" أتيت لتكون لهم حياة, ويكون لهم أفضل" (يوحنا 10: 10)

سمعتُ قبل فترة كلمات ترنيمة رائعة ومعبِّرة جدًا، حيث تصف الألم والهوان الذي قبله يسوع على نفسه، صامتًا وخاضعًا! تقول كلماتها: "قد تحمَّلتَ الموت مرفوضًا ووحيدًا، كالزهرة المُداسة على الأرض. أنت أخذت السقطة وفكّرت فيَّ قبل أي شيئ آخر"!

تجعلني هذه الكلمات أُفكِّر وأنا غارقة بالحزن والألم لما تكبّده ربّ المجد وتحمّله من أجلي. أخاله حاملاً ذاك الصليب فوق ظهره النازف من الجراح، بالكاد قادرًا على الوقوف، مُجبرًا نفسه على الخطو... ليصل "الجلجثة". لا بدّ أنّه كان يتضوَّرُ جوعًا وعطشًا، لكنه كان رافضًا على أن يُخفِّف من آلامه وسقامه بجرعة الخلّ التي عُرضت عليه. أستطيع أن أراه في وسط كل ذاك الألم والتعب يُفكِّرُ فيّ ويُشجِّع نفسه بقوله: "يجب أن أصمد حتى النهاية لأتمِّم العمل من أجلك، فأنت غالٍ عندي وأحبك لدرجة لا أريد بها أن أُخذلك"!

وبعد أن مات أخيرًا، طُعن جنبه بالحربة، فخرج من جنبه المطعون فجأة سيلٌ من الدم والماء. اليوم معروفٌ في الطب والعلم بأن هذا السيل من الماء والدم هو تشخيص لحالة بها القلب انفجر!!!
وكما ندرك جميعنا، فإن القلب يرمز دومًا للمحبّة. لهذه الدرجة يحبُّنا يسوع، لدرجة إنفجار قلبه، إنفجر قلبه لشدّة حبّه وألمه؛ ليس فقط الألم الجسدي، بل أيضًا الآلام النفسيّة والروحيّة... تألم لأننا اخترنا استبدال محبّته هذه بالإنكار والتذمُّر، بالكره لبعضنا البعض، القتل، الإغتصاب، اللعن والشتم، الإهانة، الزنى، بالكحول والمخدِّر، بالأسى والدموع والاكتئاب... لقد شككنا بحبه لنا وبقوتّه وسلطانه ورغبته في انتشالنا من الأسى والألم والتعب والأحمال ليُجلسنا معه في الملكوت. لقد نسينا كم مميّزون نحن في نظره، كم امتزنا عجبًا بالخلق والصُنع، وكيف أن يده تعمل في حياتنا ببركة وعجائب..!
إنّه ليستحقُّ أكثر بكثير ممّا نُعطيه، إذ تمّم العمل ليّعطينا حياة... وليست مجرّد حياة، بل هي حياة مملوءة بالحياة.... الحياة الأفضل! 

يجب ألاّ نسمح لتصرّفاتنا تجاه أنفسنا والآخرين أن تُخفي هذه المحبّه، ولا نجعل عمله يبدو وكأنه عبثًا ودون جدوى!
محبّته ليست عبثًا، وآلامه لم تكن عبثًا، وموته وقيامته أبدًا لم يكونا عبثًا. هؤلاء الذين لم يختبروا حضوره في حياتهم وعلاقة شخصيّة معه، سوف لن يستطيعوا تقدير ما فعله لأجلنا؛ ولكن نحن الذين اختبرنا ذلك ليس لدينا أيّة عذر سوى الإعلان عن تلك المحبّة؛ نحن مديونون له بذلك، مديونون بأن نحب بعضنا البعض ونساعد بعضنا للوصول إلى تلك الحياة عينها التي منحنا يسوع إيّاها! إنه واجبنا هنا على الأرض أن نكون مقدّسين كما صلّى لنا يسوع بنفسه، وتكون خدمتنا هنا هي أن نعطي العالم المحبّة – محبته: " ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم. قدِّسهم في حقّك. كلامك هو حق. كما أرسلتني إلى العالم أرسلتهم أنا إلى العالم، ولأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي، ليكونوا هم أيضًا مُقدَّسين في الحق" (يوحنا 17: 16- 19).

نعم، أنا أؤمن بأن يسوع لا يزال يُصلِّي لنا وهو متشوِّق ومتحمِّس ليلقانا عن قريب. فكل ما علينا فعله حتى ذاك اليوم هو أن نُبقي أنفسنا مُقدّسين. هو لا يزال يُصلّي بمحبّة عارمة: "أيّها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا، لينظروا مجدي الذي أعطيتني، لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم" (يوحنا 17: 24).
آمين!