إشارات إنجيل يوحنّا إلى العهد القديم ــ ج3 فعّاليّة الروح القدس

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

نقرأ في الأصحاح الثالث من إنجيل يوحنّا الحبيب 1 يسوع يَعِظ نيقوديموس (1) ليلا 26 شهادة يوحنّا المعمذان للمسيح.

وفي هذا الأصحاح إشارتان:-
الإشارة الأولى
في جواب السيد المسيح على سؤال نيقوديموس: {الريح تهبّ حيث تشاء، وتسمع صوتها، لكنك لا تعلم مِن أين تأتي ولا إلى أين تذهب. هكذا كلّ مَن وُلِدَ مِن الرُّوح}+ يوحنّا 3: 8
والإشارة إلى {المُصعِد السّحاب من أقاصي الارض. الصّانع بُرُوقًا للمطر. المُخرِج الريح مِن خزائنه}+ المزامير 135: 7 
وفي التفسير المسيحي- بتصرّف: [يشرح السيد المسيح لنيقوديموس أن للولادة من الروح قوة غير منظورة للتغيير، فيتغير الإنسان ويصير إنسانًا جديدا. كمَن وُلد من جديد.
إنّ كلمتي روح وريح في العبرية واليونانية هي كلمة واحدة. والمعنى: كما تتحرك أوراق الشجرة فنعرف أنها تعرضت لريح، هكذا المولود من الروح، تظهر عليه علامات عمل الروح القدس بوضوح وتظهر قوة في كلامه وتصرفاته وفهمه ومحبته وحكمته... إلخ من الصفات الحسنة. هذا هو التغيير بالروح (انظر-ي رومية 8: 13) ولكن هذا يحصل لكل من يجاهد (روحيًّا) فيُعِين الروح ضعفاته (رومية 8: 26) وهذا أيضًا ما أسماه بولس الرسول ختان القلب بالروح (رومية 2: 29) أي إزالة الشهوات الخاطئة من داخل القلب كمَن يقطعها بمشرط الختان. إذًا يولد الإنسان من الروح فيوجد داخله إنسان جديد روحي يقوده الروح، فالروح القدس يقود الروح الإنسانية، ويقودنا الروح القدس، الذي نحصل عليه في سرّ الميرون (2) بعد المعمودية، لتتجدد طبيعتنا ونصير خليقة جديدة]- بقلم القس أنطونيوس فكري.

وفي تفسير مسيحي آخر- بتصرّف: [بدا التعجب واضحًا على وجه نيقوديموس من جهة الولادة الثانية ولذلك وضح له الرب الأمر بوجود أسرار، في الطبيعة التي حولنا، لا نستطيع أن نفهمها: فكما أننا لا نرى الريح ولكن نشعر بقوتها ونسمع صوتها، كذا كُلّ مَن وُلد من الروح القدس وحصل على الطبيعة الجديدة. وفوق ذلك؛ يسكن الروح القدس في هذه الطبيعة، فيحوّل المرأة العالمية (الدنيوية) إلى امرأة وديعة مُصَلِّية، ويحوّل الفاجر الشرير إلى قدّيس... هذا هو عمل الروح القدس والذي وإن كنّا لا نراه، كما لا نرى الريح، إلّا أن عمله في المؤمن المولود من الله (ولادة روحية) يكون ظاهرًا وجليّا.
ونستطيع أن نستمر في المقارنة ما بين الريح والروح، فالريح تهب حيث تشاء، فإنّ لها سيادة على نشاطها ولا تخضع لإرادة الإنسان أو تنظيماته، كذا الروح فهو يعمل حيث يشاء. وكما أن الريح لا يمكن أن تقاوَم حين تكون في ملء قوتها، حيث تكسح في طريقها كل شيء، كذا الروح لا يمكن أن يقف في طريق عمله عصيانُ الإنسان الخاطئ وتمرده وشروره وفساده، يستطيع الروح أن يكتسح من أمامه كل شيء في ذلك الإنسان. وكما أن الريح ليس لها نظام محدد إذ تكون عاصفة أحيانًا ولها زئير عال قد يُسمَع من مسافات بعيدة نسبيًّا، هكذا الحال مع الروح القدس؛ إذ يعمل في بعض الناس بهدوء وفي بعضهم الآخر بقوّة. وقد تكون دائرة هبوب الريح محليّة، وقد تمتد في أحيان أخرى إلى مناطق واسعة، كذا عمل الروح القدس؛ قد يكون محلِّيّا إذ يجدد شخصًا واحدا، وأحيانًا أخرى جماهيريّا إذ يتجدد الآلاف لسبب موعظة واحدة. وكما أن الريح لا يمكن تحديد مصدرها ولا وجهتها ولا زمن هبوبها ولا زمن هدوئها، كذلك الروح القدس لا يخضع لنظام معين في عمله، ولا يمكن لإنسان أن يتنبأ بمكان حلوله والزمان]- بقلم هلال أمين.

يسوع يعلم نيقوديموس

الإشارة الثانية 

أشار السيد المسيح بقوله {14 وكما رفع موسى الحَيَّة في البرِّيَّة هكذا ينبغي أن يُرفَعَ ابن الإنسان، 15 لكي لا يهلك كلّ مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية}+
وفي الآية الـ14 إشارة واضحة إلى العهد القديم: {فصنع موسى حَيّة من نحاس ووضعها على الراية، فكان متى لدغت حَيّة انسانًا ونظر الى حَيّة النحاس يحيا}+ العدد 21: 9

وفي التفسير المسيحي- بتصرّف:
[لا يخفى أنّ هذا الفصل مِن أعزَّ أقوال الله عند المؤمنين بحيث أنهُ يعلن لنا بالاختصار لزوم موت المسيح ونتيجته العظيمة لكل مَنْ يؤمن به. ومع ذلك أن محبة الله هي مصدر عمل الفداء. فلذلك يتخذ الذين يُنادون ببشارة الخلاص للخطاة هذا الفصل موضوعَ خطابهم أكثر من سواه. فلننظر:
أوّلًا- إلى عمل موسى المُشار إليهِ بقوله: {وكما رفع موسى الحيَّة في البرية...} فهذه حال إسرائيل خصوصًا وحال البشر عمومًا، كما سبق للوحي أن شهد قبل الطوفان، إذ رأى الرب أنّ شرَّ الإنسان قد كثر في الأرض (انظر-ي التكوين 6: 5) فإذ ثبت شرُّهم استحقّوا الدينونة المُقبلة عليهم. كذا كان إسرائيل في البرية، لأن مراحم الله المتوالية لم تُليّن قلوبهم، بل تكلَّموا على الله! فعرَّضوا أنفسهم للدينونة بالعدل. فأرسل الرب على الشعب الحيَّات المُحرقة فلدغت الشعب، فمات كثيرون من إسرائيل. فأتى الشعب إلى موسى وقالوا: قد أخطأنا إذ تكلمنا على الرب وعليك فصلِّ إلى الرب ليرفع عنا الحيَّات. فصلّى موسى لأجل الشعب. فقال الرب لموسى اصنع لك حيَّة مُحرقة وضعها على راية فكل مَنْ لُدِغ ونظر إليها يحيا (العدد 21: 6-9) فجعلهم الله يحصدون ثمر الخطية ويختبرون كل ما للحية القديمة من قوة مميتة، وقَرَنها أيضًا بقضائهِ العادل عليهم، لم يكن لأحدٍ منهم شفاءٌ إلّا بالنظر إلى الحية الأخرى المرفوعة على الراية بأمره. لم يكن فيها سمٌّ مع أنها صُنعت في شبه الحيَّات السّامّة التي سبَّبت الموت بلدغتها.
فقيل عن هيئة المسيح وإجراء دينونة الله فيهِ لأجل الخطية التالي: {لأنهُ ما كان الناموس عاجزًا عنهُ، في ما كان ضعيفًا في الجسد، فالله إذ أرسل ابنهُ في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد}+ رومية 8: 3 وأيضًا: {لأنهُ جعل الذي لم يعرف خطيةً، خطيةً لأجلنا، لنصير نحن برَّ الله فيه}+ كورنثوس الثانية 5: 21 فأرسلهُ الله في شبه جسد الخطية، مع أنهُ لم يعرف خطية كشيء فيه، لكي يحمل الدينونة العادلة بدلًا عنّا، كأنّما تبادل معنا المقام؛ فأخذ مقامَنا الأثيم وأعطانا مقامَهُ المبرور.

ثانيًا- لزوم موت المسيح بحسب مشورة الله كقوله: {هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان} إذ سبق أن قال لنيقوديموس: {ينبغي أن تُولدوا من فوق}+ يوحنّا 3: 7 وكان ذلك بمُقتضى حالتنا كأموات روحيَّا، أمّا هنا فيذكر شيئًا آخر ينبغي أن يحصل وهو رفع ابن الإنسان على الصليب بمُقتضى ولادتنا ثانية! وما أعزَّ السبب الذي أوجب أن ابن الإنسان يموت عنا (انظر-ي عِبرانيّين 10: 7-10) فقولهُ {ينبغي} يُشير إلى مشيئة الله الأزلية التي عيَّنتهُ حَمَلًا (الصَّغير من الضأن) أو ذبيحة ثم قادتهُ مُطيعًا إلى المذبح.

ثالثًا- المقصد بارتفاعهِ على الصليب كقوله: {لكي لا يهلك كل مَنْ يؤمن بهِ بل تكون لهُ الحياة الأبدية} هو أنّ الهلاك نقيض الخلاص، والموت الأبدي نقيض الحياة الأبدية؛ فكما أن الهلاك والموت صارا بواسطة دخول الخطيّة إلى العالم، هكذا يصير لكل مؤمن الخلاص والحياة الأبدية بموت المسيح. وكما أن الحادثة الأولى تمَّت بكل تأكيد، هكذا تتمّ الثانية أيضًا بكل تأكيد مَتَى آمَنّا.
لم يكن أقلُّ ريب من جهة شفاء كل إسرائيلي مُصاب بلدغة حيّة إذا نظر إلى الحيَّة النُحاسية المرفوعة، فكم حَرِيًّا بنا ألّا نرتاب من جهة حصولنا على الخلاص التّامّ والحياة الأبدية إذا نظرنا إلى ابن الإنسان المرفوع على الصليب لأجلنا! وقد كان ذلك لأجل الشفاء الجسدي، وأمّا هذا فلأجل الشفاء الروحي. فكان مطلوبًا من الإسرائيليين المُصابين أن ينظروا إلى ما وُضع لنظرهم، فيُطلب منّا أيضًا أن ننظر روحيًّا إلى المسيح المصلوب لكي نُشفى حالًا من مرض الخطية. ولا يمكن نوال الخلاص والحياة إلّا هكذا.
فنرى هنا موضوع الميلاد الثاني ذاته الذي سبق ذكرهُ في هذا الإصحاح، لأن الحياة الأبدية تبتدئ بالولادة من فوق. وقد رأينا أن كلمة الله هي الواسطة، والروح القدس هو الفاعل في ذلك. ونرى هنا أنّ الولادة الجديدة تتمّ فينا بالإيمان بالمسيح. فتوجد علاقة بين الكلمة والإيمان: {إذًا الإيمان بالخَبَر، والخبرُ بكلمة الله}+ رومية 10: 17
وبينما نصغي إلى كلمة الله يفعل فينا الروح القدس ليعطينا البصيرة والحياة. كما قيل عن ليدية: {ففتح الرب قلبها لتصغي إلى ما كان يقولهُ بولس}+ أعمال الرسل 16: 14 وأيضًا: {لأنّكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع}+ غلاطية 3: 26]- بقلم بنيامين بنكرتن.

وفي تفسير مسيحي مختصر: [كان الرب يسوع مزمعًا أن يكشف الستار عن حقّ سماوي لنيقوديموس. كيف تحصل الولادة الجديدة؟ يجب دفع أجرة خطايا الإنسان، فالناس لا يمكنهم الذهاب إلى السماء بخطاياهم. وكما رفع موسى الحية النحاسية على راية في البرية، عندما لدغت الحيات المحرقة جميع بني إسرائيل، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان (راجع-ي سِفر العدد 21: 4 -9) إذ أُصيب بنو إسرائيل بالإحباط ونفد صبرهم خلال تيهانهم في البرية؛ لذا تذمروا على الرب. وعلى أثر ذلك، أرسل إليهم الرب حيات محرقة لمعاقبتهم، ومات من جرّاء ذلك عدد كبير من الشعب. وعندما صرخ الباقون على قيد الحياة إلى الرب بتوبة صادقة، دعا الرب موسى إلى صنع حيّة من نحاس، وجعلها على راية. فالإسرائيلي الذي لدغته الحية شُفِي، بشكل معجزي، لدى نظره إلى الحية النحاسية.
لقد اقتبس الربّ هذه الحادثة من العهد القديم لتوضيح طريقة حصول الولادة الجديدة. فثعبان الخطية لدغ الرجال والنساء، وجعلهم-نّ تحت حكم الموت الأبدي. كما أن الحية النحاسية كانت مثالًا، أو رمزًا، للرب يسوع. والنحاس، في الكتاب المقدس، يرمز إلى الدينونة.
كان الرب يسوع بلا خطية، ولا يستحق بالتالي أيّ عقاب، لكنّه أخذ مكاننا واحتمل الدينونة التي كانت مِن نصيبنا. كما أنّ الراية تشير إلى صليب الجلجثة حيث رُفِع جسد الرّبّ يسوع، ونحن نخلُص مِن طريق النظر إليه بإيمان]- بقلم وليم ماكدونالد.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
أنّ يوحنّا، بإرشاد من الروح القدس، انتقى من كلام المسيح ما يثبت ألوهيّته ولا سيّما الآيات التي نطق بها المسيح ردًّا على أسئلة الفرّيسيّن (أحبار اليهود) وعلى اعتراضهم على كونه المسيح ابن الله
نقرأ في الأصحاح الثاني من إنجيل يوحنّا اللاهوتي 1 تحويل الماء إلى خمر أفاق بها السكارى 13 إخراج الباعة من هيكل الله 23 إيمان كثيرين بالمسيح لسبب آياته في أورشليم. وفي هذا الأصحاح إشارتان...
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader