نقرأ في كتاب التكوين عن حياة يوسف، هذا الشاب الذي منذ حداثته كرَّس حياته لله، وكانت له علاقة وشركة قوية معه.

يوسف الذي منذ حداثته، اختبر تجارب صعبة جدًا، من ترك الاخوة وعدم فهمهم له، حتى الوالدين لم يفهموا في البداية احلامه "الغريبة" ظانين انه انسان متكبر ومتعجرف! لكن يوسف لم يكن هكذا، بل كان انسانًا وديعًا ومتواضعًا، له رُؤية واضحة في حياته الروحية مع الله، لانه هو من اعلنها له في الاحلام، مع ان اقرب المقربين له مثل الاهل والاخوة لم يصدقوه بل بالعكس! ليس اهل بيته فقط، بل ايضًا امرأة فوطيفار افترت عليه كذبًا، وقالت انه اراد ان يعتدي عليها، وهذا الامر ادى الى سجن يوسف، وحتى بعد ان ساعد هناك الساقي والخباز، فهما ايضا نسياه امام الملك!

تذكرنا حياة يوسف بشخص الرب يسوع المسيح له كل المجد، يوسف الشاب المحبوب من ابيه والمُدلل، الذي بيع من اخوته بعشرين من الفضة، وعاش حياة صعبة جدًا كلها تحديات وعثرات، لكن امانة يوسف وثقته الكاملة بالله، ادت في النهاية الى تعويض كبير وبركة فائقة.

كذلك ربنا يسوع المسيح، الابن الوحيد الذي كان في حضن الآب، ترك عرش السماء وتواضع الى اقصى حد، آخذ صورة انسان، ومُجرب في كل شيء من دون خطية، هو ايضًا بيع بثلاثين من الفضة من تلميذه الآكل معه خبزًا.

يسوع الذي لم تفهمه امه مريم دائمًا، بل كانت تُخبىء في قلبها كل ما قيل عنه، يسوع الذي لم يفهمه اخوته دائمًا، بل ظنوا انه يبالغ في تصرفاته وحياته، حتى انهم ارادوا مرة ان يصعد يسوع الى العيد في اورشليم، مع ان اليهود ارادوا قتله!

اصعب ما واجهه يسوع هو ان الآب القدوس قد تركه على عود الصليب، وحجب وجهه عنه في ساعات الظلمة، عندما حمل يسوع خطايانا في جسده على الصليب.

نحن اليوم نتعلم الكثير من حياة يوسف، الذي يذكرنا بحياة يسوع المسيح، يوسف هذا الذي معنى اسمه "يزيد" في العبرية، لم يطلب من الله ان يزيده غنى، كرامة او قوة، بل اجتهد دائمًا ان يكون امينًا مع الله، لذلك رفعه الله ليكون الثاني في مصر بعد فرعون، كما رفع الله الآب يسوع، واعطاه اسم فوق كل اسم، لكي تجثوا باسم يسوع كل ركبة، ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح ربًا لمجد الله الآب.

يوسف لم يطلب امور مادية بل روحية، ونحن في ايامنا هذه، ماذا نطلب من الله؟ الطعام والشراب والمال والعلم والعمل فقط، ام نطلب اولًا ملكوت الله وبره، وجميع هذه الاشياء تزاد لنا؟
لكن يوسف لم ينال البركات المادية والروحية بسهولة، بل بعد جهاد وصراع قوي جدًا، وهذا الامر نتعلمه من خلال مسيرة حياته، التي من الممكن ان نفهمها من خلال اسمي ابنيه منسّى وافريم، المعنى والبعد الروحي لكل اسم.

وُلِدَ منسّى ليوسف قبل افرايم، ومن هنا نفهم انه في الحياة الروحية مع الله، لا بُد ان نعبر تجارب وصعوبات كثيرة في حياتنا، لكن لكل تجربة يوجد منفذ، وفي النهاية هناك بركات روحية عظيمة في الملكوت، اعظمها اننا سوف نكون مع الله الى ابد الابدين.

كان سبط منسى صغيرًا ومتواضعًا، ومن خلال حياة جدعون ودعوة الله له، الذي كان من سبط منسى، ندرك مدى اهمية التواضع في حياتنا الروحية مع الله. ليس كسبط افرايم المتكبر، الذين غضبوا على جدعون لانه لم يدعوهم الى الحرب عندما انتصر على المديانيين، وهنا نرى كبرياء افرايم، كانه لا نصرة ولا نجاح الى بمعونتهم، وكانه لا شيء ينجح بدونهم!

عبَّر يوسف من خلال اسم ابنه منسى عن امور هامة جدًا، لانه نسي الالم والتعب في بيت ابيه. نحن ايضًا، علينا ان ننسى بعض الامور، لكي نختبر حياة البركة في حياتنا، اولًا منسى (المعنى ان ننسى)، بعدها لا بُد ان نختبر افرايم (حياة الثمر والبركة).

فماذا علينا نحن اليوم ان ننسى في حياتنا؟

- اولًا علينا ان ننسى خطايا الماضي، سقطاتنا، زلاتنا، تقصيراتنا وكل امر سلبي في حياتنا الماضية، لان الله احبنا وغفر لنا خطايانا في الصليب، بموت يسوع وقيامته من بين الاموات. هذه ليست دعوة ان نستهين بالخطية بل بالعكس، ان ندرك عمق محبة الله لنا، هذا الامر يدفعنا بشكل يومي ان نتكرس من كل القلب لمن احبنا اولًا، واسلم نفسه لاجلنا. لكن يجب علينا ان ننسى الماضي وخطايا الماضي، لان الله حنان ورحيم، طويل الروح وكثير الرحمة. احيانًا نحن نريد ان نعامل انفسنا بقسوة وعدم غفران للذات، مع ان الله صاحب الحق المطلق قد غفر لنا!!

- كذلك يجب علينا ان ننسى الاساءات والتعاملات السلبية من الاخرين لنا، ان ننسى الاضطهادات بسبب ايماننا، ان ننسى ونغفر من رد لنا الخير بالشر! لانه كما غفر لنا الآب، يجب علينا ان نغفر للآخرين، هؤلاء الذين تكلموا علينا بالسوء، او ربما ضربونا واضطهدونا، او حتى قتلوا اهلنا، اولادنا او احبائنا، نقول مع يسوع المسيح: "يا ابتاه، اغفر لهم، لانهم لا يدرون ماذا يفعلون"... لانهم اسرى الشر والشيطان، لكن نحن بنعمة المسيح اسرى محبة الله ورحمته الفائقة.

- اخيرًا، علينا ان ننسى انتصارات ونجاحات وخدمات الماضي، ليس بمعنى ان ننسى فضل ونعمة الله علينا بل بالعكس، نقول مع المرنم - باركي يا نفسي الرب، ولا تنسي جميع حسناته. لكن ننسى بمعنى ان لا نأخذ الفضل والمجد لنا، بل كما قال الرسول بولس، انسى ما هو وراء وامتد الى ما هو قدام، ذاك الذي نسي الالم، والاضطهاد من شعبه ومن هم من خارج وتألم كثيرًا لمجد المسيح، استطاع ان ينسى ويغفر وينظر الى الامام في مساره مع المسيح.

اخوتي، انه وقت ان ننسى خطايا الماضي، وان لا نعيش في تأنيب ضمير كل ايام حياتنا، انه وقت ان ننسى الاذى والم الماضي، كذلك نجاحاتنا وخدماتنا في حقل الرب، لكي نختبر البركات الروحية اولا، وبعدها المادية منها حسب مشيئة الله لنا، لانه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه.

اخيرًا اقول، انه حتى لو نسينا الجميع، ان كان الاحباء والاقرباء، او ربما الاهل، فان الله لا ينسانا ابدًا... لانه نقشنا على كفه، حتى الام من المكن ان تنسى رضيعها، لكن الرب الاله لا ينسى المحبوبة، الكنيسة، الى الابد...

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا