هو في الواقع فصل من فصول مختلفة، ليست كالفصول الأربعة التي درستها في علم الجغرافيا ولا الفصول الثمانية التي ألفتها فترة ما شماليّ النرويج، بالقرب من الله. إذ عرفت الله أكثر هناك فوق الدائرة القطبية بمئات الأميال. ولا سيّما بعد رؤيتي الشمس تدور حول رأسي مشرقة بكامل قرصها بعد انتصاف الليل، كنت أنتظر نزولها تحت الأفق، ذهب انتظاري مع الريح أمّا الشمس فبقيت فوقه. كنت أقضي الوقت في صيد السمك على شاطئ الخليج القريب من محل إقامتي المؤقت، الشاطئ الذي ترسو فيه الباخرة هُرْتِيرُوتا المتدحرجة فوق أمواج البحر المحيط أربعة عشر يومًا بين شماليّ مملكة النرويج وجنوبيّها. وتحديدًا بين المدينتين شِرْكِنِس في الشمال وبَيْرْگِـن في الغرب. لقد بدأ الفصل بعدما تركت بلدي العراق، إذ ضيّق تخلّفه الحضاري عليّ الخناق، راميًا على ترابه العزيز سبع حصًى كي لا أحنّ ثانية إليه فأعود كأني مكسور الجناحين. وقررت، مجازفة مني، قطع تذكرة ذهاب فقط كلما ابتعدت متغرّبًا أكثر فأكثر وقدر المستطاع. لأن قطع التذكرة السياحية قد اقتضى، بحسب التعليمات وقتذاك، وجود حجز مرجّع. نجحت المحاولة في مطار عمّان متوجّهًا إلى بيروت عام 1993 كما نجحت في مطار أثينا متوجّهًا إلى بروكسل عام 1996 كنت أحب الطيران وكنت أصلّي داخل الطائرة بحرارة، خلال الإقلاع والهبوط، بدون محاولة لفت انتباه شخص جالس إلى جانبي- إن وُجد

لن يختلف المتنوّر والمتنوّرة معي على أن السفر من أنواع الثـقافة ولا بدّ من شيء ما يلفت المسافر والمسافرة سواء في داخل البلد وخارجه وفي مداخله ومخارجه؛ كالمطارات وأماكن انطلاق القطار وتوقفه (المسمّاة محطّات) ونقاط العبور والموانئ النهرية والبحرية. وقد لفتني في مطار أمستردام ذات مرّة جلوس فتاة شقراء أمام مقود الطائرة التي أقلّتني إلى أحد مطارات النرويج الذي كان محاطًا بالثلج من جميع الجهات شتاء العام 2005 وعند أعلى سُلّم الطائرة سألت المضيّفة عمّا تفعل تلك الحسناء في مركز القيادة. قالت: إنها الكابتن. قلت: منذ متى قادت المرأة الهولندية طائرة؟ قالت: أظن ذلك منذ العام 1996 لكن (مع ابتسامة) يمكنك التأكد من وسائل الإعلام عن المرّة الأولى. قلت في نفسي: يا إلهي هذه المرأة ستقلّ أزيد من مئة رجل على متن الطائرة بالإضافة إلى النساء والأطفال. هذه المرّة صلّيت خصوصًا من أجلها، حتى وصلنا بأمان وشكرت الله كثيرًا على سلامة الوصول. ثم علمت أن سيدة أميركية (بڤرلي برنز من مواليد 1949) هي الأولى بين النساء التي قادت طائرة في تموز- يوليو 1984 بل قادت طائرات ولا سيّما بوينگ 777 التي كانت في وقتها الأحدث طرازًا والأدق تقنية، حتى حصلت السيدة برنز على جوائز تقديرية عدة وميداليات. ليس هذا فحسب؛ بل تجرّأت المرأة على الملاحة في البحار والخلجان وعلى الطيران في الفضاء الخارجي، من يستطيع نسيان كارثة المركبة الأميركية تشالنجر التي سقطت سنة 2007 وفي ضمن طاقـمها سيّدتان اثنتان جريئتان؟

والآن؛ أريد أن أسأل العقلية المنصفة سؤالاً مشروعًا: هل تظن يا أخي أن إقامة القدّاس الإلهي ورفع الصلوات وممارسة سائر الشعائر الدينية صعبة على أمثال أولئك النساء؟ لقد التقيت عام 2008 مع قسّيسة؛ سيّدة نرويجية محترمة وجميلة، حسنة الجوهر والمظهر، مثقـفة وطليقة اللسان، أنهت دراستها في كليّة الفلسفة واللاهوت وتدربت في حقل الكهنوت، شأنها شأن قائدة الطائرة والمعلّمة والطبيبة والقاضية... إلخ حتى نالت الشهادة فعُيِّنت قسّيسة وراعية لإحدى الكنائس النرويجية. قصدتها بخدمة كنسيّة فأبدت استعدادًا جديرًا بالذكر والتقدير وهي تعلم أني من بلد غير بلدها ومن طائفة غير طائفتها ومن معدن غير معدنها. وقد اعتبرتها صاحبة فضل عليّ بمجرّد قبولها إسداء تلك الخدمة، لذا تشرفت بمعرفتها وبلقائها وهي ليست القسّيسة الأولى ولا الوحيدة بين النساء. فمن أعطاك الحق أيها الرجل الكاهن (أو الأسقف) لتمنع المرأة من ممارسة الكهنوت أو تعترض على رسامتها وأنت تعلم أنّ شأنها شأنك؟ إني أحترم الحجج التي تفضّلت بها وربّما استطعت أن تقنع كثيرين وكثيرات، لكني لا أضمن لك التمكن من إقناعي بتلك الحجج ولا إقناع القسّيسة المذكورة بوجهات نظرك أنّى صقلتها وأوّلتها وحوّلتها. والسبب بسيط؛ آتيك بحجتي من الكتاب المقدّس الذي نستند عليه معًا ونستوحي منه: {نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثىً خلقهم. تكوين 26:1-27 وقال الرب الإله: ليس جيّدًا أن يكون آدمُ وحده فأصنع لهُ مُعِينًا نظيرَه. تكوين 18:2} والإنسان هنا بصيغة الجمع ويشمل الجنسين الذكر والأنثى. والنظير: المُساوي تمامًا

