نتكلم كثيرًا في حياتنا اليومية عن أهمية حُسن التصرف واتخاذ القرارات الصحيحة، بما يتعلق بأمورنا الخاصة الذاتية او العائلية، تقديم نصيحة جيدة لأخ، او صديق او زميل لنا في العمل.

كذلك في حياتنا الروحية وعلاقتنا اليومية مع الرب، نحن بحاجة شديدة الى حُسن الاختيار واتخاذ القرارات التي هي حسب قلب وفكر الله.

هذا التحدي نواجهه في كنائسنا وخدماتنا اليومية، وهذا ما ذكره وشدد عليه يعقوب في رسالته الاصحاح الثالث، بانه يوجد في عالمنا الروحي وايضًا المادي نوعين من الحكمة، النوع الاول هي حكمة نازلة من فوق اي سماوية، مصدرها فكر الرب وتطابق مشيئته لنا، والاخرى كما سماها يعقوب أرضية نفسانية بل وحتى شيطانية!

وهذا هو السؤال الهام الذي علينا اجميعن ان نطرحه على انفسنا، لأي نوع حكمة تتوق نفسي وتطلب؟ اي حكمة امارس في حياتي اليومية مع افراد عائلتي، اخوتي في الكنيسة، زملائي في العلم او في مكان عملي؟

هل هي سماوية مصدرها قلب الرب وفكره، ام ارضية دوافعها شريرة ومصدرها عدو نفوسنا؟

يحثنا يعقوب في رسالته الاصحاح الاول بانه من تعوزه حكمة، فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يُعَيِّر، فسيعطى له. ولكن ليطلب بأيمان غير مرتاب البتة.

نعلم جميعنا قصة الملك سليمان، عندما قال له الرب في الحلم بان يسأل ماذا يعطيه، وهو طلب قلبًا فهيمًا ليحكم على شعب الرب ويميز بين الخير والشر، واستجاب الرب لهذه الطلبة واعطى سليمان قلبًا حكيمًا، وكما يقول الكتاب انه لم يكن مثل سليمان قبله ولا يقوم بعده نظيره، وهو قد طلب الحكمة من الرب ولم يطلب ايامًا كثيرةً، ولا غنًى ولا نفس اعدائه.

وفي كتاب الامثال لسليمان، نقرأ كثيرًا عن الحكمة وارتباطها بمخافة الرب، فكلمة مخافة الرب تتكرر خمسة عشر مرة في كتاب الامثال، وكلمة الحكمة ذُكرت لا يقل عن سبعة وتسعين مرة، وان دل ذلك على شيء فانه يؤكد حاجتنا الماسة لهذه الحكمة الالهية، والتي مصدرها الرب ذاته، كتابه المقدس وارشاد روحه القدوس لنا. وفي كتاب الامثال يذكر سليمان اهمية الحكمة في حياتنا العملية اليومية، وكيف ان حكمة المرأة تبني بيتها، وبان بدء الحكمة مخافة الرب، ومعرفة القدوس فهم.

ما احوجنا اخوتي في هذه الايام الصعبة والمعقدة لهذه الحكمة الالهية السماوية، في تعاملاتنا اليومية مع شريك الحياة والاولاد، اخوتنا في الكنيسة وتحديات الخدمة وصعوبات الحياة، فعلى اي نوع حكمة تأسست حياتنا الروحية والمادية ايضًا؟

يخاطب يعقوب المؤمنين قائلًا:
"من هو حكيم وعالم بينكم، فَليُرِ أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة" ( يعقوب 13/3).

ولكن ان كان لكم غيرة مُرَّة وتحزب في قلوبكم، فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق.

ان كان في قلوبنا غيرة وتحزب وحسد فهذا ليس حسب مشيئة الله لنا كافراد، عائلات او حتى كنائس، كيف نتعامل نحن مع بعضنا البعض؟ في "الحكمة" الارضية الشيطانية ام تلك السماوية؟

علينا ان نفحص قلوبنا كل يوم وفي كل توجه قلبي وقرار يومي، ما هو الدافع الباطني لقراراتي واختياراتي، هل ترضي الله؟ هل هي فقط لخيري وحدي حتى لو كان الامر يسبب الضرر للآخر حتى لو كان "عدوي" ! لاننا ان لم نتبع الحكمة السماوية، فلا نستغرب اذا رأينا التشويش وكل امر رديء يملأ قلوبنا وافكارنا، بيوتنا او حتى كنائسنا!

