إشعياء 6:58-14 "أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. 7أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ.

8حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ. 9حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ. تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هأَنَذَا. إِنْ نَزَعْتَ مِنْ وَسَطِكَ النِّيرَ وَالإِيمَاءَ بِالأصْبُعِ وَكَلاَمَ الإِثْمِ 10وَأَنْفَقْتَ نَفْسَكَ لِلْجَائِعِ، وَأَشْبَعْتَ النَّفْسَ الذَّلِيلَةَ، يُشْرِقُ فِي الظُّلْمَةِ نُورُكَ، وَيَكُونُ ظَلاَمُكَ الدَّامِسُ مِثْلَ الظُّهْرِ. 11وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ. 12وَمِنْكَ تُبْنَى الْخِرَبُ الْقَدِيمَةُ. تُقِيمُ أَسَاسَاتِ دَوْرٍ فَدَوْرٍ، فَيُسَمُّونَكَ: مُرَمِّمَ الثُّغْرَةِ، مُرْجعَ الْمَسَالِكِ لِلسُّكْنَى.
13إِنْ رَدَدْتَ عَنِ السَّبْتِ رِجْلَكَ، عَنْ عَمَلِ مَسَرَّتِكَ يَوْمَ قُدْسِي، وَدَعَوْتَ السَّبْتَ لَذَّةً، وَمُقَدَّسَ الرَّبِّ مُكَرَّمًا، وَأَكْرَمْتَهُ عَنْ عَمَلِ طُرُقِكَ وَعَنْ إِيجَادِ مَسَرَّتِكَ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلاَمِكَ، 14فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالرَّبِّ، وَأُرَكِّبُكَ عَلَى مُرْتَفَعَاتِ الأَرْضِ، وَأُطْعِمُكَ مِيرَاثَ يَعْقُوبَ أَبِيكَ، لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ".

الصوم

مقدمة: صام رجال ونساء الله العظام، مثل النبي موسى، والملك داود، والنّبي إيليا، والملكة أستير، والنّبي دانيال، وحنّة أم صموئيل، وبولس الرسول. والأهم والأعظم هو أن ربنا يسوع المسيح صام في أيام تجسده، وأن صومه قد دام 40 يوماً وليلة. فشعب الله صام في العهد القديم، وصام في العهد الجديد، ويصوم في أيامنا في القرن الحادي والعشرين. وبالنسبة لعدد كبير من المؤمنين، يعتبر الصوم جزءاً أساسياً ورئيسياً من عبادتهم وعلاقتهم مع الله.

ما أسهل أن نفقد تركيزنا على الله وعلى مطالب الله في حياتنا هذه الأيام ، ونلتهي وننشغل في أمور الحياة اليومية الكثيرة. لذلك فإننا كمسيحيين نحتاج من وقت لآخر أن نصوم وأن نُشعل في داخلنا إشتياقاً حقيقيّاً لإطاعة الله وعمل مشيئته. فمن خلال الصوم والصلاة تصبح علاقتنا مع الله ومع الناس في وضع روحي أفضل جداً.

عندما نصلي ونصوم، يجب أن يكون تفكيرنا إيجابياً، أي أنّه يجب علينا أن نؤمن ونصدّق بقوة بأن الله يسمع ويستجيب لصلواتنا، وبأنّه يبارك حياتنا. أما إذا فكرنا بشكل سلبي، ولم نصدّق فعلاً بأن الله يهتم بنا ويستمع لصلواتنا، فإن مثل هذا التفكير الإنهزامي يقود إلى حياة فشل روحي. لذلك فإننا مسئولين أمام الله أن نصلي ونصوم، وأن نتوقع بإيمانً أن يستجيب الله لصلواتنا. فتوقعاتنا من الله لها أكبر الأثر في استجابة صلواتنا.

تذمر شعب الله في أيام النّبي إشعياء بأن صلواتهم وصيامهم كانت بلا قوة وبلا تأثير. وتذمروا على الله وكأنه هو المسئول عن ضعفهم. لقد كانوا سلبيين في تفكيرهم. ولسان حالهم يقول: "لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاَحِظْ؟" (إشعياء 3:58). نجد في جواب الله لهم حقيقة أنّه رأى صومهم، ولكنه رأى أكثر من هذا بكثير. لقد رأى استهتارهم وخطاياهم وشرورهم وعدم توبتهم، كما نقرأ في إشعياء 3:58-4 "هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ. 4هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِ".

ما هو الصوم؟

الصوم بحسب وحي الله في الكتاب المقدس هو الإمتناع عن الطعام من أجل أهداف روحية محددة. أي أنّ الصوم ليس إضراباً عن الطعام، وليس طريقة لنقص الوزن، وليس وسيلة للضغط على الله لكي يباركنا أو يساعدنا أو يحقق لنا أحلامنا. يجب أن نصوم بحسب تعاليم كلمة الله ولأسباب مقدسة بالكامل، فالصوم هو موقف وعمل وطريقة حياة من أجل مساعدتنا في حياتنا الروحية.

يشتمل الصوم في الأساس على الامتناع الكلي عن الطعام، ولا يعني الإمتناع عن الماء. نقرأ في إلإنجيل المقدّس بحسب البشير لوقا 2:4 عن صيام الرب يسوع لمدة 40 يوماً، حيث يقول الكتاب: "وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئاً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيراً". ونقرأ في متى 2:4 "جَاعَ أَخِيراً". أي أنه لا يوجد ذكر لعدم ذكر شرب الماء، ولا يقول الإنجيل بأن الرّب يسوع عطش للماء. ويوجد شكلاً آخر للصوم، كما في حالة النّبي دانيال، الذي صام جزئياً كما نقرأ في سفر نبوّة دانيال 3:10 "لَمْ آكُلْ طَعَاماً شَهِيّاً وَلَمْ يَدْخُلْ فِي فَمِي لَحْمٌ وَلاَ خَمْرٌ". وفي سفر أستير نقرأ عن امتناع كامل عن الطعام وعن الماء كما جاء في سفر أستير 16:4 "وَصُومُوا مِنْ جِهَتِي وَلاَ تَأْكُلُوا وَلاَ تَشْرَبُوا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لَيْلاً وَنَهَاراً. وَأَنَا أَيْضاً وَجَوَارِيَّ نَصُومُ كَذَلِكَ". يجب التنويه هنا أنّ صوم دانيال وصوم أستير يعتبر حالة خاصة وقراراً فرديّاً، أي أنه لا يوجد تشريع سماوي ينصّ على هذا النّوع من الصوم، ولكن النمط السائد في الكتاب المقدس هو أنّ الصّوم هو الإمتناع عن الطعام الصلب لمدة محددة من الوقت من أجل هدف روحي معروف ومقدّس.

الصوم يعني أيضاً ضبط الشهوات الجسديّة الطبيعية، مثل شهوة الطعام والشراب والعشرة الزّوجيّة. نقرأ في رسالة كورنثوس الأولى 27:9 قول بولس الرّسول بوحيٍ من الله: "أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ". ونقرأ قول النّبي داود في مزمور 13:35 "أَذْلَلْتُ بِالصَّوْمِ نَفْسِي".

الصوم في حياة الإنسان المؤمن والكنيسة هو وقت للصلاة (دانيال 3:9، إرمياء 12:14) والتّواضع والإنكسار أمام الله (تثنية 18:9، نحميا 1:9) وقراءة الكتاب المقدس (إرمياء 6:36). لذلك فإنّ كل مؤمن بالرّب يسوع يصوم من وقت إلى آخر، وذلك بحسب قيادة وتوجيه الروح القدس في طريقة الصوم. وتجدر الإشارة هنا أن إلى أنّ عدداً جيّداً من المؤمنين في العالم اليوم قد جعلوا من الصوم المتكرر من وقت لآخر أسلوب حياة روحيّة، ويختبرون نتيجة لذلك حضور الله بقوّةٍ في حياتهم اليوميّة.

ليس كل صوم يرضي الرب: يسأل الرب كل الشعب والكهنة في سفر زكريا 5:7-6 إذا كانوا يصومون من أجل الرب، أم أنّ صومهم كان من أجل غاية أخرى في أنفسهم؟ في العودة الى صوم الشّعب القديم المشار اليه في أشعياء 1:58-5، نجد أنّ هذا الصّوم لم يرض الرب قطعيّاً. كان كثيرين من الناس الأغنياء يستغلون عُمّالهم. والشّعب كانوا يتخاصمون ويضربون أحدهم الآخر. وكانوا مرائين يحاولون ابتزاز الله بالتذمر ونسيان وصاياه. ولمثل هؤلاء قال الله: "هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِ". (إشعياء 4:58).

قال إشعياء بوحي من الله في 6:58 "أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ". وبالتالي فإن الله يوصي بهذا النوع من الصوم. هذا الصوم لا يعطي أهمية تذكر للأكل والشرب والإنقطاع عنهما، ولكن يعطي أهمية كبيرة جداً لإنكار الإنسان لنفسه، وأن يعيش بكليته لله. فالتكريس الكامل لله لا يكون ليوم واحد، بل في كل الأيام وعلى الدوام، أي طالما نحن أحياء.

يطلب الله منا بشكل عام، وخصوصاً وقت الصّوم، أن ننكر أنفسنا، وأن نكسر قيود الظلم، وشد أواصر اللحمة مع غيرنا من النّاس. وتسديد احتياجات المقهورين. وكسر كل نير عبودية. وتأمين مساكن للمشردين والفقراء لحمايتهم. ويطلب منّا الله أيضاً كسوة العريان وإشباع الجوعان وإرواء العطشان. ومساعدة أقربائنا الذين هم من دمنا ولحمنا. ومقاومة كل نير وظلم واستبداد. والإمتناع عن كيل التّهم على الآخرين، أو التّكلم عنهم بالسوء. هذا النوع من الصوم يغير العالم، ويحدث في حياة الصّائم نتائج روحية وجسدية ونفسية هائلة.

هدف الصوم:

لماذا يجب علينا أن نصوم؟ وهل نحن بحاجة حقاً لكي نصوم؟ في متى 16:6-18، يفترض الرّب يسوع المسيح من كلّ من يتبعه أن يصوم من وقت لآخر. فالرب يسوع يقول "فمتى صمت" وليس "أذا أحببت أن تصوم". فالصوم هو طريقة حياة يعيشها الإنسان  المؤمن كأحد جوانب أو مظاهر حياة التقوى، ويجب أن يتعلمها الإنسان منذ حداثته في الإيمان.

من المهم جداً عند الصوم، أن يفحص الناس دوافعهم ونواياهم الخفية. فهل الصوم لكي نحقق مكاسب من الله؟ أو لنحقق مكاسب اجتماعية أمام الناس بأننا متدينين وأتقياء. هل القيام بطقوس دينية يعني رضا الله علينا؟ إن ذلك يعتبر إساءة لشخص الله القدوس لا إرضاءً له. الصوم هو واحد من طرق التعبير عن محبتنا وطاعتنا لله، وإن لم يكن كذلك، فلا داعي له.

أذا أراد الإنسان أن يتغير حقاً، فيجب أن يبدأ صومه أولاً بقلبٍ تائب، أي بطلب غفران خطاياه من الله. فلا يمكن للإنسان أن يبدأ بالصوم وهو يحمل في قلبه خطية أو جملة من الخطايا مثل الكراهية والرّفض والحقد أو اشتهاء أمور رديّة.

1. نصوم إذا كان لدينا رغبة قلبية صادقة في علاقة أعمق وأقوى مع الله. نقرأ في سفر النّبي زكريا 5:7-6 "اِسْأَلْ جَمِيعِ شَعْبِ الأَرْضِ وَالْكَهَنَةِ: لَمَّا صُمْتُمْ وَنُحْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْخَامِسِ وَالشَّهْرِ السَّابِعِ وَذَلِكَ هَذِهِ السَّبْعِينَ سَنَةً فَهَلْ صُمْتُمْ صَوْماً لِي أَنَا؟ وَلَمَّا أَكَلْتُمْ وَلَمَّا شَرِبْتُمْ أَفَمَا كُنْتُمْ أَنْتُمُ الآكِلِينَ وَأَنْتُمُ الشَّارِبِينَ؟". الصوم هو لله وللتركيز في شخص الله. أي أنّ شخص الله القدوس يجب أن يكون مركز الصوم.

2. نصوم لأننا نريد أن نبتعد عن مشاغل وملذات العالم لفترة من الوقت، حتى نركز أكثر على الله. وكأن لسان حالنا يقول لله: يا رب لا يهمّني الطعام هذا اليوم أو هذا الأسبوع، ما يهمّني هو أن أسير معك، وأعرفك أكثر، وأحفظ كلماتك بقراءة كتابك وبالصّلاة لك.

3. نصوم لأننا نريد أن نكون أقرب إلى الله، ولأننا نريد أن نرى وجهه، وأن نختبر حضوره بقوة في حياتنا.

4. نصوم لأن الله يفرح بنا، فالصوم هو طاعة لله، وتشبّهاً بالرّب يسوع المسيح، وخضوع لمشيئة الله، ومقاومة لشهوات الجسد. فالصوم يدرب حواسنا ويساعدنا على ضبطها، فيصبح الإنسان بذلك سيد نفسه لا عبداً لشهوات الجسد.

5. الصوم يساعدنا لنتذكر بأن الله هو الّذي يحافظ على حياتنا، وليس الطعام الجسدي. نقرأ في كولوسي 17:1 "فيه يقوم الكل".

6. نصوم أيضاً من أجل التخلي عن روتين الحياة اليومية وتكريس وقت للرب.

متى يجب أن نصوم؟

هنالك العديد من المواقف في الكتاب المقدس الّتي ترينا أشخاصاً صاموا بمفردهم وكذلك أشخاصاً صاموا معاً، أي بشكل جماعي، وقد صام هؤلاء في ظروف ومناسباتٍ شتّى، مثل:
1. عقب سماع أخبار سيئة. نحميا 4:1، صموئيل الثانية 12:1
2. عند مرض أحد أفراد العائلة أو أحد الأصدقاء أو الإخوة في الكنيسة أو المجتمع.  صموئيل الثاني 16:12، ومزمور 13:35 (مرض ابن داود من بثشبع ثم موته)
3. وقت الحزن على موت شخصٍ عزيز. صموئيل الأولى 13:31، وصموئيل الثانية 35:3 (موت الملك شاول واولاده)
4. وقت الخطر. أستير 16:4، دانيال 18:6، وأعمال الرسل 33:27-34
5. وقت الكوارث التي تهدد الأمة. قضاة 26:20، وأخبار الأيام الثاني 3:20، ويوئيل 14:1؛ 12:2-15
6. وقت القضاء المرعب. إرمياء 9:36، ويونان 5:3-10
7. قبل السفر في رحلة. عزرا 21:8-23
8. وقت الإعتراف العام بالخطايا. نحميا 1:9-2، وصموئيل الأولى 6:7
9. وقت التوبة الشخصية. ملوك الأول 27:21-29، وعزرا 6:10
10. وقت صلاة التشفع من أجل الآخرين. دانيال 9:3
11. الصّوم كرد فعل على إعلان من عند الله. دانيال 1:10-3، وأعمال الرسل 9:9
12. عند رسم أو إرسال خادم في الكنيسة. أعمال الرسل 3:13، 23:14

نتائج الصوم:

يجب علينا عندما نصوم بشكل صحيح، أي بحسب إرادة الله، أن نؤمن ونتوقع نتائج مباركة كثيرة. في العودة إلى سفر إشعياء 58 فإننا نجد أنّ طريقة الصوم أهم من الصوم نفسه. فكيفية الصوم، وما يرافقه من دوافع وأفكار وأعمال، تحدد مدى اتفاق صومنا مع مشيئة الله. فالطريقة التي نعمل بها الأمور من أجل الله أهم من العمل نفسه. فالله يعرف دوافع النّاس هل هي مقدسة أم أنانية وشريرة. لذلك لا ننخدع بالمظاهر الخارجيّة وتمثيل الصّوم وكثرة الحديث عنه.

يمكن للصوم أن يكون اختباراً روحياً عظيماً يرفع النفس البشرية إذا تم بالشكل وبالدافع الصحيح، ويقود بالتالي إلى نتائج صحيحة. نقرأ في سفر إشعياء 58 عن أمور يتوقع الله من شعبه عملها أثناء صومهم، كما ونقرأ وعوداً بالبركات الروحية والمادية. أي أنه يوجد لدينا شرط واستجابة للشرط: فإذا صليت وصمت من أجل أهداف مقدسة وصحيحة، فحينئذٍ:

"يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ
وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعاً 
وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ
وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ. 
حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ
تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هأَنَذَا".
"يُشْرِقُ فِي الظُّلْمَةِ نُورُكَ
وَيَكُونُ ظَلاَمُكَ الدَّامِسُ مِثْلَ الظُّهْرِ.
وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ
وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ
وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ.
وَمِنْكَ تُبْنَى الْخِرَبُ الْقَدِيمَةُ. تُقِيمُ أَسَاسَاتِ دَوْرٍ فَدَوْرٍ، فَيُسَمُّونَكَ: مُرَمِّمَ الثُّغْرَةِ، مُرْجعَ الْمَسَالِكِ لِلسُّكْنَى".
"فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالرَّبِّ،
وَأُرَكِّبُكَ عَلَى مُرْتَفَعَاتِ الأَرْضِ، وَأُطْعِمُكَ مِيرَاثَ يَعْقُوبَ أَبِيكَ"

نجد هنا قائمةً بنتائج وبركات الصوم: نورك يشع كالفجر. وشفاؤك يظهر سريعاً. والبر يتقدمك. والرب يكون حارساً لك. وعندما تطلب يستجيب الرب سؤل قلبك. ونورك يشرق في الظلمة. وليلك يبدو مثل الظهيرة. والرب يرشدك دوماً. وهو يسدد كل احتياجاتك، ويقوي شخصيتك. وتكون حديقة غناء مروية. وتكون ينبوعاً لا ينضب. وشعبك يبني الخرب القديمة. وتصلح وتجدد المجتمع، وتعيش حياة فرح وتلذّذ بحضور الرّب في حياتك. وتحصد بركات أرضيّة وبعدها ميراث الحياة الأبديّة.

يمكننا وضع نتائج الصوم في النقاط التالية:
1- إطلاق قوة الروح القدس في حياتنا الشخصية: قبل بدء خدمته العلنية، صام الرّب يسوع 40 يوماً في البرية بقيادة الروح القدس. صحيح أنه جاع جسدياً، ولكنه تغذى وتقوى في شركته الحبيّة مع الآب السماوي. وهكذا بالنسبة لنا: يساعدنا الصوم أن نركز أكثر في علاقتنا مع الرّب.

2- إطلاق القوة الروحية في الخدمة: نقرأ في أعمال الرسل 1:13-3 "وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ. فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا". نلاحظ هنا أنّ الصوم كان يمارس أثناء خدمة الكنيسة الأولى، وكانت النتيجة انطلاقة جديدة في الخدمة، وفرز خدام للعمل في حقل الرّب.

3- استماع الرّب للصلاة: نقرأ في سفر النّبي دانيال أن استجابة صوم دانيال كانت عندما أرسل الله ملاكه وأعطى دانيال بصيرة وفهماً. نقرأ في دانيال 3:9 "فَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَى اللَّهِ السَّيِّدِ طَالِباً بِـالصَّلاَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ بِـالصَّوْمِ وَالْمَسْحِ وَالرَّمَادِ". ونتابع في دانيال 20:9-23 "وَبَيْنَمَا أَنَا أَتَكَلَّمُ وَأُصَلِّي وَأَعْتَرِفُ بِخَطِيَّتِي وَخَطِيَّةِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ وَأَطْرَحُ تَضَرُّعِي أَمَامَ الرَّبِّ إِلَهِي عَنْ جَبَلِ قُدْسِ إِلَهِي وَأَنَا مُتَكَلِّمٌ بَعْدُ بِـالصَّلاَةِ إِذَا بِـالرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الرُّؤْيَا فِي الاِبْتِدَاءِ مُطَاراً وَاغِفاً لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ الْمَسَاءِ. وَفَهَّمَنِي وَتَكَلَّمَ مَعِي وَقَالَ: يَا دَانِيآلُ إِنِّي خَرَجْتُ الآنَ لِأُعَلِّمَكَ الْفَهْمَ. فِي ابْتِدَاءِ تَضَرُّعَاتِكَ خَرَجَ الأَمْرُ وَأَنَا جِئْتُ لِأُخْبِرَكَ لأَنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوبٌ. فَتَأَمَّلِ الْكَلاَمَ وَافْهَمِ الرُّؤْيَا".

4- الحماية: كان عزرا كاهناً وكاتباً، وعمل على مساعدة شعبه، ومن أجل ذلك صام قبل أن يقوم بأي عمل كما نقرأ في عزرا 21:8-23 "وَنَادَيْتُ هُنَاكَ بِصَوْمٍ... لِنَتَذَلَّلَ أَمَامَ إِلَهِنَا لِنَطْلُبَ مِنْهُ طَرِيقاً مُسْتَقِيمَةً... فَصُمْنَا وَطَلَبْنَا ذَلِكَ مِنْ إِلَهِنَا فَاسْتَجَابَ لَنَا". وفعلاً وفّر الله الحماية لشعبه. نلاحظ هنا مرة أخرى أن الصلاة وإذلال النفس أمام الله رافقت الصوم.

5- تجنب الكوارث والدمار: نادى نبي الله يوئيل الشعب وحثّهم على الصوم والصلاة والاعتراف بالخطية تجنباً لغضب الله. (يوئيل 12:2-17). كذلك نقرأ في سفر ملوك الأول 20:21-29 عن لقاء الملك الشّرير آخاب مع النبي إيليا الذي وبخ الملك وأخبره بدينونة الله القادمة عليه وعلى زوجته إيزابل، وكيف استجاب آخاب بالصوم. وفعلا استجاب الله لآخاب ولم يجلب الشر في أيامه.

6- الصوم يساعد في أوقات التجربة والصعوبات والمعارك: في سفر يوئيل 12:1-14 دعا نبي الله الشعب إلى التوبة والصوم قبل أن تحل عليهم لعنة الجراد. (يوئيل 12:2-15، يوئيل 18:2-20).

7- الخلاص: عندما سمع الملك يهوشافاط عن الممالك المجاورة التي أعلنت حرباً على مملكته. دعا الشعب إلى الصوم، كما نقرأ في سفر أخبار الأيام الثاني 3:20-9 "فَخَافَ يَهُوشَافَاطُ وَجَعَلَ وَجْهَهُ لِيَطْلُبَ الرَّبَّ وَنَادَى بِصَوْمٍ فِي كُلِّ يَهُوذَا. وَاجْتَمَعَ يَهُوذَا لِيَسْأَلُوا الرَّبَّ. جَاءُوا أَيْضاً مِنْ كُلِّ مُدُنِ يَهُوذَا لِيَسْأَلُوا الرَّبَّ. فَوَقَفَ يَهُوشَافَاطُ فِي جَمَاعَةِ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ أَمَامَ الدَّارِ الْجَدِيدَةِ وَقَالَ: يَا رَبُّ إِلَهَ آبَائِنَا أَمَا أَنْتَ هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَأَنْتَ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى جَمِيعِ مَمَالِكِ الأُمَمِ وَبِيَدِكَ قُوَّةٌ وَجَبَرُوتٌ وَلَيْسَ مَنْ يَقِفُ مَعَكَ؟ أَلَسْتَ أَنْتَ إِلَهَنَا الَّذِي طَرَدْتَ سُكَّانَ هَذِهِ الأَرْضِ مِنْ أَمَامِ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ وَأَعْطَيْتَهَا لِنَسْلِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ إِلَى الأَبَدِ فَسَكَنُوا فِيهَا وَبَنُوا لَكَ فِيهَا مَقْدِساً لاِسْمِكَ قَائِلِينَ: إِذَا جَاءَ عَلَيْنَا شَرٌّ سَيْفٌ قَضَاءٌ أَوْ وَبَأٌ أَوْ جُوعٌ وَوَقَفْنَا أَمَامَ هَذَا الْبَيْتِ وَأَمَامَكَ (لأَنَّ اسْمَكَ فِي هَذَا الْبَيْتِ) وَصَرَخْنَا إِلَيْكَ مِنْ ضِيقِنَا فَإِنَّكَ تَسْمَعُ وَتُخَلِّصُ؟".

8- قوة من أجل تبشير العالم: كما رأينا في أعمال 1:13-3

9- قوة في الحرب الروحية ضد الشيطان عدو النفوس: في متى 21:17 "وَأَمَّا هَذَا الْجِنْسُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ".

نحن مدعوين للصلاة والصوم من أجل أنفسنا، لكي ننمو في إيماننا ومحبتنا لله. وكذلك مدعويين للصلاة من أجل كنيستنا في فلسطين وبقية أقطار العالم. علينا أن نصلي ونصوم من أجل حماية الله للكنيسة في مصر وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق والسودان وغيرها من بلادنا العزيزة على قلوبنا. نحتاج أن نصوم طالبين من الله أن يضع حد لسفك الدماء وقتل الأبرياء.. فالشيطان فقط المستفيد من موت الناس دون معرفة الخلاص. نعم: لنصلي ونصوم من أجل خلاص النفوس في بلادنا وفي العالم اجمع.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا