ما زلنا في أيام المخاض... وفي هذه الأيام بالذات نحتاج إلى "القوة للولادة" كما ذكرنا في المقال السابق، وهذه القوة يمنحها الله بالروح القدس. نحتاج قوة كي تبقى محبتنا لله ولبعضنا متأججة كي لا تبرد، ونحتاج قوة لنقاوم العدو ونسترد النفوس من قبضته اللعينة – استرداد ملكوت الله على الأرض.

هناك قصة في العهد القديم، حدثت في أيام حزقيا الملك (2 مل 18 – 19)، عندما صعد سنحاريب ملك أشور لمحاربته، وقبل البدء بالمعركة أرسل إليه سنحاريب رسلا (ربشاقى) ليوقعوا الخوف في قلب حزقيا وقلب الشعب، وابتدأوا يعددون بطولات سنحاريب وكيف أنه انتصر في المعارك التي خاضها، عندها يقول في مطلع إصحاح 19 من سفر ملوك الثاني:

"1. فلما سمع الملك حزقيا ذلك مزق ثيابه وتغطى بمسح ودخل بيت الرب. 2. وأرسل ألياقيم الذي على البيت وشبنة الكاتب وشيوخ الكهنة متغطين بمسح الى أشعياء النبي ابن آموص. 3. فقالوا له هكذا يقول حزقيا. هذا اليوم يوم شدة وتأديب واهانة. لأن الأجنة قد دنت الى المولد ولا قوة للولادة." (2 مل 19: 1 – 3).

أي أن حزقيا يصرخ إلى أشعياء النبي أنني موجود في أيام المخاض، ولكن للأسف يخبره بالمأساة أنه "لا قوة للولادة"، وعندها يرسل إليه أشعياء ألا يخاف، وأعطى الرب لحزقيا وللشعب نصرة على سنحاريب.

خلاصة الحديث: في أيام المخاض التي نعيشها نحتاج إلى "قوة للولادة" ... أيام المخاض التي يقول عنها حزقيا أيام "شدة وتأديب وإهانة".

نلاحظ ماذا فعل حزقيا في أيام المخاض:

مرحلة 1 – التذلل أمام الرب:

يقول عن حزقيا أنه بعد أن سمع تهديدات سنحاريب:

(1) مزق ثيابه.

(2) تغطى بمسح.

(3) دخل بيت الرب.

أي أن حزقيا تذلل أمام الرب، انسحق قلبه انسحاقا ووجّه قلبه بالكامل أمام الله، تاب واعترف بضعفه أمام الله ودخل بيت الرب أي اقترب من الرب وطلبه من كل قلبه. نلاحظ كذلك أن شبنة الكاتب وشيوخ الكهنة تذللوا أمام الله ودخلوا إلى أشعياء بالمسوح...

(1) مزق ثيابه: يقول في سفر يوئيل: "مزقوا قلوبكم لا ثيابكم"، ولكن علامة التذلل والانكسار والتواضع أمام الله كانت أن حزقيا مزق ثيابه ... وكانت هذه علامة التذلل في القديم. السؤال كم نحن "نمزق قلوبنا" تذللا أمام الرب ...

(2) تغطى بمسوح: غطاء من الشعر أو "الخيش"، علامة تذلل وانفراز وعدم عمل أي شيء سوى التذلل والتفرغ لطلب وجه الرب.

(3) دخل بيت الرب: طلب وجه الرب، ركز أنظاره على الرب وحده، مارس وسائط النعمة بحياة الصلاة والصوم والتذلل والتواضع، وإعلان أن مصدر القوة هي من الله وهو الضابط لكل شيء. اقترب من الله يوما فيوما لطلب وجهه.

بداية التذلل وطلب وجه الرب تبدأ من القيادة، ثم تنتشر إلى كل الشعب...

ما زلنا في ذروة آلام المخاض وحرب ابليس الشرسة ضدنا...