ذكر لنا يعقوب صفات الحكمة التي هي من فوق بانها:
- طاهرة:

لتكن صلاتنا اجمعين بان يملأنا الله من حكمته المقدسة والطاهرة، التي تستعمل اساليب طاهرة وصحيحة في التعامل مع الآخر، لا تراوغ ولا تماحك بالكلام، ترفض الغش والخداع والازدواجية في الآراء، انها بكل بساطة طاهرة، لا تطلب ما لنفسها بل ما هو للآخر ايضًا، لا تقول انا وفقط انا، بل تشعر مع الآخر باحتياجاته الروحية والمادية ايضًا.

- مسالمة:
تبذل قصارى جهدها وكل ما بوسعها لكي تكون بعلاقة حسنة وطيبة مع الجميع، مع المؤمنين وغير المؤمنين، لا تدين احد ولا تتكبر على احد لانها مسالمة ! تتبع وصية الرب بان نسالم جميع الناس حسب طاقتنا ( رومية 18/12)، وبان لا نكون حكماء عند انفسنا.

- مترفقة:
انها ليست فقط مسالمة بل ومترفقة ايضًا، حتى لو سببوا الضرر لها فانها تتأنى وتترفق، لا ترد الشر بالشر لكن الشر بالخير، لكي تجمع جمر نار على رأس المعاندين والمقاومين، لعلهم يستفيقوا من فخ ابليس الذي اقتنصهم لنفسه، ولا تفرح بضرر الآخر حتى لو كان العدو واشر الناس!

- مذعنة:
نعم انها مطيعة حتى الموت، وتصلي كل يوم انه ينبغي اني انا انقص ( الانا والذات ) وهو يزيد ( يسوع المسيح ).

تعلمت من السيد الذي اطاع حتى الموت، موت الصليب، الذي اخلى نفسه آخذ صورة عبد، صائر في شبه الناس.

انها لا تعاند ولا تقاوم بشدة، دائمًا وعلى كل شيء، ولاتفه الاسباب، لا تعاند شريك الحياة والاخ في الكنيسة، بل تطيع وتخضع لكلمة الله وارشاد روحه القدوس، تطيع القادة الروحيين في الكنيسة بل وتخضع بالمحبة لك المؤمنين.

- مملوة رحمة واثمار صالحة:
انها ليست "بياعة كلام"! بل تقدم نفسها دائمًا للآخر، بصلاواتها ووقتها وتعزياتها للآخر وحتى ايضًا اموالها، ولكن دافعها الحقيقي هو الرحمة، وليس حُب الظهور، وهي تحمل في باطنها اثمار صالحة قد اعدها لها الله منذ تأسيس العالم، لكي تمجد الرب بها.

- عديمة الريب والرياء:
ومن منا اخوتي لا يخاف احيانا ولا يشك! ولكن حكمة الرب المباركة تعيننا بكل ظروف حياتنا، بان نتكل على الآب القدوس والرب يسوع المسيح، واذا كان عندنا اليقين بان عند الرب افكار سلام نحونا، فلماذا اذًا الريب والشك؟! وحتى وان ضعف ايماننا وشككنا مثل سمعان بطرس، فلا يتركنا وحدنا نتخبط في وحدتنا وشكوكنا، بل بحكمته يرفعنا ويثبت على صخرة ارجلنا...

وعندما نختبر شخصه المبارك، حكمته ومحبته لنا ولكل انسان، فان الرياء يتلاشى رويدًا رويدًا من حياتنا، ونتشبه به ونتغير حسب صورته ومثاله، بصدقه وعدم ريائه، بل هو الذي حذرنا من رياء الفريسيين!

لتكن صرخة كل واحد منا لالهنا المحب والمبارك، بان يفرغنا من ذواتنا وحكمتنا الارضية النفسانية والشيطانية، ويملأ قلوبنا بحكمته السماوية، وعندها سوف نختبر وبكل قوة، ثمر البِر الذي يُزرَع في السلام، من الذين يفعلون السلام.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا