(مرقس 17:10-22)

يتباهى ويتفاخر مُعظم الشباب اليوم بأمور كثيرة مثل: التحصيل العلمي، والقوة الجسدية، ونوع السيارة التي يملكونها، والرصيد المادي، والزواج، ظانين أن بهذه كلها متعة الحياة وهدفها، هذه الإنجازات التي تؤهلهم للتغلغل في المجتمع ولإثبات وجودهم وحضورهم فيه، هذه الأشياء ترتبط بقيمتهم وبتحديد هويتهم. لكن من خلال هذه القصة نكتشف الأمور الآتية:

1) أنه مهما كانت عظمة الممتلكات والمؤهلات الأرضية، لكنها لا تمنح صاحبها تصريحًا لدخول السماء، كما أنها تقف عائقًا بيننا وبين بركة الله لحياتنا.فكل هذا كما قال سليمان في سفر الجامعة: "باطل وقبض الريح." (جامعة 14:1).

2) النفس البشرية في أحسن حالاتها لا تدرك حاجتها للمسيح: لأن فكرها للأمور وتقديرها ليس بصحيح!  فلقد اعتاد الإنسان على المبدأ القائل: "كلما عملت بجهد أكبر، لاقيت قبولاً وإحسانًا أكثر." ونرى ذالك في سؤال هذا الشاب ليسوع: "ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية"؟ وهذا هو الفخ الذي يريدنا ابليس أن نقع فيه، أن نظل ندور في دائرة العمل والقبول. لكن يجب أن ندرك أن الخلاص لا يتم بالمجهود البشري، إنه عمل إلهي يتم بتَدخل إلهي في حياة الإنسان. إنه تغيير من الداخل إلى الخارج، وليس العكس. فليس علي أن اغير تصرفاتي وأعمالي الخارجية أولاً، فمهما حاولت ستبوء كل محاولاتي بالفشل. لأنني بالطبيعة ضعيف وبحاجة لمن هو أقوى مني، الحاجة إلى واحد، الحاجة ليسوع فقط. نحتاج أن نأتي اليه بكل قلوبنا وثقتنا، طارحين وراءنا كل شيء قد يسد أبواب بركته على حياتنا، متخلين عن كل إمكاناتنا البشرية مهما كانت عظيمة، فهو حتمًا سيباركنا إن أعطيناه وحده السيادة المطلقة على حياتنا.

3) مهما حفظت من كلمة الله، لن تلمس قلبك بدون الانفتاح لروحه القُّدوس: فلقد أجاب هذا الشاب يسوع: "يا مُعلّم، هذه كلها حفظتها منذ حداثتي" (مرقس 20:10). نعم، لقد حفظ هذا الشاب الناموس ظاهريًا فقط، كانت علاقته بالكلمة معرفة معلومات فقط، لم يهتم بالعمل والتطبيق. وما أشبه حالنا اليوم بحال هذا الشاب، نقرأ الكتاب كأننا نقرأ أي كتاب آخر، بدون أن نفتح قلوبنا لتتغلغل كلماته فيها، وكذلك عندما يأتي وقت العمل والتطبيق، تجدنا نمضي حزانى، مثلما مضى هذا الشاب حزينًا بعد أن طلب منه يسوع أن يبيع كل ما له. واليوم يطلب الرب منا أن نحبه ونكرمه ونضعه فوق الجميع، فهل نحبه حقًا بهذا المقدار؟ هل نحن على استعداد أن نطيع كل وصاياه؟ فلقد قال:"إن حفظتم وصاياي تثبتنون في محبتي" (يوحنا 15:10). وحفظ الوصية هنا يعني العمل بها، وليس معرفتها وحفظها عن ظهر قلب فحسب.

4) لا يستطيع أحد أن يخدم سيدين: في قول الرب يسوع لهذا الشاب: "إذهب بع كل ما لك وتعال اتبعني"، انكشف الستار عن قلب هذا الشاب، وظهرت حقيقة حالته الروحية، فهو يفضل المال على المسيح. وكم من أشياء اليوم هي بمثابة أسياد تحكم قلوبنا، وتأخذ مكان المسيح، مثل: التلفاز والمتعة والأصدقاء والشهرة والعمل. فإذا أتينا للمسيح، يجب أن نعطيه القلب بالكامل، فهو لا يكتفي بجزء منه، ولا يريد محبة جزئية.

لكن هنالك صفتان ممتازتان في هذا الشاب، نتعلم منها دروسًا في اتباعنا ليسوع:

1) لقد كان هذا الشاب مملوءًا حماسًا لأنه جاءَ راكِضًا. فهل نأتي ليسوع بحماسٍ قوي ورغبة شديدة من كل القلب؟ هل نركض لهذا البرج الحصين ونتَمَنّع به؟ أم نتباطأ ونهتم بأشياء أخرى أقل قيمة؟

2) اعترفَ هذا الشاب بعظمة المسيح وجلاله، لأنه جثا له: نعم، أحبائي الشباب، فهو الذي قال: "للرب إلهك تسجد" (متى 10:4). فلا يوجد شيء، ولا يوجد أي إنسان على وجه الأرض يستحق أن نسجد أمامه سوى ملك الملوك ورب الأرباب. فلمَن تسجد وتركع، ولمن يخضع قلبك؟
أحبائي الشباب، في نهاية مقالي أشجعكم أن تحبوا الرب من كل قلبكم ومن كل نفسكم، ومن كل قدرتكم، لأنه بهذا ستتبارك حياتكم وتكونون في الارتفاع وشعار حياتكم النجاح والقوة.
اطلبوا مجده وسلطانه على حياتكم، عندها ستختبرون العظمة والغنى الحقيقي.