مرحلة 2 _ صراخ الولادة (2 مل 19: 14 – 91):

بعد هذه المرحلة من التخويف، يرجع سنحاريب ويرسل رسائل تهديد، فيها يقول إنه القوي الذي لم يُهزم أبدا، وهذا يذكرنا بتخويفات وتهديدات ابليس، الذي يزأر كالأسد محاولا ابتلاع أولاد الرب. يقول عن حزقيا أنه بعد أن سمع تهديدات سنحاريب صلى صلاة هزت أبواب السماء وحركت قلب الله لأنها صاعدة من قلب متذلل الذي يصرخ أنه ليس بقوتنا يا رب، لأنه بدونك لا نستطيع، لكن بقوتك أنت ... ربشاقى، الذي أرسله سنحاريب للمرة الثانية، بعث رسائل تهديد وتخويف كي يقنع حزقيا بالاستسلام. وكان رد فعل حزقيا (الثاني) كالتالي:

" 14 فاخذ حزقيا الرسائل من ايدي الرسل وقراها ثم صعد الى بيت الرب ونشرها حزقيا امام الرب 15 .وصلى حزقيا امام الرب وقال ايها الرب اله اسرائيل الجالس فوق الكروبيم انت هو الاله وحدك لكل ممالك الارض انت صنعت السماء والارض 16 .امل يا رب اذنك واسمع. وافتح يا رب عينيك وانظر واسمع كلام سنحاريب الذي ارسله ليعير الله الحي 17. حقا يا رب ان ملوك اشور قد خربوا الامم واراضيهم 18 .ودفعوا الهتهم الى النار ولانهم ليسوا الهة بل صنعة ايدي الناس خشب وحجر فابادوهم 19 .والان ايها الرب الهنا خلصنا من يده فتعلم ممالك الارض كلها انك انت الرب الاله وحدك 20 فارسل اشعياء بن اموص الى حزقيا قائلا. هكذا قال الرب اله اسرائيل الذي صليت اليه من جهة سنحاريب ملك اشور. قد سمعت."

هذه الصلاة يمكن أن نسميها "صرخة الولادة"، صلاها حزقيا بعد أن تذلل أمام الرب وتاب وأعلن ضعفه وأعلن أنه بدون الرب سينهزم لا محالة أمام سنحاريب.

في صلاته يقول حزقيا للرب إنه صحيح أن سنحاريب أقوى مني لأنه هزم أمما كثيرة، مع أن الهته ليست الرب بل آلهة خشب وحجر وأصنام، وبنفس الوقت يعلن حزقيا أنك أنت يا رب أقوى منه ومن "آلهته" وتستطيع أن تهزمه لأنك أنت الله وحدك الإله الحقيقي.

مرحلة 3 – الولادة:

يقول في تتمة القصة أن الرب كلم أشعياء بغباوة سنحاريب وكبريائه وتشامخه على الله، وبالتالي العقاب الذي يلي ذلك، ويعلن في نهاية القصة الاستجابة – الولادة ويقول:

" 34 واحامي عن هذه المدينة لاخلصها من اجل نفسي ومن اجل داود عبدي 35 وكان في تلك الليلة ان ملاك الرب خرج وضرب من جيش اشور مئة الف وخمسة وثمانين الفا. ولما بكروا صباحا اذا هم جميعا جثث ميتة 36. فانصرف سنحاريب ملك اشور وذهب راجعا واقام في نينوى 37 .وفيما هو ساجد في بيت نسروخ الهه ضربه ادرملك وشراصر ابناه بالسيف ونجوا الى ارض اراراط وملك اسرحدون ابنه عوضا عنه".

ما حدث بعد التمخض والتذلل والأنين الروحي وطلب وجه الرب هو أن الرب أرسل ملاكه وضرب 185،000 من جيش سنحاريب، وهكذا بليلة واحدة انهزم جيش العدو وأعطى الرب نصرة لشعبه، وهكذا تمت الولادة الروحية: حرية وخلاص وعتق من العبودية، نفوس كثيرة تحررت من قبضة ابليس وتهديداته.

أنواع المخاض:

يقول في رومية 8: 22 إن كل الخليقة تئن وتتمخض معا إلى الآن، وبولس يتحدث عن الآلام التي يشهدها الزمان الحاضر، طيلة حياتنا على الأرض، فيقول (الآيات 18 – 26):

18فاني احسب ان الام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد ان يستعلن فينا19 .لان انتظار الخليقة يتوقع استعلان ابناء الله 20 .اذ اخضعت الخليقة للبطل ليس طوعا، بل من اجل الذي اخضعها على الرجاء 21 .لان الخليقة نفسها ايضا ستعتق من عبودية الفساد الى حرية مجد اولاد الله 22 .فاننا نعلم ان كل الخليقة تئن وتتمخض معا الى الان 23 .وليس هكذا فقط، بل نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن انفسنا ايضا نئن في انفسنا، متوقعين التبني فداء اجسادنا 24 .لاننا بالرجاء خلصنا. ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء، لان ما ينظره احد كيف يرجوه ايضا؟ 25ولكن ان كنا نرجو ما لسنا ننظره فاننا نتوقعه بالصبر 26 .وكذلك الروح ايضا يعين ضعفاتنا، لاننا لسنا نعلم ما نصلي لاجله كما ينبغي. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بانات لا ينطق بها

إذن هناك نوعان من المخاض، المخاض الروحي الذي يأتي بالحياة التي يمنحها الله بالروح القدس الساكن فينا، كما رأينا في قصة حزقيا، والنتيجة هي حياة جديدة لنفوس كثيرة، والنوع الآخر هو المخاض الجسدي الذي ينتج من جراء الخطية التي تسود في حياة الانسان، فيئن ويتمخض بالآلام التي نراها حولنا ممن لا يعرفون الله، والنتيجة هي الموت الروحي والجسدي.

نوع المخاض يتحدد في "نوع الحمل"، فإذا كان الحمل روحي، أي أن الروح القدس ساكن فينا، فالنتيجة هي مخاض بالروح: الأنات التي ينطقها الروح القدس فينا والتي يشفع فينا من خلالها كما قرأنا، والنتيجة هي ولادات روحية، أما إذا كان الحمل جسدي، أي الخطية، فالنتيجة هي أن

مخاض وآلام هذا الحمل سوف ينتج موتا كما قلنا، وهذا ليس بالغريب، لأن يعقوب في رسالته يقول ذلك صريحا:

13لا يقل احد اذا جرب: «اني اجرب من قبل الله»، لان الله غير مجرب بالشرور، وهو لا يجرب احدا 14 .ولكن كل واحد يجرب اذا انجذب وانخدع من شهوته 15 .ثم الشهوة اذا حبلت تلد خطية، والخطية اذا كملت تنتج موتا 16 .لا تضلوا يا اخوتي الاحباء 17 .كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق، نازلة من عند ابي الانوار، الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران 18 .شاء فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه.

نقرأ في أشعياء النبي في خاتمة سفره (إصحاح 66):

6صوت ضجيج من المدينة صوت من الهيكل صوت الرب مجازيا اعداءه 7 .قبل ان ياخذها الطلق ولدت.قبل ان ياتي عليها المخاض ولدت ذكرا 8من سمع مثل هذا.من راى مثل هذه.هل تمخض بلاد في يوم واحد.او تولد امة دفعة واحدة.فقد مخضت صهيون بل ولدت بنيها.

هل تولد أمة بيوم؟ والإجابة هي نعم، كما أعطى الرب الخلاص لشعبه في ليلة واحدة فحدثت ولادة لأمة كاملة، وذلك بعد المخاض والأنين الذي تمخضه حزقيا وشعبه.

يجب أن ندرك أننا في أيام المخاض، وبالتالي على كنيسة الرب المفدية أن تتمخض المخاض الصحيح، واتخاذ الخطوات التي أتخذها حزقيا ومن معه، نصرخ إلى الرب من كل قلوبنا كما تصرخ المرأة التي تلد، كي يستجيب الرب وتتم الولادة، ونحن نتحدث عن صراخ القلب (وليس بالضرورة الصوت العالي) والتذلل أمام الرب، كي تحدث الولادات الروحية لولادة نفوس جديدة فيفرح قلب الآب وتفرح قلوبنا، عندا نستطيع أن نهتف ونقول:

"حولت نوحي إلى رقص لي، حللت مسحي ومنطقتني فرحا" (مزمور 30: 11).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا