النجم عند ولادة يسوع الطفل

تكثر في شهر كانون الاول الزينة والاضاءة في بلادنا، بل ونقول في انحاء العالم اجمع، فنرى الناس منشغلة بالتحضيرات الكثيرة، المشتريات والانشغال بأمور كثيرة وبشكل خاص في اخر اسبوع، والملفت للنظر ايضا هو انشغال الناس حتى من الخلفيات والاديان الاخرى، وهنالك حتى من يشارك في تزيين شجرة الميلاد في بيته وحتى هدايا بابا ناويل.

انها اجواء جميلة، مرحة وجذابة ايضا، نسمع فيها ترانيم ميلادية في شوارعنا، كنائسنا وبيوتنا ايضا، تذكرنا بميلاد رب المجد يسوع المسيح، وترجعنا الى ايام الطفولة عندما كنا ننتظر هذه الاجواء من عام لآخر.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو، عندما ولد ربنا المبارك، هل سادت هذه الاجواء الجميلة في بيت لحم اليهودية؟ كيف استقبل البشر تجسد الله؟ وما هو جوهر رسالة الميلاد للامم والشعوب؟

نقرأ في العهد القديم عن مجيء المسيح من سلالة يهوذا، اي نسل ابراهيم، اسحاق ويعقوب، وهذا ما يؤكده متى ولوقا في الاناجيل، ان الرب يسوع المسيح هو من نسل الملك داود (نسل امه مريم وخطيبها يوسف النجار)، لذلك نقرأ في الاناجيل عن المسيح انه ابن داود، اي من سلالة الملك. وكما نعلم ايضا انه هنالك العديد من الاعلانات في العهد القديم التي تخبرنا جميعها عن المسيح، تجسده، حياته، صلبه، قيامته ومجيئه الثاني ليدين الاحياء والاموات.

كما وتنبأ اشعياء عن مجيء يوحنا المعمدان، رسالته القوية التي كان لا بد ان يخبر بها قبل ظهور المسيح، فهذا ما قاله اشعياء ان المعمدان سوف يكون صوت صارخ في البرية، اعدوا طريق الرب، قَوّموا في القفر سبيلاً لإلهنا (اشعياء 40:3).

لقد جاء يوحنا المعمدان كما تنبأ الكتاب، وصرخ في البرية مقدما رسالة توبة ورجوع الى الله الحي، وهو بالفعل اعد طريق الرب، أعلن اسم الرب، خلاص الرب، بل وصرخ قائلا للشعب ان يصنعوا ثمار تليق بالتوبة!


وبعد مرور مئات السنين عن رحيله، وبعد ان ظن ملوك الارض انه بقطع رأسه، هم قادرون ان يُسكِتوا ذلك الصوت المبارك، فها نحن نشهد في ايامنا هذه ان رسالة المعمدان ما زالت حية وفعالة.

نعم فان الروح الذي كان يُبوِق من خلال المعمدان، ما زال يبوق في مدننا، قرانا وحاراتنا، شوارعنا، كنائسنا بل وفي قلوبنا ايضا ويدعوا كل منا ان نقدم ثمار تليق بالتوبة، وبان نرجع الى الله الحي، وان نهرب من الغضب الاتي.

احبائي انا اتكلم وبألم شديد عندما ارى كل هذه البرامج والاحتفالات في بلادنا، وقد فقدنا المعنى الحقيقي للميلاد. فهذا وللأسف الشديد المشهد الذي يهيمن على الاجواء بشكل عام، اجواء مرح سطحية، لا صلة ولا علاقة لها بتجسد الرب ورسالة الميلاد الحقيقية، اجواء صاخبة، احتفالات، سكر، طرب وما شابه...

اعتدنا ولسنين طويلة ان نحيي ذكرى ميلاد الحبيب في تاريخ معين، وها التاريخ أصبح واقع مرير في بلادنا وحياتنا. لا نريد بل ونرفض من كل القلب ان نسير في خطى من قدس السبت، ونسي رب السبت، لأني أؤمن من كل قلبي ان الرب يقدس لنا كل ايامنا بل وقلوبنا ايضا، إذا تبعنا خطواته بكل وداعة وتواضع ومخافة الله، وهو الذي يكلل السنة بجوده، لان اثاره تقطر دسما...

فنحن لسنا بحاجة الى تاريخ، يوم، اسبوع او شهر معين لنتذكر ميلاد يسوع، حبيبنا، ربنا وسيدنا المبارك، او حتى صلبه وقيامته! فهو الذي وعد بانه معنا كل الايام الى انقضاء الدهر، وهو العامل فينا كل يوم، هو الذي يباركنا ويسدد عوزنا كل يوم، هو وحده الذي لا ينعس ولا ينام.

بل ونقول انه هو الحي معنا وفينا ايضا، وروحه القدوس الذي حل عليه بصورة حمامة بعد عماده، ما زال يذكرنا به، يخبرنا عنه بل يغيرنا الى صورته ومثاله...

لقد تنبأ الكتاب عن المعمدان انه يكون عظيماً امام الرب، بل وشهد المسيح انه بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان، مع انه كان عظيما برسالته وخدمته، لكنه ضعف وشك ايضا بالمسيح، وارسله اثنين من تلاميذه قائلا: انت هو الاتي ام ننتظر آخر؟

اخوتي واخواتي حتى العظيم هذا شك، فلا نفشل ولا نخور نحن ان ضعف ايماننا، او حتى اذا شككنا، لأننا نعلم ان الذي رفع شأن يوحنا المعمدان وعزاه، قادر ان يفعل معنا هكذا، خاصة في هذه الايام الصعبة التي نمر بها، فكما قرأنا ان يوحنا كان عظيما امام الرب، اما عن مخلصنا، سيدنا وربنا يسوع المسيح نقرأ في لوقا 1:32 ان هذا يكون عظيما ( من دون امام الرب ) لأنه بالفعل العظيم وحده وابن العلي يدعى، ومن اتكل عليه لا يخزى، بل يرى مجد الرب في حياته.

احبائي، رسالة الميلاد هي ليست رسالة سطحية، بل تحمل لنا محبة قلب الآب لشعبه بل للبشرية اجمع، انها دعوة الله للرجوع اليه من كل القلب، معترفين بخطايانا ومقدمين ثمار تليق بالتوبة، وبعدها معتمدين على اسم الآب والابن والروح القدس.

فهذا ما قاله يوحنا عندما نظر يسوع مقبلا اليه:

هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم، وهذا ما فعله يسوع على الصليب عندما اخذ خطايانا في جسده، فهل اعترفنا بخطايانا ونلنا الغفران والخلاص والحياة الابدية، ام ما زلنا اموات في خطايانا وشهواتنا؟ محتفلين كل سنة بمناسبة عيد الميلاد المجيد، من دون ان نختبر في حياتنا المجد الحقيقي، مجد الرب وخلاصه المبارك، فدعونا اخوتي ان لا يحكم علينا أحد في اكل او شرب، لان ملكوت الله ليس اكل وشرب، ولا يحكم علينا أحد من جهة عيد او هلال او سبت (كولوسي 2:16)، كذلك بعد ان عرفنا الله، بل بالحري عُرفنا من الله، دعونا لا نرجع ايضا الى الاركان الضعيفة الفقيرة، وان لا نُستعبد لها من جديد، فهذا ما حذر منه بولس ان لا نحفظ اياماً وشهورًا واوقاتًا وسنينَ (غلاطية 10-4:9).

دعونا لا نظن ان الله يباركنا فقط في "شهر الميلاد" او في "شهر الفصح"، انه الرب الاله، معنا كل ايام حياتنا، في وقته يسرع به، طرقه ليست كطرقنا، دعونا لا نحد جبروته ومجده فقط في هذه الاعياد، مع كونها ذكرى مباركة ومجيدة، ولكن ربنا يطلب أكثر من ذكره، يطلب القلب، والنفس، يطلب التكريس الكامل لشخصه المبارك ولملكوته كل ايام حياتنا التي يعطينا هنا على الارض.

انها رسالة الميلاد، ولكن هذه المرة ليس في مذود بيت لحم، ولكن في قلوب البشر، مقدمين لله توبة حقيقية، والرجوع اليه من كل القلب، لكي يكون فرحنا مجيدا بربنا ومخلصنا يسوع المسيح، ليس كفرح العالم، ولكن فرح من اختصاصه هو وحده، ليس فرح وترنم وخلاص يحده شهر او شهرين، بل تترنم له الملائكة مع القديسين وشعب الرب كل ايام حياتنا، الى يوم رجوعه وقضاء الابدية معه في السماء، له كل المجد والاكرام والسجود الى الابد، امين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا