كنت في حديث شيق مع صديقة فسألتني عن حالي وسالتها عن حالها، فنحن نلتقي من حين الى آخر نتجاذب أطراف الحديث ونسمع ما يدور في حياتنا، فأنا اعرفها منذ أكثر من 20 عامًا ودائمًا حديثنا ممتع ويحفّز عقلي ليفكر في امور عدّة! وفي المرة الأخيرة سألتني عن أحوالي، فأجبت ما خطر ببالي في تلك اللحظة الصادقة وقلت: تعلمت أن لا أنظر للأمور بشكل بديهي فليس كل ما يظهر للعيان هو ما يحدث حقًا. وليس كل ما اسمعه هو ما يقصده صاحبه! ولكنني تعلمت كيف أتعامل معهم.

لم أقصد في قولي هذا أي كلام لأطعن في أحد، بل مع مرور الوقت ولقائي بالكثير من الناس، رأيت أن الناس تختلف وتوجهاتهم للحياة احيانًا كثيرة بعيدة عن ما كنت أنا سأقوم به في مواقف معينة. والسبب هو أننا مختلفون! كل واحد منّا تربى بطريقة معينة، مرّ بظروف تختلف عن الآخر.. ولكل منّا حكاية أخرى.

لا أستطيع أن أنكر أنني في كثير من الأحيان أردت بل أنني قررت أن أصرخ وأعترض على توجه أو قرار لم يعجبني أو حتى أنني أراه مجحفًا في حقي أو حق الآخرين... فكثير من القرارات لم أكن لأقررها بل أنها بعيدة كل البعد عن منطقي وما تربيت عليه. وكل يوم وخلال السنوات الماضية الأخيرة وفي عدة مجتمعات وأماكن عمل، ألتقي بأشخاص يختلفون عني كل الاختلاف بقراراتهم وطريقة حياتهم. وجزء من هؤلاء هم أشخاص قد يقررون بأمور تؤثر بطريقة معينة عليّ شخصيًا رغم أنني لا أرضى بها.

ولكنني مع الوقت نظرت للأمور بشكل آخر وقررت أنه قد أتت الفرصة لأطبّق منطقي وما تعلمت..وقلت لنفسي: "إفعلي يا سمر كل شيء من القلب كما للرب وليس للناس. فإن كانت تلك القرارت لا تجعل من حياتك أسهل أو حتى أفضل ولكنها لا تتعارض مع كلمة الرب، عليّك إطاعتها ليس للناس بل كما للرب." فإن كنتُ سأقوم بما أقوم من أجل الآخرين لكنتُ اليوم في مكان آخر ومثل حالي كثيرون.

فكم منّا يضطر لتنفيذ أوامر أو أمور لم يكن يرغب بالقيام بها، فقد تكون زوجة أو أم مضطرة لتدريس أولادها أو تنظيف بيتها رغم أن هذه ليست ما كانت ترغب بالقيام به. أو شاب/شابة عليه/ها الدراسة أو مساعدة العائلة، ليس عن رغبة بل أضطرار. وقد أعجبني شاب، شارك جدّه الى قريته ليساعده في موسم الحصاد، فسألته مستغربة هل تتمتع بفعل ذلك؟ فأجابني إجابة جعلتني أفخر به: ليس من الضروري أن أرغب بذلك، بل أظن أنني استطيع أن أعطي جدّي يوم كامل لأجعله سعيد برفقتي. ففرحت لأسمع هذه الكلمات لأرى أن ما زرع في قلبه من صغره من تربية مسيحية جعلت قرارًا كهذا سهل التنفيذ لأنه يفعله للرب وليس للناس، لا ليرضي نفسه بل قام بما قام من منطلق الإكرام.

تخيّل أن كل من لا يرضى بأمر ترك موقعه، لأصبحت حياتنا ضوضاء بلا نظام، وتحركاتنا تصبح بلا كوابح، ولكن إن كبرت محبتنا للرب، وكل مرّة واجهنا الألم بالحب، إزداد الحب في قلوبنا، ومع الوقت يتحول ألمنا الى محبة متفانية ترضى بما تقوم من أجل الرب. فإن وضعنا مخافةالرب أمام نصب أعيننا، يسهل علينا طاعة والدينا، طاعة رؤسائنا في العمل، معلمينا ومن هم في موقع يعطيهم المسؤولية تجاهنا. من الواضح، أن هذا لا يعني أنه علينا أن نرضى بما لا يرضي الرب، أو أن نكون في غير دائرة مشيئته ظانين أنه علينا أن نرضي الرب في البقاء في موقعنا رغم جلاء مشيئته لنا بهذا الخصوص. لكن حين نتيقن من مشيئته لحياتنا، لا يسعنا إلا أن نحافظ على شهادتنا المسيحية الحية مهما آلت عليه الظروف.

من الممكن للإنسان أن يطيع بخوف ولكن بإرادة غير صالحة فيغش سيّده خِفيةً ويتصرف من غير بساطة قلب والتي يوصي بها الكتاب المقدس، فقد يدّعي أنه يطيع، وفعلاً ينفذ ما يطلب منه، ولكن في داخله غضب قد يتحول إلى نميمة أو خداع. ولكن لنتذكر أنه ليس الظاهر ما يحسب بل أن الله ينظر الى القلب ويرى خفايا ونيّة القلوب، وأنا أؤمن شخصيًا أن كل غش غالبًا ما سيكشف عاجلاً أم آجلاً، وحتمًا أمام الله الذي يعرف بما نفتكر ولا يُخفى أمر عليه.

لربما نظن أننا لا نستطيع أن نقوم بأمور كبيرة للرب لكننا على الأقل نستطيع أن نفعل أمور يومية صغيرة بمحبة الرب الكبيرة، فتفوح منا رائحة عبيره و ويرى الناس فينا يسوع، فحتى لو كانت الناس من حولنا تختلف، وتقرر ما لا نحبّذ، لا يسعنا إلا أن نكون:"خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس. عالمين أنه مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبدا كان أم حرًا. افسس 6: 7-8

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا