمة بينما هابيل بالبار السائر في النور (1 يو 2 : 10 – 11، 3 : 12).

كم تذكّرنا الحادثة المذكورة بالآية الواردة في رسالة يوحنا الأولى: "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس، وأنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة أبدية ثابتة فيه" (1 يو 3 : 15)، فالبغض والكراهية والحسد هم البوادر الأولى للقتل ومن مكوّناته، واذا تفاعل كل هؤلاء مع قلب غير تائب سوف تحدث ولادة بشعة: مرار ضد أخي، ظلم، تهميش، انكار، تجاهل وكأنه غير موجود، مؤامرة شريرة وغيرها، كل ذلك في نطاق اطار "القتل" لأخي. نعم، قد لا نصل الى درجة القتل الفعلي كما فعل قايين، ولكن بمجرد أن نسمح للبغضة أن تمتلك قلوبنا ضد أخينا فكلمة الله تديننا بأننا بذلك نسير بالظلمة وتحكم علينا بالقتل.
ان الكتاب يعلمنا أنه لا يمكن أن نقول أننا نحب الله الذي لا نراه وبنفس الوقت نبغض أخانا الذي نراه "ولنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضا" (1 يو 4 : 20 – 21). ان المحبة العاملة تحتّم أن لا أغلق أحشائي حيال أخي بل أدعمه وأساعده بكل طريقة ممكنة بحسب الطاقة وربما أحيانا فوق الطاقة، "فمن يعرف أن يعمل حسنا ولا يعمل فذلك خطية له" (1 يو 3 : 17، 2 كو 3 : 8، يع 4 : 17).

لقد سبق الرب يسوع وأنذرنا بمرض برود محبة الكثيرين في الأيام الأخيرة بسبب كثرة الإثم، وأعطى لنا الدواء لهذا الداء: الصبر (مت 24 : 12 – 13، لو 21 : 19) والذي هو أحد مكوّنات المحبة العاملة والمضطرمة بزيت الروح القدس (1 تس 5 : 19)، والقلب الطاهر هو الأرض الذي تنبع منه محبة الله والخالي من كل محبة غريبة ورياء (1 تي 1 : 5، 1 بط 1 : 22).

ليتنا في هذي الأيام نعود لمحبتنا الأولى (رؤ 2 : 4)، نحب الله من كل القلب كي نستطيع أن نحب أخانا بالعمل والحق وبشدة، وبالتالي نهتم فيه ونحرسه فنستر بذلك كثرة من الخطايا ونكون أبناء النور بالحقيقة (1 بط 4 : 8، 1 يو 2 : 10).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا