البعوض هو الكائن الذي بالرغم من صغر حجمه، إذ تصعُب رؤيته وحتى لا نشعر بوجوده غالبًا، ولكنه يحمل لقب القاتل الأول للإنسان. ففي المعدل يتسبب البعوض بموت ما يُقارب ثلاثة أرباع المليون (حواليّ 750000) إنسان.

في رحلتنا العائلية قبل عدّة سنوات إلى تايلاند قضينا أمتع الأوقات في بلاد في روعة الجمال، وفِي أحد الأيام جلسنا ساعات طويلة ممتعة مقابل بُحيرة جميلة، وفِي المساء بدأت أشعر بتورم بسيط في قدمي، ظهر كلسعة حشرة، مع أني لم ارها ولم اشعر بها في حينه، ثمّ بدأت أشعر ببرد شديد ثمّ حرّ شديد، ولم آخذ الأمر على محمل الجدّيّة أولًا، وطمأنني في ذلك أني كنت قد حصلت على كل التطعيمات المطلوبة والموصي بها قبل سفري، ولكن ما هي إلا ساعة أو اثنتان حتى أدركت أن الأمر جدّيّ، فسافرنا ليلتها لمستشفى المدينة، وهناك بعد الفحوصات حرروني برفقة حبوب دواء لمعالجة الالتهاب، ولكنّ الأمر تفاقم يومًا بعد يوم، وأصبحت الرّجل متورمة جدًا حول المنطقة المصابة ووصلت إلى ضِعفي حجمها الأصلي، وصرت أشعر بالخطر ليس فقط على الرِجل بل على كلّ الجسد، حتى اضطررت للذهاب إلى أفضل مستشفيات العاصمة، وهناك حجزوني مدّة ثلاثة أيام للعلاج الجدّيّ لمنع تفشي الالتهاب والقضاء عليه، ثم طُلب مني متابعة العلاج بالأدوية في البيت لمدة لا تقل عن عشرة أيام.

هذه الحادثة ذكرتني بفاعلية سمّ الخطيّة التي دخلت بكل خبث للبشرية في أروع جنّة أرضيّة، ونفثت سموم موتها عميقًا في جميعنا "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ" (رومية 3: 23)، وقد استهترت البشرية بقوة فتك هذه الآفة، والغالبية حاولوا علاجها بطرقهم وسحرهم وطقوسهم الخاصة التي لم تنفع شيئًا، والكثيرون ماتوا تحت سمّها وهم يظنون أنهم قضوا على تأثيرها بفاعلية عمل أيديهم، ولكن هيهات، فسمّ الخطية لا يَقضي عليه إلا دمّ المسيح، أي عمله الكفاريّ على الصليب "مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ

عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ. لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ" (رومية 3: 24-26).

إن سمّ الخطية يتغلغل فينا دون أن نشعر ونُدرك خطورته، فينشر الموت في حياتنا، ولكن مجدًا لاسم ربنا المبارك، فعمله الكفاريّ على الصليب لم يفعل فقط مفعول "الترياق"، أي كدواء يُبطل مفعول السمّ ويُقاوم أثره، بل عندما نقبل مفعوله في حياتنا، في ذات اللحظة يحررنا من تأثير سمّ الخطية ونتائجها، ويهبنا فوق ذلك نعمة الحياة الأبدية "وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا، إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ" (كولوسي 2: 13-15). لنتذكر دومًا "أَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رومية 6: 23).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا