{...يقف ثاوفيلوسْ أمام عالم يدّعي الحريّة والسعادة بترسانة التكنولوجيا والتقدّم والعلم والإلحاد والتديّن وحقوق الإنسان ومساعي السلام. يحدّق جيّدا في تلك البروباغندا الّتي يروّجها العالم عن نفسه كمومس تدّعي الشرف، وكعبد ذليل يدّعي الحريّة. ينزع ثاوفيلس القناع عن وجه العالم ليتكشّف على تلك الحقيقة القبيحة: قتل، تشريد، سحل، فتك، عهر، إجهاض، تخنّث، سحاق، نفاق، جبن، خوف، تخويف، صناعة القرار، صناعة الرّأي العام، صناعة الزعماء والحكّام، ظلم، تجويع، تفقير، استغلال، توحشّ وأكل أكباد، ذبح وقطع رؤوس، وسجون فكرية وتديّنيّة وإديولوجيّة ترتع فيها جحافل من فئران التجارب البشريّة أسيرة لعبة التغييب والبرمجة الدماغية والإستهلاك، غياب للحكمة، غياب للإنسان، غياب للحياة... تذكّر ما قاله المسيح:"ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟؟"... وماذا يربح الإنسان من هذا العالم سوى العقم؟؟؟... أحسّ بثورة تغزو كيانه وحنقٍ شديدٍ على الحمقى والمعتوهين داخل الكنيسة وخارجها الّذين يغرقون في كلّ يوم في عسل الأكاذيب الأنيقة، عسل مسموم بالأنانيّة والذاتيّة والسلبيّة والتقوقع والطائفية المنافقة والمحاباة والتمسّك الأجوف بالتقاليد، والإنبتات بالأفكار الإنطباعيّة والأوهام التقدّميّة...إجتاحته نوبة غضب بعد أن هبّت عليه رياح الإحساس بالوحدة أمام عالم مصرّ على غباءه بكلّ ما أوتي من جهد، فتذكّر قولة محمود المسعدي في كتابه"حدّث أبو هريرة قال" فقالها بصرخة هزّت سكون اللّيل: "يا أحقر من باعوض يا بني الإنسان!!..."، ألا لعنة الكون على هذا الوجود العقيم!!... قال ذلك بصيحة ثائرة، سكت قليلا، ومضى في ليله المظلم ينشد القصيدة الآتية:...}

وحيدا أسير الدّروب،
أنا مرْغمٌ أن أسير وحيدا...
على تلّة من يبابْ..
وأرض الجماجمِ وسْط النّفقْ.
* * *
أسير برعشةِ الطّيْر الجريح،
طريح الثّلوجِ، يغنّي النّزاعَ،
يودّعُ سجن الوجودِ،
ليتركَ جثّتهُ في المفترقْ.
* * *
لا أريد من اللّيل غير النّجومِ
تسيرُ رويْدًا رويْدًا،
إلى المنتهى/المشْتهى
نحْو فجر جديدٍ..
يُزيحُ الظّلام برمْح الألقْ.
* * *
لا أريد من اللّيل غير النّجومِ
وصمْتٍ مُعنّى..
يفيض على القلْبِ مَعْنى..
يزيل ضجيج الوجود،
وينشر في الرّوح عطر الخلود،
فيصبح صمْتِيَ صوْتَ الغيابِ..
وتعزِفُ ريحٌ حفيف الورقْ...
* * *
وحيدا بلا بوصلهْ..
ولا ناقةٍ أو جملْ..
صليبي على كتفي..
أحمل الأبديّةَ ما بين قلبي
وعقلي..
لتبعثَ في الرّوح صوت الحياة.
..وأسقطُ دوما لأنّي صغيرٌ،
وحملي ثقيلْ..
ولم أتعلّمْ بأنّ الحقيقة توقٌ
وشوقٌ إلى الإّتّحادِ
بذاك الغيابِ الّذي لا أراهْ..
ولكنّني أستطيع الوصول إليْهِ...
بهِ...لا سواهْ.
متى أتعلّم أنّ الوجود خرافهْ؟
وأنّ الكيان رجاءْ..
وأنّ الدّروب إذا ما خَلتْ من صليبٍ
تصيرُ متاههْ..
وأنّ الظروف العصيبهْ، تصيّرُ قلبي
أراضٍ خصيبهْ... تدرُّ النّقاءْ..
كطيرِ الفِنيقْ...
يصيّرُ لحن الهزيمهْ..
نشيد الظّفرْ...
ويبني بكوم الرّماد...صروح القيامهْ،
ليعْلِنَ بدْءَ الغسقْ.
* * *
متى أتعلّمُ أنّ الوجود عقيمٌ،
إذاما خلا من صليبٍ؟
عقيمٌ كطعن الخناجرْ،
عقيم كصوت الحناجرِ ..
تعلو بيأسٍ مُحلّى..
بطعمِ المرارهْ.
متى أتعلّمُ أنّ الوجود عقيمٌ،
إذاما خلا من صليبٍ؟
عقيمٌ كغيمةِ صيْفٍ
عقيمٌ كإجهاضِ طفلٍ،
عقيمٌ كمانعِ حمْلٍ،
عقيمٌ كفيروسِ داءٍ عضالْ،
يناشدُ وجه المحالْ،
كليْلِ السّكارى...
عقيمٌ كشاذٍّ مخنّث..
عقيمٌ كزرعٍ ملوّثْ..
عقيمٌ كفوضى المناخِ،
وسيْلِ العدمْ..
عقيمٌ كلحْنِ السّأمْ..
وحمّى القذارهْ...
متى أتعلّمُ أنّ الوجود عقيمٌ،
إذاما خلا من صليبٍ؟
عقيمٌ كراياتِهِ السّودِ حُبلى..
بدفْقِ الدّماءِ
وهولِ الفناءِ..
وصمتِ الخسارهْ..
ألا اخْتنِقْ أيّها الصّمتُ ثمّ احتَرِقْ!!!
* * *
وحيدًا أغنّي الرّثاء،
على هامشِ الوقْتِ،
حيْث تعلّمتُ نسْج الخيالِ،
على وقْعِ الوجودِ،
وهمْسِ الأبدْ.
وحيدًا أصارع عقْم الوجودِ..
وفي القلْبِ نارٌ تجيشُ ودمعهْ..
وفي وجهيَ الغضِّ حزنٌ قديمٌ،
وبسمهْ..
وفكري صراعٌ مع المستحيلْ
بليلي الطّويلْ،
فقلْ لي متى ؟؟
أزفّ البدايةَ للمنْتهى..
وتُنْهَى الحكايهْ...
واُنْهَى أنَا ...
وأكْسِرُ قيْدَ الوجودِ،
وأمسحُ عن معْصَمَيَّ النّدى..
والدّماءْ..
فأعْبُرَ حرّا جُسورَ الصّليبِ،
إلى المشْتَهَى..
حيْث حريّتي،
تَلْبَسُ الحبَّ لوْن السّماء،
هُنالِكَ حيث الغيابْ
يُعمِّدُ روحي بغمْرِ الضّياء،
ويمسحُ دمعة عيني، وينسيني حزْني،
فأنْسى العذابْ، وأنسى الظّلامَ،
وأنسى القيودَ، وأنسى الدّماءَ
وأنسى الخرابَ، وأنسى الجسدْ..
وأبْقَى وَتَدْ...
يُثَبّتُ تحْتَ ظِلاَلِ الأبدْ..
لأترُكَ إسمي وجسمِي، على الأرْضِ
في المفترقْ، وأبقى هناك سعيدا
بأرْضِ الغيابِ..سعيدًا بِحقْ..

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا