بقلم: بطرس منصور

يشتمل الكتاب المقدس على توجيهات عديدة للمؤمنين ويطالب بتميّزهم في نواحي الحياة المختلفة. إحدى الفقرات الأساسية في الانجيل التي احتوت مثل هذه التوجيهات هي الموعظة على الجبل وقد شبه احدهم العظة بأنها "المملكة المقلوبة" اذ ان الرب يوجه المؤمنين ليكون نمط حياتهم معاكساً لنمط الحياة في الحضارة حولهم. لا يعني هذا ان يكون الانجيليون "خا لف تُعرَف" اي مناقضين ومخالفين للمجتمع لمجرد المعارضة. لكن القصد هو مناقضة للعادات والتقاليد والتصرفات التي لا ترضي الرب في المجتمع حولنا، ولكن بالمقابل يمكن قبول وتعزيز الصفات والعادات الايجابية في المجتمع حولنا (مثل مساندة الجار أو القريب مادياُ او الدعم وقت الوفاة مثلاً).

ما هي مميزات المجتمع العربي في اسرائيل ككل (على شرائحة المختلفة من مسلمين ، مسيحيين ودروز، من متدينين وغير متدينين، من مدنيين وقرويين)؟ بالمقابل ما هي مميزات شريحة العرب المسيحيين الانجيليين في إسرائيل؟ هل لديهم مميّزات خاصة تعكس إيمانهم ورسالتهم العظيمة؟ هل يعيش الانجيليون فعلاً في المملكة المقلوبة ونشاهد قيّمهم المختلفة عن باقي المجتمع وتثبت انتماءهم لمملكة اخرى ليست من هذا العالم؟

الإجابة على هذه الأسئلة معقدّة وتتطلب بحثاً أطول عمّا يناسب هذا الموقع وربما يجدر بكليات لاهوت أو مجامع الكنائس المبادرة لبحثها. ولكن سأدلي فيما يلي بدلوي باقتضاب عسى يساهم ذلك في فتح نقاش في هذا المضمار. سأتطرق لثلاثة نواحي هي :المادية، التشرذم والعمل للمصلحة المشتركة.

1. المادية : يتميّز المجتمع العربي ككل في السنين الأخيرة بتزايد التيار المادي والاستهلاكي الذي دخل كل بيت كجواب للمتطلبات الفردية المتزايدة. أصبح البيت الواحد يحتوي اكثر من سيارة والاجهزة الكهربائية المختلفة ووسائل الاتصال من التلفونات الخلوية والأي باد والكندل والسفر لخارج البلاد أصبح من أساسيات الحياة.
لا ضير في مستوى معيشة مرتفع ولكن الإشكال هو أن ذلك مكلف في نواحي أخرى. اذ أن المادية تتطلب انشغالاَ في العمل ويرافقه التهاء عن الأولاد وإضعاف العلاقة الحميمة بين الناس وهي من ركائز خدمتنا ورسالتنا. ضرورة تلبية الطلبات المتزايدة بسبب تأثير الضغط الاجتماعي العام يؤدي لوقوع الانجيليين في نفس المطب.
منبع عدم اختلافنا عن حولنا في موضوع المادية أصله في التمسك بالأرضي بدل السماوي . حيث قلبك هناك يكون كنزك. أين قلبنا؟ بالفلوس أم في مخلص النفوس؟

2. التشرذم: يتميّز المجتمع العربي بالتشرذم والانقسام فالمجتمع اقل لحمة مما كان قبلاً. علاقة المسلمين بالمسيحيين اصابها وهن (واسباب ذلك عديدة- منها خارجية وداخلية) ، علاقات المسيحيين ببعض مصطنعة وفاترة أما علاقات العرب باليهود فوصلت درك مقلق. 
هل يتميّز الانجيليون بغير ذلك؟ لا أظنني أبالغ حين أقول أن علاقة الانجيليين      ببعض ومع فئات أخرى في مجتمعنا ليست في حالة أحسن. يتميز العمل الانجيلي بعمل يشابه عصر القضاة -حين عمل كل واحد "ما يحسن في عينيه". المرجعية ضعيفة وكل يقوّي مملكته الخاصة دون تعاون وتفاعل.
الحضورالهزيل للانجيليين لدعم رفقائهم المعمدانيين في المؤتمر الدولي للاحتفال بأمانة الرب مع المعمدانيين خلال المئة سنة في الناصرة دليل واحد على ذلك.
صلاة الرب في ليلته الاخيرة قبل الصلب عن تلاميذه  "ليكونوا واحداً" لا تلقى آذاناً صاغية عند تلاميذه.
التشرذم يقود للمجال الثالث كما يلي.

3.العمل على المصلحة المشتركة: تتميز الكثير من مجتمعات الغرب بالعمل للمصلحة المشتركة. فالتبرعات للنوادي أو للمدارس أو للكنائس سخية. أما مجتمعنا العربي في اسرائيل – فالتحسن الاقتصادي لم يرافقه عطاء وعمل جماعي لمصلحة الجميع.
هل يختلف الأمر في كنائسنا الانجيلية وهل فعلاً نتميّز في وسط المجتمع العربي بعطاء وتعاون ، تطوع وتقديم الآخر قبل النفس؟ لا اخالني أظلم أحداً حين اجيب على ذلك "ب-"لا" مدوية.
يتميز عملنا الانجيلي بشكل عام بأنه عمل فردي، فكل قائد أو خادم يود أولا وأخيراً المحافظة على كنيسته أوهيئته وتقدمها ونادراً ما يرتقي الانجيليون الى دعم بعض وخدمة متآلفة ومشتركة.
اخد الدلائل هو فشل الانجيليون في عقد مؤتمر مشترك للكنائس منذ سنين طويلة لأنعدام روح الوحدة والأجندة الضيقة لكل قائد أو مدعّي قيادة.
منبع هذا الإشكال هو التمركز بالذات وهو علّة روحية في الحياة الداخلية. منبعه عدم نكران الذات وانعدام الآمان الروحي والنفسي للكثيرين مما يمنع تدفق بركات وتعاون وإخلاء الذات في سبيل الآخر.

هل يرسل الرب روحه فتغيّر القلوب لنكون فعلاً كنيسة تعيش المملكة المقلوبه التي تبنت قيّم معاكسة لمملكة العالم؟ هذا يتطلب توبة. لا أقل من ذلك.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا