إذن انفضّ "مَوْلد الانتخابات الأمريكية" ودخل "ترامب" البيت الأبيض محمولاً على أغلبية جمهورية في حُجرتيّ البرلمان الأمريكي؛ "الكونجرس" و"مجلس الشيوخ"، ووسط هجومٍ ضارٍ من النُّخَب الليبرالية واليسارية في الإعلام وفي الحزب الديموقراطي، فضلاً عن شبابٍ ونساءٍ انتفضوا متظاهرينَ ضد انتخابه.

لم ينتصر "ترامب" فقط على "كلينتون" بل انتصر أيضًا على "الإعلام الأمريكي المُوجّه" -وهو ما قد نفرد له مقالةً لاحقةً- مُحطّمًا توقّعات "استطلاعات الرأي" التي كانت تميل كفتها ناحيةَ "هيلاري".

وانتصر أيضًا على حملات مُغرضة من منافسيه كوّنت كاراكتر character إعلامي له يمكن أن نُسميه "كاراكتر اللسان" معتمدا على التصريحات لا الأفعال -التي لم تتبلور- وكأنه شخصٌ مجنونٌ أو على الأقل أحمقُ سيقود الولايات المتحدة والعالم إلى الهاوية!

هذا في الداخل الأمريكي، فماذا عن الخارج؟ وأنا أقصد الشرق الأوسط تحديدًا، مُستبعدًا مناقشةَ ردودَ أفعالِ وبيانات الأوربيين؛ قادةَ حكوماتٍ وزعماء أحزابٍ يستعدون لخوض انتخاباتٍ في عدة دول أوربية، مؤشرها العام يتجه بسرعةٍ نحو اليمين المتطرف -مارين لوبان/فرنسا مثالٌ.

عَودٌ على بدء، ماذا عن تأثير انتخاب "ترامب" على شرقنا الأوسط؟

ولكي نكون أكثر تحديدًا في مقالتنا هذه، سنقصر السؤال على "مسيحيّ الشرق" وهو ما يُعنينا في المقام الأول.

وفي هذا السياق، اسمحوا لي أقول إنني كنتُ قد سعدتُ وتفاءلتُ خيرا باختيار الدكتور "وليد فارس" مستشارا للشؤون العربية في حملة المرشح الجمهوري.

ففضلا عن كونه أكاديميا مرموقا في جامعة فلوريدا الدولية الأمريكية، ومستشار الكونجرس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والإرهاب، فهو قارئ جيد للحركات الإسلامية الجهادية المعاصرة، وبالتالي فأنني أتوقع أن يكون له دور مهم في مكافحة الإرهاب الإسلامي في ادارة ترامب القادمة.

عفوًا مَسيحيّو الشرق... ترامب ليس حصان طروادة!

أن فوز "دونالد ترامب" الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية بعد سيطرة الديموقراطيون ثماني سنوات على صناعة القرار في البيت الأبيض في شخص "باراك أوباما" سيشكل بلا شكٍ تغييرًا حادًّا -لا أقول جذريا فالأيام وحدها هي ما ستضبطُ المفردات- في السياسات الدولية عامةً والشرق أوسطية خاصةً.

فما يُسمي بـ "الربيع العربي" وما خلّفه من صعودٍ للتيارات المتطرفة في المنطقة، سيوضع بالتأكيد على المَحَكِّ بكل تداعياته السياسية والأمنية في المنطقة وفي العالم.

وليس الأمر ضربًا للودع، أو تمنٍّ، ولكنها استنتاجاتٍ من تصاريحَ سابقةٍ لترامب، فرجل البيت الأبيض الجديد كان قد قال صراحةً في لقاءاته ومناظراته أثناء الحملة الانتخابية، قال إن مواجهة "التطرف الإسلامي" يأتي في مقدمة أولويات إدارته.

كما قال أيضا إن "الولايات المتحدة (مُضطرة) لوضع حلٍّ للوضع السوري (يختلف) عن الرؤي التي قُدّمت سابقا".

ورغم كل ما تقدّم، إلا أننا ينبغي أن لا نُفرط في التفاؤل ففي نهاية المطاف رجل البيت الأبيض يُنفذ سياسات تُنظّر لها مراكز التفكير thinking tanks وتُطبخ في كواليس الحزبين الكبيرَيْن الجمهوري والديموقراطي، وتُطبقها الغُرف التشريعية بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية.

فلا يجب -كمسيحيّ الشرق- أن نركن لنتيجة السباق الانتخابي، منتظرين سوبرمان أو حصان يقتحم طروادة/الشرق الأوسط المُحاصرَة، ويحل قضاياها المعقدة!

ومع ذلك فإنني أرى أن إعلان ترامب رسميا عقب فوزه بأنه سيسعى إلى استصدار قرار من الكونجرس بتصنيف جماعة "الإخوان المسلمين" كجماعة إرهابية، هو أهم تصريح له على الإطلاق.

وأنا ككاتب، ومتابع عن كَثَبٍ للأحداث، وقارئ جيّدٍ للتاريخ المصري الحديث وتخرّصاته، أستطيع أن أقول جازمًا إن تلك الخُطوة لو اتّخذت ستكون زلزالاً له توابع على كل الدول الشرق أوسطية وعلى العالم أجمع.

وقد يتساءل القارئ العزيز عن مدى دقة وصواب هذا الاستنتاج؟

ونحن من جانبنا نُحيله إلى "الخلفية التاريخية" لجماعة الإخوان المسلمين، فتاريخها دموي بكل تأكيد، فمنذ تأسيسها عام 1928م في مصر وهي تمارس العنف في كل العصور، منذ العصر الملكي مرورا بالرؤساء "ناصر" و"السادات" و"مبارك" وحتى بعد "25 يناير" و"30 يونيو".

ومن يستطيع أن ينسي حوادث اغتيال "محمود فهمي النقراشي باشا" رئيس الحكومة والقاضي "الخازندار" في العصر الملكي، أو "حادث المنشية" ومحاولة الاغتيال الفاشلة لـ "جمال عبد الناصر" في الخمسينات بعد حركة الضباط الأحرار في الخمسينات من القرن الماضي.

أما في عصر "السادات" فحدّث ولا حرج، حتى أنه هو شخصيا كان ضحية للفكر الجهادري/التكفيري لهؤلاء، والتي انتهت بقتله هو شخصيا في احتفاله وسط قواته المسلحة بذكري 6 أكتوبر في العام 1982.

أما الفكر الجهادي/التكفيري القُطبي (تلميذ حسن البنا النجيب) فقد ترعرع في السبعينات.

فكل التيارات الإسلامية الإرهابية بدءًا من "الجماعة الإسلامية" و"الجهاد" ومرورًا بجماعتي "التكفير والهجرة" و"القاعدة" وصولاً إلى "داعش" كل تلك الجماعات، كلها بلا استثناء خرجت من عباءة "جماعة الإخوان المسلمين" من أدبيات فكرها الجهدي التكفيري، خاصة الغلاة منهم وهم "القطبيون" نسبةً إلى "سيد قطب" المُنظّر الإخواني الجادي التكفيري، الذي يمكن اعتباره "الأب الروحي" و"المُنظّر الأول" الذي أخذ عنه كل أمراء الجماعات الجهادية التكفيرية سالفة الذكر في السبيعينيات من القرن الماضي.

تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"... التجلّي المُعاصر للسلفية الجهادية

نصل إلى "داعش" وهي الابن الشرعي، والوجه الحقيقي، والتجلّي المُعاصر لتطور الفكر الجهادي/السلفي/التكفيري.

إن "داعش" ليست كما يُروّج لها الإعلام العربي المُضلل على أنها "صناعة غربية" لتفتيت الدول الإسلامية في المنطقة العربية أو بحسب تعبير نخبتهم سلفية الهوى أو/و المعتقد "سايكس بيكو القرن الواحد والعشرين".

فما يُمارسه مقاتلو داعش من قتلٍ وحرقٍ وتخريبٍ وسبيٍ للنساء والتجارة بهن تحت مُسمّي "جهاد النكاح"، ما يقترفونه من جرائم في "موصل العراق" أو "حلب سوريا" أو "مصراته ليبيا"، أو "سيناء مصر" ليس إلا الوجه الحقيقي بلا ماسكات للفكر السلفي/الوهابي/الجهادي.
فما يقوله شيوخهم في "المضاجع" يُنادِي به داعش على "السطوح"، بحسب التعبير الإنجيلي للسيد المسيح.

فماذا تحملُ إذن "أجندة ترامب"؟

ماذا سيقدم لـ "أم القضايا العربية"؛ أَعْني بها القضية الفلسطينية التي استخدمها قادة العرب بخبثٍ على مدار عقودٍ من أجل تثبيت حكمهم ليس إلا.

استخدموها وهم يُمارسون ما يُمكن تسميته "سياسة ترك الباب مُواربا"، وليس حلا شاملا نهائيا يقضي على بؤرة صراع امتدت لأجيالٍ في المنطقة.

تركوها كـ "مسمار جحا"، يتحجّجون بها، كلما طالبتهم شعوبهم بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية، وكلما ضغط عليهم الغرب من أجل التغيير والديموقراطية والتداول السلمي للسلطة.

ماذا إذن في جُعبته -هو وفريق ادارته الجديدة الذي يختاره حاليا- بعد انتهاء "هَوْجة الحملة الانتخابية" ودخوله مرحلة الجَّد.. مرحلة التحركات.. مرحلة الفعل لا الكلام.

وكيف ستتعامل ادارته في شرقِ أوسطٍ ملتهبٍ؟ قضايا مفخخة كمثل عربات داعش المفخخة وملفات مفتوحة كمثل أحزمة "بيت المَقْدِس" الناسفة.

هذا ما ستحمله لنا الأسابيع -لا الشهور- القليلة القادمة.

وختاما..

نحن -كنخب حقوقية أو سياسية أو مثقفين- علينا أن نعي وأن نستوعب أن سقف threshold التطلعات لأهلنا المسيحيين في شرقنا الأوسط قد يرتفع بعد فوز ترامب، وعلينا أن نلمتس لهم ألف عُذر فهم مَن عانوا الأمرَّيْن وكانوا وَقودًا للربيع العربي، بل ومن قبله بسنينٍ هذا عددها، فقد دفعوا ولازالوا ثمنا غاليا من أجل التغيير الذي من الُمفترَض أن يكون للأفضل.

وتاريخيًا دائما ما يُسدد الأقليات- وفي المقدمة منهم المسيحيين- جُلَّ فواتير التغيير اللازم لتقدم مجتمعاتهم. وما يحدث للأقليات -وأنا أكتب هذه السطور- في مصر والعراق وسوريا ليس ببعيدٍ عنا.

فمنهم مَن تُستباحُ أعراضهم وتُستحل دماؤهم، ومنهم من تُهدم كنائسهم وتُغتصب نساؤهم بفتاوي تكفيرية دموية أكل عليها الدهر وشرب، ومنهم من يُهجّروا قسريا من بيوتهم وبلدانهم، فمن الطبيعي -والحالُ كذلك- أن يتعلقوا بقشة كما يتعلق الغريق بها.

وأنا من جهتي فإني -إن جازَ لي- أُوجّهُ رسالةً لترامب مُفادها اقتباسٌ منسوبٌ للشاعر محمود درويش: وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ. لا تنس مَنْ يطلبون السلام "

فهل سيكون "ترامب" هو "القشة" التي تقصم ظهر "التكفيريين" من جهة، ويتعلّق بها "مسيحيو الشرق" المُضطهدين من جهةٍ أخرى؟!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا