كان سالم وهدى متزوجين منذ أربعة عشر عامًا، وقد رزقا ثلاثة أولاد. أكبرهم جميل في  الثانية عشر ربيعًا وجان في ثمانية أعوام وصغراهم أبنة الثالثة،كاثرين. كانت علاقة الوالدين قوية، إتسمت بدفء، محبة،ثقة وحياة سعيدة  حيث حافظا على علاقات متينة بعضهم مع بعض، لتعكس على أولادهما وترابطهم معًا.

واظب سالم وهدى  في كل يوم أحد على تقضية وقت خاص معًا كعائلة، وبتخطيط مسبق قضوا أوقاتًا خاصة معًا في بداية كل أسبوع، بالذهاب إلى الكنيسة ومن ثم كانوا يلهون، يتحدثون ويضحكون معًا. في إحدى أيام الآحاد، قررت العائلة السفر إلى بلدة قريبة ليقضوا وقتًا ممتعًا في مدينة الملاهي هناك، وهكذا كان. كان يومهم مليئًا بالفرح واللهو إلى أن حان وقت الرجوع إلى البيت. ركب أفراد العائلة السيارة معتبرين الوقت الذي سيقضونه في الطريق هو أيضًا وقت عائلي مميز. فقد كانت طريق العودة بمحاذة البحر،فأحبوها  لجمال الطبيعة من حولها، فمن جهة يحدهم جبل شاهق، ومن الجهة الأخرى البحر الذي طالما ترددوا عليه في العطل الصيفية، ليقضوا أوقاتاً جميلة هناك. ها هو فصل الربيع في بدايته، وما زال رذاذ المطر ورائحته  تنتشر في الأجواء، والطبيعة برونق ألوانها الزاهية من حولهم تمجد الخالق لما رسمه من طبيعة تسحر ناظريها بجمالها.

فجأة وعند غروب الشمس، وصوت هدير البحر يعلو، والسيارة تسير في مسارها المعهود، وفي لحظة هدوء داخل السيارة، ظهرت شاحنة على مرأى منهم تتجه بإتجاه سيارتهم وقد حادت عن مسارها. أضطر سالم كسر الهدوء بهلع ليضغط على زامور السيارة وإضاءة الأضواء العالية  للسيارة محاولة منه تنبيه السائق الآخر بما يحصل، ولكن السائق لم يغير إتجاهه، وبطرفة عين، غيّر سالم إتجاه المقود بسرعة، منعًا لحدوث مواجهة بين السيارة والشاحنة موجهًا السيارة إلى جانب الطريق الذي يحده ذاك الجبل الشاهق. فأصطدمت السيارة بقوة بسفح الجبل، وبدأت طفلته بالبكاء واصوات الصراخ ملأ الأجواء، فإذا به يغيب عن وعيه ويستيقظ ليجد نفسه في المستشفى محاطًا بطاقم من الأطباء والممرضين.

أول ما فطن به، بعد أن أدرك أنه على سرير إحدى المستشفيات أن يسأل عن عائلته. فأخبره الطبيب الذي تواجد بجانبه، أنهم جميعًا يعانون من جروح طفيفة وحالتهم متوسطة، ما عدا أبنه الأكبر جميل، الذي فقد كمية كبيرة من الدماء كونه كان يجلس من الجهة اليمنى من المقعد الخلفي، في نفس المكان الذي أرتطمت السيارة بالجبل. أعلمه الطبيب أن جميل بحاجة إلى من يتبرع له بدم، ولكن بما أن نوع دمه نادر وحالته حرجه عليهم إيجاد متبرع بسرعة فائقة، ليزول الخطر عنه فيستطيعون حينها إجراء عملية جراحية في الكسور التي حصلت له في يديه ورجليه.أستمر الطبيب بالشرح لسالم أن إحدى الحلول السريعة المقترحة، ولضيق الوقت،  أن يقوم جان أبن الثامنة بالتبرع بالدم لإخيه، كونه الوحيد في العائلة يحمل نفس فصيلة الدم، رغم أنه ليس من المتبع أن يطلب من ولد في هذا  العمر بالتبرع بالدم. وقد كان الطاقم قد قام بفحص هذه الإمكانية، ليجدوا أن تبرع الولد لا بد منه في هذه المرحلة، لصعوبة إيجاد فصيلة دم مناسبة في وقت قصير مما قد يودي بحياة جميل. فأُحضر جان لأبيه، الذي بدوره ركض معانقًا والده فرحًا لسلامته. بعد هذا العناق كان على الوالد إخباره بإحتياج جميل إلى دم. فرغم أنه معتاد أن يتكلم بشفافية مع أفراد عائلته، لكن في مثل هذا الظرف، سيضطر وضع مشاعره جانبًا ليشرح بشجاعة حساسية الموقف لصبي بعمر الزهور، فقال له بصوت لا يخلو من الريبة والحذر: "أسمع يا جان، جميل بحاجة لأن تتبرع له من دمك، وإلا سيموت، فآمل أن تقبل ولا تقاوم الأطباء حين يأخذون وجبة دم منك، حتى تنقذ أخيك".

الجزء الثاني من قصة عند غروب الشمس

نشرت القصة أيضًا في مجلة "همسات من الخالق إلى العائلة" - دار الكتاب المقدس