فمع احترامي للرأي القائل بأن الله تجسّد بهيئة رجل وبأنّ المسيح كاهن على رتبة ملكيصادق وأن المرأة لم تحصل على رتبة الكهنوت في العهدين وأن سيدتنا مريم العذراء كانت أولى بالرتبة الكهنوتية من غيرها لكنها لم تكن كاهنة... إلخ. دعني ألفت نظرك إلى التالي: لو قبلت العذراء برتبة الكهنوت لكانت خير كاهنة. لكن ابنة الهيكل المباركة، في ذلك الوقت، لم ترد لفت الإنتباه إلى أيّ مجد لها على حساب مجد ابنها. لا أظنّ تفوتك استعانة لوقا الإنجيليّ بمعلوماتها؛ عن بشرى الملاك لها والحبل العجيب والزيارة إلى أليشبع أمّ المعمدان وبما قلّ ودلّ من سيرة العائلة المقدسة. وقد رافقت الرب يسوع في مناسبات، منها طفولته وعرس قانا الجليل وأحداث الصلب، كما اشتركت (ومعها نساء أخريات) بالخدمة والصلاة بنفس واحدة مع التلاميذ والرسل بعد القيامة وكانت معهم عند حلول الروح القدس في يوم الخمسين (قارن بين أعمال الرسل 14:1 و 1:2) لذا لم يكن من أحد أشطر منها في الخدمة والكرازة لو أرادت. وعلى كلامها للوقا البشير لم تزد حرفًا يذهب به المرء في التفكير بعيدًا عن تمجيد اسم ابنها. لكنّ منزلتها السامية بقيت ثابتة ومحفوظة وراسخة منذ أيّام التلاميذ والرسل الأوّلين

واليوم؛ كنت وزوجتي في رحلة ومدعوَّين إلى حضور حفل معمودية طفلين في كاتدرائية نرويجية أحدهما نرويجي والآخر يبدو أفريقيًّا قد تبنّته عائلة نرويجية كريمة. قامت القسّيسة المذكورة نفسها (ما اعتبرته من محاسن الصدف) بإجراء مراسيم العماد بنجاح وسرور، بعدما اجتمعت مسبّقًا بنا (أي طاقم الخدمة) للإرشاد والتوجيه والإجابة على أسئلة الخدم. كان القسّيس المساعد (صاحب الدعوة ورئيس الكنيسة العالمية في المقاطعة) قد طلب إليّ قراءة بضع آيات في سفر إشعياء (بثلاث لغات منها العربية) كما طلب إلى زوجتي أن تقرأ صلاة من أجل عودة السلام والأمان إلى سورية، قرأتها بالعربيّة فقط. علمًا أني أخبرت زوجتي عن الخدمة التي كانت القسّيسة تنوي تقديمها لي قبل حوالي أربعة أعوام. وعلمًا أني حضرت عددًا من الذبائح الإلهية (أو القداديس) في أوروپا وكان المحتفِل ببعضها امرأة قسّيسة. قلت لزوجتي بعد عودتنا من الكنيسة: لن أترك هذا اليوم يمرّ عليّ قبل إنجاز هذه المقالة

أخيرًا أدعو جميع المعترضين على رسامة المرأة قسّيسة (أو كاهنة) إلى التأمّل طويلاً في آيات الكتاب المقدّس وبعمق وإلى تحليل غاية الكتاب من ذِكر عدد من النبيّات فيه، إذ لم يقتصر الوحي الإلهي على أنبياء ورسل من الذكور فقط. أقول أيضًا: شكرًا لكم أيها الكهنة والأساقفة الكرام والمحترمون على جميع خدماتكم القديمة منها والجديدة. لكن من يتفضّل منكم بالرد على السؤال التالي: ماذا حصدت شعوبكم في النهاية؟ المزيد من الخلاف والإنقسام والتشرذم والتحزب والطائفيّة عبر التاريخين القديم والحديث، مجبولة بدماء غالية وعزيزة مأسوف على بذلها وهدرها. لقد صلبتم المسيح مرتين ومات عندكم مرتين وقام مرتين فصمتم مرتين وعيّدتم مرتين. لذا جرِّبوا رجاءً أن تسلِّموا مسؤوليّاتكم للنساء المحترمات وهنّ كثيرات، قد يكنّ أكثر حكمة منكم وأكثر عدلاً ورحمة وأكثر محبّة وتحننًا وأدقّ عملًـا وأرقى خدمة. إني بصراحة أفضّل الـ ماما مع احترامي العميق لقداسة الپاپا. ورجائي يشمل أيضًا رؤساء الدول والأقاليم والحكومات والمحافظات وأصحاب الوظائف الرسمية والخدمات المدنية

* * * * *

* Captain Beverly Lynn Burns المزيد عن القبطان السيّدة بڤرلي لين برنز في ويكيپـيديا

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا