وهو الذي خلف موسى كليم الله ، في قيادة بني إسرائيل في عبور نهر الأردن ، ثم في غزو أرض كنعان . وكان اسمه " هوشع ابن نون " من سبط أفرايم ، فدعاه موسى " يشوع " ( عد 13 : 8 و 16 ) . ومعنى " يشوع " " يهوه ( الرب ) خلاص " . وهو نفس الاسم " إيســـوس " ( أى يسوع ) في اليونانية . ويسمى أيضاً " يهوشـــوع " ( 1 أخ 7 : 27 ) .

 وحيث أنه ترك مصر وهو في نحو الأربعين من عمره ، وكان مؤهلاً لقيادة بني إسرائيل في حربهم ضد عماليق في رفيديم ( خر 17 : 8 - 16 ) ، فمن المحتمل أنه سبق أن تدرب على القتال في جيش فرعون . وعندما كانوا عند جبل سيناء ، كان يشوع يقوم بخدمة موسى رجل الله، وقد رافقه عند صعوده إلى الجبل (خر 24 : 13 ، 32 : 17) . كما كان يشوع يلازم خيمة الشهادة عندما كان موسي يرجع منها إلى المحلة ( خر 33 : 11 ) .

وعلاوة على أي اتصال من يشوع بأرض كنعان ، سواء عند مجذئ الكنعانيين إلى مصر للتجارة ، أو احتمال ذهابه إليها مع جيوش فرعون ، فإنه استكشف الأرض كواحد من الجواسيس الاثني عشر الذين أرسلهم موسى من برية فاران لاستكشاف أرض كنعان ( عد 13 : 8 ) ، فقد استكشفوا الأرض من برية صين في الجنوب إلى رحوب في مدخل حماة في الشمال ( على بعد نحو 41 ميلا إلى الشمال الشرقي من بعلبك بين جبال لبنان .

 وقد عارض يشوع وكالب أقوال الجواسيس العشرة الذين أشاعوا مذمة الأرض وقالوا إن " الشعب الساكن في الأرض معتز والمدن حصينة عظيمة جداً . وأيضاً قد رأينا بني عناق هناك . العمالقة ساكنون في أرض الجنوب ، والحثيون واليبوسيون والأموريون ساكنون في الجبل والكنعانيون ساكنون عند البحر وعلى جانب الأردن " ( عد 13 : 28 و 29 ) ، مما دعا كل الجماعة للتذمر ومحاولة العودة إلى مصر ( عد 14 : 1 - 4 ) . ولكن يشوع وكالب قالا : " نصعد ونمتلكها لأننا قادرون عليها ... الأرض التى مررنا فيها ... جيدة جداً جداً . إن سُرَّ بنا الرب يدخلنا إلى هذه الأرض ويعطينا إياها ارضا تفيض لبناً وعسلاً ، إنما لا تتمردوا على الرب ولا تخافوا من شعب الأرض لأنهم خبزنا . وقد زال عنهم ظلهم ، والرب معنا ، لا تخافوهم " ( عد 14 : 7 - 9 ) . وكانت النتيجة أن الرب قال : " إن جميع الرجال الذين رأوا مجدي وآياتي التي عملتها في مصر وفي البرية ، وجربوني الآن عشر مرات ولم يسمعوا لقولي ، لن يروا الأرض التي حلفت لآبائهم . وجميع الذين أهانوني لا يرونها ... في هذا القفر تسقط جثثكم جميع المعدودين ... من ابن عشرين سنة فصاعداً الذين تذمروا عليَّ ... ماعدا كالب بن يفنة ويشوع بن نون ... فمات الرجال الذين أشاعوا المذمة الرديئة على الأرض بالوبأ أمام الرب . وزما يشوع بن نون وكالب ابن يفنة ، من أولئك الرجال الذين ذهبوا ليتجسسوا الأرض ، فعاشا " ( عد 14 : 22 - 13 ) ، فلم يكن في الذين دخلوا أرض كنعان إنسان من الذين عدهم موسى وهرون الكاهن ... في برية سيناء ، لأن الرب قال لهم إنهم يموتون في البرية ، فلم يبق منهم إنسان إلا كالب بن يفنة ويشوع بن نون ( عد 26 : 64 و 65 ، تث 1 : 34 - 40 ) .

 وقد أمر الرب موسى قائلا : " خذ يشوع بن نون رجلا فيه روح ، وضع يدك عليه ، وأوقفه قدام ألعازار الكاهن وقدام كل الجماعة ، وأوصه أمام أعينهم . واجعل من هيبتك عليه لكي يسمع له كل جماعة بني إسرائيل . فيقف أمام العازار الكاهن فيسأل له بقضاء الأوريم أمام الرب . حسب قوله يخرجون ، وحسب قوله يدخلون ... ففعل موسى كما أمره الرب ( عد 27 : 18 - 24 ) . وقال موسى ليشوع أمام أعين جميع إسرائيل : تشدد وتشجع لأنك أنت تتدخل مع هذا الشعب الأرض التي أقسم الرب لآبائهم أن يعطيهم إياها ، وأنت تقسمها لهم . والرب سائر أمامك ، وهو يكون معك لا يهملك ولا يتركك . لا تخف ولا ترتعب " ( تث 31 : 7 و 8 ) .

 وعندما وقف موسى ويشوع في باب خيمة الاجتماع ، " أوصى ( الرب ) يشوع بن نون ، وقال له : " تشدد وتشجع لأنك أنت تدخل ببني إسرائيل الأرض التي أقسمت لهم عنها ، وأنا أيكون معك . ( تث 31 : 14 و 15 و 23 ) . فامتلأ يشوع روح حكمة إذ وضع موسى عليه يديه ، فسمع له بنو إسرائيل وعملوا كما أوصى الرب موسى ( تث 34 : 9) .

 وبعد موت موسى ، كرر الرب - في نعمته - هذا الوعد ليشوع مشجعاً له وبخاصة قبيل عبورهم نهر الأردن إلى أرض الموعد ( يش 1 : 1 - 9 ) .

 وقد واجه يشوع ، وهو مازال في شرقي الأردن ، مشكلتين ، أولاهما : عبور نهر الأردن وهو " ممتلئ إلى جميع شطوطة " ، وكيف يتغلب على قوات الكنعانيين في مدنهم الحصينة ، وهل سيقابلونه في عبر الأردن وسيوفهم مشهرة في أيديهم ؟ فأرسل جاسوسين سرّاً لاستكشاف حصون أريحا ( يش 2 : 1 ) . وقد تولى الرب حل المشكلتين ، إذ ملأ قلوب شعب الأرض رعيا ( يش 2 : 9 11 ) ، وأوقف مياه نهر الأردن المنحدرة من فوق ، حالما وضع الكهنة حازملون التابوت أرجلهم في مياه النهر ، فعبر جميع الشعب على اليابسة ( يش 3 : 14 - 17 ).

 وطوعاً لأمر الرب ، تم ختان جميع الذين ولدوا فى البرية ، لأنهم كانوا غلفا إذ لم يختنوهم فى الطريق ( يش 5 : 2 - 9 ) .

 وقد أبدى يشوع إيمانا عظيماً في الطاعة الدقيقة للخطة التي رسمها له الله للإستيلاء على أريحا ، فأمر الكهنة والشعب أن يدوروا حول المدينة مرة واحدة في اليوم، على مدى ستة أيام ، دون أن يهتفوا أو يُسمعوا صوتهم أو ينطقوا بكلمة ، حتى يقول لهم اهتفوا " وفي اليوم السابع داروا حول المدينة سبع مرات ، " وفي المرة السابعة عندما ضرب الكهنة بالأبواق ، قال يشوع للشعب: اهتفوا لأن الرب قد أعطاكم . المدينة ، فتكون المدينة وكل ما فيها محرماً للرب للرب ( يش 6 : 6 - 16 ) . وقد أطاع الجميع ما أمر به يشوع ماعدا عاخان بن كرمي الذي أخذ "من الحرام ، فحمى غضب الرب على إسرائيل" ( يش 7 : 1 ) ، وكانت النتيجة أن أنهزم إسرائيل أمام عاى، " فمزق يشوع ثيابة ، وسقط على وجهه إلى الأرض أمام تابوت الرب إلى المساء ، هو وشيوخ إسرائيل ، ووضعوا ترابا على رؤوسهم " وسكب يشوع نفسه أمام الرب ، فقال الرب ليشوع : " قم ، لماذا أنت ساقط على وجهك ؟ " وأخبره أن سبب هزيمتهم ، هو انهم أخذوا من الحرام : " في وسطك حرام يا إسرائيل ، فلا تتمكن للثبوت أمام أعدائك حتى تنزعوا الحرام من وسطكم " ( يش 7 : 2 13 ) ، وأمر يشوع بأن يُفحص الأمر ، فاكتشف ما عمله عاخان ، " فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة وأحرقوهم بالنار فرجع الرب عن حمو غضبه " ( يش 7 : 16 - 18 ) .

 وتفاصيل هجومه الثاني على عاي ، تصور لنا التخطيط الدقيق والاستراتيجية البارعة التي استخدمها يشوع في استيلائه على البلاد فقد كان سريعاً وحاسماً في تحركاته ، فلما اجتمع ملوك الأموريين الخمسة لمحاربة جبعون ، واستنجد أهل جبعون بيشوع ، أتى إليهم يشوع بغتة . صعد الليل كله من الجلجال ، فأزعجهم الرب أمام إسرائيل ... وبينما هم هاربون من أمام إسرائيل ... رماهم الرب بحجارة عظيمة من السماء إلى عزيقة ، فماتوا. والذين ماتوا بحجارة البرد ، هم أكثر من الذين قتلهم بنو إسرائيل بالسيف ( يش 10 : 5 - 11 ) .

 وصلى يشوع للرب أمـــــام عيــون إسرائيل قائـــــــلا : " يا شمس دومي على جبعون ، ويا قمر على وادي أيلون . فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه ... ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده ، سمع فيه الرب صوت إنسان ( يش 10 : 12 - 14 ) .

وبسرعة خاطفة استطاع يشوع الاستيلاء على الحصون الجنوبية الحاكمة ، حصناً بعد حصن ، وهو يعمل على إبادة جيوش الأعداد ، أكثر مما على احتلال المـــــدن ( يش 10 : 28 - 43 ) ، معتمداً فى ذلك على إرشاد الله ومعونته ( يش 10 : 25 و 30 و 32 و 42 ، 11 : 6- 9 و15) ، وعلى المفاجأة والخداع ، وعلى النظام والحماسة في صفوف جيشه ، وتحطيم معنويات العدو ، أكثر مما على تفوقه في السلاح والعدد . وحيث أن جيشه لم يكن مدرباً على عمليات الحصار ، فلم يكن في وسعه أن يظل مقيداً حول مدينة ذات أسوار ، والأرجح أن كثيرين من الكنعانيين هربوا إلى التلال والكهوف ، ليعودوا بعد ذلك لاحتلال قراهم ، ومدنهم ، مثل جبعون وحلفائها ، التي استسلمت فوراً . ولذلك لا يتوقع الأثريون وحدد أدلة قاطعة على تدمير المدن نتيجة لغزوات يشوع ، فيما عدا المدن التي أحرقها ، مثل أريحا وعاي وحاصور. وهكذا أخضع البلاد، وأتاح لكل سبط أن يدخل إلى الأرض التي وقعت من نصيبه ، وإعادة بناء المدن بالتدريج من عصر القضاة إلى عصر الملك داود .

 كان يشوع يمتلك صفات القائد الأصيل ، فقد أبدى شجاعة عظيمة منذ حربه مع عماليق في رفيديم ، وفي هجومه على استعداد لإطاعة رئيس جند الرب ( كما فى يش 5 : 13 - 6 : 5 ). وكان متواضعاً أورك حاجته الدائمة للإتكال على الرب ، إن كان لم يطلب مشورة الرب فى زمر الجبعونين ( يش 9 : 14 و 15 ) وكان رجلاً شريفاً ، نفذ وعد الجاسوسين لراحاب ، فانقذها هي وأهل بيتها عند سقوط أريحا ( يش 6 : 22 - 25 ) . كما أنه لم يخرق الاتفاق الذي عقده رؤساء إسرائيــل مع الجبعونين ( يش 91 : 81 - 26 ) .

 وكانت أفضل سجاياه هو خضوعه المطلق لنامــوس الله ، فقد تشبع فكره وقلبه بكلمة الرب ، ولذلك وثق الشعب في قراراته ( ارجع إلى 1 : 12 - 18 ، 11 : 12 و 15 ، 14 : 1 - 5 ) . وفي وسط غزواته الأولى ، بنى مذبحاً للرب في جبل عيبال ، في قلب البلاد ، وأصعد عليه محرقات للرب وذبائح سلامة. ونفذ أمر الرب لعبده موسى، بوقوف نصف الأسباط عند جبل جرزيم ، ونصفهم الآخر عند جبل عيبال ، وقرأوا جميع كلام التوراة ، البركة واللعنة ، حسب كل ما كُتب في سفر التوراة . لم تكن كلمة من كل ما أقر به موسى لم يقرأها يشوع قدام كل جماعة إسرائيل " ( يش 8 : 30 - 35 ) . وفي خطابه الوداعي الأخير ، أوصى الشعب أن يجددوا عهدهم مع الرب ، وأن يتشددوا جدّاً ليحفظوا ويعملوا " كل المكتوب في سفر شريعة موسى " ( يش 23 : 6 ).

 وظل يشوع قدوة للأمة في تقواه ، حتى بعد موته ، إذ " عبد إسرائيل الرب كل أيام يشوع ، وكل أيام الشيوخ الذين طالت أيامهم بعد يشوع ، والذين عرفوا عمل الرب الذي عمله لإسرائيل " ( يش 24 : 31 ) .

 ومات يشوع عبد الرب ابن مئة وعشر سنين ، فدفنوه في ملكه في تمنة سارح التي في جبل أفرايم شمالي جبل جاعش ) ( يش 24 : 29 و 30 ) .

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا