كل انسان بطبيعته البشرية، يرغب بأن يكون في مركز الاحداث التي تدور حوله، وبأن لا يُهَمِّشه احدًا، ويُقدم له الاحترام والتقدير من الآخرين، وبقدر المستطاع بأن لا يبذل مجهود كبير في ترتيب اموره الشخصية، او حتى في مساعدة الآخرين، وبشكل عام ان يُخدم من الآخرين وان لا يَخدم وخاصة مجانًا.

ليس الامر هكذا عندما نتأمل في حياة ربنا يسوع المسيح، ومع انه حامل الطبيعة الالهية، وبه حَلَّ مِلء اللاهوت جسديًا، لكنه اخلى نفسه، آخذا صورة عبد وصائرا في شبه الناس، فكان متواضعًا بميلاده، حياته وحتى بموته، وهو الذي جاء ليس لكي يُخدم بل ليَخدم الآخرين حتى غسل الارجل!

ما يُميز حياة ربنا يسوع انها كانت مليئة بالمحبة والعطاء للآخرين، حتى للمقاومين والاعداء، كذلك بالخضوع التام للآب القدوس في كل امور حياته، كانسان كامل في ايام تجسده على الارض، وهو من تنبأ عنه الكتاب: انه بدرج الكتاب كُتب عني، لاصنع مشيئتك يا الله.

كل هذه الامور جعلت من ربنا يسوع رجل الآلام والاوجاع، كما تنبأ عنه اشعياء، فمنذ ولادته كان مُطارد من الملك هيرودس لكي يقتله، وفي حياته لم يفهمه اقرب المقربين عليه، مثل اخوته وحتى تلاميذه احيانًا، حتى هناك من انكره وآخر اسلمه وخانه.

كذلك اهل بلدته الناصرة لم يُدركوا عظمته، وقالوا عنه انه "فقط" ابن النجار! حتى رجال الدين مثل رؤساء الكهنة والشعب اليهودي قاوموه بشدة، بل طلبوا بصلبه وموته، كذلك ملوك الارض خافوا منه، وتأمروا عليه مع القادة الدينيين.

لكن يسوع مع كل هذه الآلام، لم يَرُد الشر بالشر بل بالخير، ولا الشتيمة بمثلها بل كان يسلم امره لله العادل، وكما يقول عنه الكتاب في العبرانيين 17:2 بانه كان ينبغي ان يشبه أخوته في كل شيء، لكي يكون رحيمًا، ورئيس كهنة أمينًا في ما لله حتى يُكَفِّر خطايا الشعب، لانه في ما هو قد تألم مجربًا يقدر ان يعين المجربين.

يا لروعة ربنا يسوع المسيح، رئيس الكهنة الامين، الذي احبنا واسلم نفسه لاجلنا، لخلاص نفوسنا.

كذلك هو يفهم جيدًا آلامنا الجسدية، النفسية والروحية ايضًا لانه هو قد تألم قبلنا كانسان كامل، فهو قد عطش وجاع وتعب وبكى وتألم بكل انواع الآلام، وهو وحده شرب كأس الآلام بالكامل، وكل واحد مِنَّا ذاق قطرة صغيرة من هذه الكأس.

لكن يسوع لا يتركنا وحدنا وسط الآلام، هو يفهمنا ويعزينا ويقوينا بشدة قوته، لانه بالفعل قد تألم مجربًا كانسان كامل، لذلك يستطيع ان يعين المجربين.

وكما نقرأ في رسالة العبرانيين 14:4 انه لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات، يسوع ابن الله، فلنتمسك بالاقرار، لان ليس لنا رئيس كهنة غير قادر ان يرثي لضعفاتنا، بل مُجرب في كل شيء مثلنا، بلا خطية. فلنتقدم بثقة الى عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد عونًا في حينه.

في كتاب الخروج الاصحاح 28، نقرأ كيف امر الرب موسى لصنع ثيابًا مقدسةً لهارون أخيه للمجد والبهاء. نرى في هارون نبوة عن ربنا يسوع المسيح، الكاهن الاعظم على رتبة ملكي صادق، اي ملك البِر والسلام ( عبرانيين 2:7 ).

هارون كان عليه ان يُقدم ذبائح عن خطاياه وخطايا الشعب، لكن ربنا يسوع المسيح لم يكن بحاجة لذلك، لانه القدوس البار منذ ولادته، ومع انه تجرب لكنه لم يُخطىء ابدًا! 

في نفس الاصحاح نقرأ كيف امر الرب موسى بصنع الثياب لهارون، مثل الرداء والصدرة وامور اخرى. نقرأ في العدد التاسع الوصية بان يأخذ موسى حجري جزع (حجر كريم) وينقش عليهما اسماء بني اسرائيل.

اخوتي، نحن بنظر الله حجارة كريمة، غالية على قلبه جدًا، وكما اوصى الله ان يضع الحجرين على كتفي الرداء حجري تذكار لبني اسرائيل، وبان يحمل هارون اسماءهم امام الرب على كتفيه للتذكار، ستة على الحجر الواحد، وستة علىالحجر الآخر على الكتفين.

هنا نرى صورة رائعة جدًا كيف ان الرب يسوع يحمل اثقالنا بل يحملنا بالكامل على كتفيه، لا يخور ولا يضعف ابدًا! وروعة الرب انه يحمل ستة علىالكتف الايمن وستة على الايسر، ليس عنده تمييز ومحاباة، بل كلنا متساوين بالبنوية رجال ونساء، يهود وامميين، اغنياء وفقراء، ضعفاء او اقوياء، حديثي الايمان او لنا سنوات طويلة بالايمان.

لا يميز ربنا ابدًا، بين يهودي واممي، كاثوليكي ارثوذكسي او انجيلي، معمداني كنت ام ناصري، او من جماعة الاخوة او جماعات الله!

هو هو امسًا واليوم والى الابد ثابت بمحبته ومجده، ولا ينسى ابدًا ان يحملنا جميعًا علىكتفيه، ستة هنا وستة هناك، ويذكر دائمًا اننا جميعنا نحمل الرقم ستة (رقم الانسان) اي بضعفنا وشكوكنا وزلاتنا وحتى لو انكرنا، لانه يعرف جبلتنا اننا تراب، لذلك يرحمنا دائمًا، ان قدمنا توبة حقيقية يومية، فما زلنا في عهد النعمة.

ماذا عنا نحن، المؤمنين باسم الله الحي، هل بعد ما اختبرنا هذه المحبة الكاملة الفائقة المعرفة، ورحمة الهنا واحساناته وتعزياته لنا، وبانه حاملنا على كتفيه رغم ضعفاتنا وزلاتنا، هل نحن ايضًا نحمل اخوتنا على اكتافنا؟ وهل همهم هو همنا نحن ؟ وهل نُمَيِّز بين هذا وذاك ان كان في كنيستي المحلية او مع جسد المسيح كَكُل؟

هل فرح اخوتي هو فرحي وحزنهم هو حزني؟

ان لم نكن امناء وصادقين بهذا الامر، لنتأمل بوصية الله لموسى عبده من جهة هارون، بان يحمل هارون اسماء بني اسرائيل في صدرة القضاء "على قلبه" عند دخوله الى القدس للتذكار امام الرب دائمًا ( خروج 29:28 ).

الرب الاله حاملنا كلنا ليس فقط على كتفين، بل قبل كل شيء على قلبه، وان كان هو يحملنا على قلبه، كم بالحري علينا نحن كاخوة عن نحمل احدنا الآخر في القلب! 

لنتعلم من يوحنا الحبيب الذي اتكأ على صدر وقلب الرب يسوع، لنشبع نحن ايضًا من هذه المحبة الالهية، لانه ان جاءت الايام وثقل الحمل على اكتافنا، لا ننسى ابدًا ان الرب حاملنا على قلبه، وان ثقل حمل اخي على كتفي، ولم اعد اعتني به واصلي له، لنفحص انفسنا هل ما زلنا نحمل اخوتنا في الكنيسة على قلوبنا؟

وان فقدنا هذا الشركة المقدسة مع الرب يسوع ومع الاخوة، لندخل الى الاقداس في حضرة الآب السماوي، ونجعل في صدرة القضاء "الاوريم والتُّمِّيم" لتكون على قلوبنا (اي الانوار والكمالات)، لعل الرب يأتي بنوره العجيب في قلوبنا، وينير خفايا القلوب، ويشعلها من جديد محبةً لشخصه المبارك الامين، ومحبة للكنيسة التي اقتناها بدمه، وعمل هذا النور العجيب في قلوبنا ( الاوريم )، سوف نختبر بقوة عمل الرب يسوع في حياتنا ومن خلالنا، في محبة وخدمة الاخوة القديسين، ونفرح كل يوم بهذه الشركة المقدسة مع ربنا وعروسه، ونختبر مشيئة الهنا الصالحة المرضية الكاملة نحونا جميعًا ( التُّمِّيم )، وعندها يفيض قلبنا فرحًا وترنمًا لشخصه المبارك، لاننا تمثلنا به ونتمثل به كل يوم.

 وكما كانا موسى وهارون امناء على الخدمة مع الشعب القديم، كم بالحري في ايامنا هذه علينا ان نتشبه ونتمثل ليس فقط برئيس الكهنة هارون، الذي مات ودفن، بل بالحري بربنا ومخلصنا يسوع المسيح، ابن الله الحي في السماء على يمين العظمة الالهية، لكي نتشبه به وحده ونكون مثله امناء ورحماء احدنا نحو الآخرين، لكي نشهد وبصدق جميعنا، اننا مُلك للكاهن الاعظم يسوع المسيح، الذي احبنا، وقد غسلنا من خطايانا بدمه، وجعلنا ملوكًا وكهنةً لله ابيه، له المجد والسلطان الى ابد الآبدين، آمين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا