‏(لوقا40:8)‏
يصوّر البشير لوقا في انجيله، بصفته طبيب، قصصاً عن الشفاء من أمراض، ولقد استوقفتني ‏واحدة من تلك القصص‎ ‎لما فيها من دروس، تأملات وعبر. إنها قصة نازفة الدم، فهي لم تنزف ‏دماً فقط، إنما استنزفت طاقتها الجسدية والنفسية، مواردها المادية، علاقاتها الاجتماعية ‏والتزاماتها الدينية.

إنسانة ضعيفة، محطمة ومرفوضة، لأنها نجسة بحسب الشريعة، والأسوأ من هذا كله أنها ‏أنفقت كل معيشتها على الأطباء، وفي زيارتها لكل واحدٍ منهم، كان هنالك بصيصاً من الأمل ‏في شفائها على يده،  لكن كل المحاولات باءت بالفشل، فهذا المرض خطير ٌجداً، هو مرض ‏عُضال جسدي خبيث، ونزفُ دمٍ بشكلٍ مستمر، هذا المرض يقود الى الاكتئاب النفسي، وشدة ‏اليأس.  وليس ذلك فقط، بل يؤدي الى المرض الروحي: إذ تُصبح محرومة دينياً وطقسياً، ‏ومحرومة اجتماعيا من الزيارات والالتقاء بالناس. حقاً كانت يائسة بكل معنى الكلمة!

لكن لم تستمر حالتها هكذا، فذات يوم انقلبت رأساً على عقب، إذ كان يسوع مجتازاً في ‏بلدتها، ذاهباً في مهمة، وهي إقامة ابنة يايرس، محاطاً بحشدٍ من الجموع، لكن لم يوقفها ‏ويهبط عزيمتها أي عائق، ففي أعماق نفسها كانت تدرك نجاستها، لكن أدركت أيضاً أن هذا ‏الشخص العجيب لا يتنجس من لمسة، بل لمسته تُقدّس وتحرر. لربما سمعت عن يسوع  ‏ومعجزاته من قبل، لذلك عرفته، وأدركت قوته وسلطانه، فقالت:" لو مسست هدب توبه ‏شفيت". وهذه المرأة لم يكن لها قوة على المشي، بل كانت تزحف بين الجموع، وربما كانوا ‏يدوسونها ويتعثرون بها، لكنها بقيت مستمرة بالزحف، وكانت تردد كل الوقت في نفسها: " ‏لو مسستُ هدبَ ثوبه فقط شفيت"! رددتها أكثر من مرة، حتى تغلغلت في أعماقها وولدت ‏إيماناً عظيماً. لقد أضحى كل شيء يائساً أمامها ولا تملك إلا هذه العبارة لأنها ها أصبحت ‏أملها الوحيد.

لمسته فشفاها - نازفة الدم تلمس ثوب يسوع

دخلت وهي ضعيفة ومُخاطرة في حياتها، لأنه إذا لاحظ الناس، وبالأخص الفريسيين، ‏وجودها فستقع في ورطةٍ كبيرة وستحاكم.  وكما ذكرتُ في البداية، فإنَّ يسوع كان ذاهباً  ‏ليشفي ابنة يايرس،  وكان الجمعُ محتشداً حوله من كل جانب، وفجأة تقاطعه هذه المرأة ‏وتتجرأ وتلمسه، فنراه يلتفت ويسأل :"من لمسني"؟  قد نستغرب للوهلة الأولى من هذا ‏السؤال، فيسوع يعرف كل شيء، لكنه قصد من ذلك أن يرفع ان يرفع هذه المرأة ويعلن ‏شفاءها أمام الجميع.  لكن جواب بطرس كان : "الجميع لمسك"!

في الحقيقة توجد لمسة تختلف عن الأخرى، نعم فالناس قد تقترب من يسوع وتلمسه، من ‏باب المعرفة والفضول، وآخرين يلمسونه تأثراً وانبهاراً بعظمته، لكن لمسة هذه المرأة ‏اختلفت عنهم كلهم، إذ هي لمسة الإيمان واليقين، أنه وحده هو الشافي والمعين.

والشيء المميز أن يسوع وقف وسألها، ليس فقط ليشفيها بل ليرفعها أيضاً، كذلك أن يهنئها ‏ويشجعها لتنال الخلاص الروحي بالإضافة الى  شفاءها الجسدي.  وليؤكد لها وللآخرين أن ‏شفاءها لم يكن اغتصاباً بل اختيارا، وأيضا ليظهر للتلاميذ وللجمع بأن قوة خرجت منه، فلم ‏تجعل أي لمسة من لمسات الناس المحتشدة القوة تخرج من يسوع، إلا لمسة هذه  المرأة، ‏لأنها لمسة حقيقية، تُعَبّر عن الايمان.

أتت هذه المرأة وهي  مرتعدة ،ساجدة ،عابدة، وخرَّت له.  فقال لها: " ثقي يا ابنة".  لقد ‏منحها بركة البنوة، وحررها من الخوف. لقد شفاها جسدياً، عقلياً،  نفسياً وروحياً أيضاً.  ‏وهذا برهانٌ على سلطانه وتوقيته أيضا. كان يسير بعزم وثبات، ذاهباً ليشفي ابنة يايرس،  ‏فهو لم يتحرك مُقيّداً  بالظروف المحيطة به، ولم يستعجل، لأنه يتدخل في التوقيت المناسب ‏دائماً، وهكذا يرجع له كل المجد، وتكون المعجزة أشد تأثيراً.

وفجأة يأتي أناس من بيت يايرس ويخبروه بأن لا يتعب المعلم. حقاً قد نقول نحن أيضاً هذه ‏العباره، أو قد نسمعها من  الآخرين عندما نصل الى طريق مسدود، أو وضعٍ يائس والرجاء ‏والأمل منه مفقود. لكن يسوع ذهب معه وأقام ابنته، فانتعشت روح هذا الأب الحزين ‏والكئيب على موت ابنته الغاليه، وتحولت الجنازة إلى موكب فرح!

عزيزتي القارئة، لربما تحتاجين إلى لمسة قوية من يسوع، لمسة للشفاء، للتحرير، للإقامة من ‏وضع بائس ومائت، لربما تعبتِ من المحاولات، وصرت مثل نازفة الدم، إلى حال أردأ، ‏واستنزفت كل قوتك، بهجتك، معنوياتك. أشجعك اليوم أن تقتربي من يسوع، وتختبري لمسته ‏القوية، العظيمة، الشافية والمحرّرة، حتى لو أتيت زاحفة، خائفة، أو وصل بك الحال الى ‏طريق مسدود، ثقي به فهو دائماً موجود، موجود دائماً لأجلك، لن يرفضك ويرذلك، بل ‏سيلمسك ويشفيكِ، ويرد كرامتك، فترجعي ورأسك مرفوع، وتعطي المجد وتشهدي عن ‏عظمة إلهك يسوع!

 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا