يهوذا الاسخريوطي

متى 14:26-16 "حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقَالَ: ‏مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً ‏لِيُسَلِّمَهُ".‏

مرقس 10:14-11 "ثُمَّ إِنَّ يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ وَاحِداً مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ مَضَى إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ. ‏وَلَمَّا سَمِعُوا فَرِحُوا وَوَعَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. وَكَانَ يَطْلُبُ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ فِي فُرْصَةٍ مُوافِقَةٍ".‏

يوحنا 2:13 "فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ وَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ".‏

لا يوجد إنسان في الوجود معصوم عن ارتكاب الخطيَّة والمعاصي والأعمال الغبية. فكل إنسان منا يعرف يقيناً، ‏سواء من خبرته الشخصية أو من معرفة ما يدور حوله، أننا كبشر نخطئ باستمرار. وقد تسبب خطايانا خسارة كبيرة ‏لنا ولغيرنا، وتجعلنا آسفين لفترة طويلة جداً. ولربما لا ينفع حتى الأسف والندم.‏

في الآيات المقتبسة هنا من الإنجيل المقدّس، نجد أن أحد رسل الرّب يسوع المسيح قد ارتكب حماقة لا تقارن بغيرها ‏بسبب ثقلها وفظاعتها. كان يهوذا الإسخريوطي رسولاً ومرافقاً للرَّب يسوع في السنوات الثلاث الأخيرة من خدمته ‏الأرضيّة، ومع ذلك ارتكب حماقة وجريمة فظيعة أدت به أن يخسر كل شيء. لقد كان أمين صندوق الجماعة ‏المسيحية الأولى المكونة من شخص الرّب يسوع والرُّسل الإثني عشر وبعض النسوة. ومع ذلك خان يهوذا أولاً ‏أمانة الصندوق بسرقة المال الذي كان مُؤتَمَناً عليه، ثم خان سيده وربه، وانتهت حياته بشكل بشع وفظيع جدّاً.‏

كان يهوذا يتمتع بمزايا روحية يتمنّاها كل واحد منا: لقد اختاره الرّب من بين التلاميذ الاوائل ليكون أحد الرُّسل ‏الإثني عشر. ولمدة تزيد على ثلاث سنين، رافق يهوذا الرّب يسوع وبقية الرُّسل في تجوالهم، ورأى بأم عينيه، وسمع ‏بأذنيه، واختبر شخصياً عظمة ومجد الرّب يسوع: رآه يشبع الجياع، ويشفي المرضى، ويقيم الموتى، ويهدئ العاصفة، ‏ويمشي على الماء. وسمع تعاليمه السامية وأمثاله الرائعة. والأهم من كل هذا أنه حظي بعلاقة قريبة مع رب المجد ‏يتمنّاها كل مؤمن بشخص الرّب يسوع. ولكن رغم كل ما اختبره ورآه وسمعه، فإنه ارتكب أكبر وأغبى حماقة يمكن أن ‏يرتكبها إنسان في الوجود: لقد أقدم يهوذا على خيانة معلمه وسيده وربه، وذلك مباشرة بعد أن قام الرّب بغسل ‏رجليه مثل بقية الرُّسل. أجل: قام الرّب يسوع بغسل أرجل يهوذا بدافع المحبَّة، ولكن يهوذا اختار بملك إرادته أن ‏يخون السيد من أجل حفنة من المال.‏

ثلاثة أسئلة تتعلق بخيانة يهوذا:‏

السّؤال الأول: لماذا أقدم يهوذا الإسخريوطي على فعل الخيانة الفظيع؟

كان يهوذا رجلاً له امتيازات كثيرة جدّاً. لقد كان رسولاً وأميناً لصندوق الجماعة المسيحيّة الأولى، ومرافقاً لرّب المجد ‏يسوع بشكل شخصي، ومرافقاً أيضاً لأقدس جماعة  بشريّة كانت على وجه الأرض، ومع ذلك جازف بكل شيء ‏وأصبح ذكره مرتبطاً بالسرقة والخيانة.‏

أجاب النّاس على هذا السّؤال بطرق شتّى محاولين فهم الدوافع التي أدت بيهوذا أن يخون سيده، ومما قالوه:‏

‏1. إن يهوذا كان الرسول الوحيد الذي لم ينحدر من الجليل، فاسمه في اللغة العبرية يهوذا الاسخريوطي أي ايش ‏كريوت، وكلمة ايش تعني رجل، أي أن يهوذا كان رجلاً من كريوت وليس الجليل بخلاف بقية الرُّسل. في حين أن ‏الرّب يسوع وبقية التلاميذ كانوا جليليين، ولربما أن ذلك ولّد لديه إحساساً بعدم الانتماء قاده إلى ارتكاب خيانة ‏الرّب.‏

‏2. آخرون قالوا أن يهوذا علم بالمؤامرة التي كان يحيكها رجال الدين اليهود مع والي روما للقضاء على الرّب يسوع ‏وتلاميذه، وأراد بالتالي أن ينجو بجلده عن طريق العمالة والخيانة.‏

‏3. آخرون فسّروا خيانته بسبب خيبة أمله من الرّب يسوع. فقد توقع يهوذا أن يُقدم المسيح على مواجهة ‏الاحتلال الروماني لفلسطين بالثورة العسكرية، ولكن الرّب يسوع علّم عن محبَّة الأعداء، وعن نبذ العنف، وعدم ‏اللجوء إلى القوة لحل المشاكل.‏

لجأ المفسرون إلى تحليل اسم يهوذا قائلين أن معنى كلمة اسخريوطي في صيغتها اليونانية تعني "حامل الخنجر"، وبما ‏أنه كان عضواً في إحدى الحركات اليهودية التي كانت تحارب الوجود الروماني في فلسطين بالثورة والعنف، فقد انضم ‏إلى حلقة التلاميذ وتبع الرّب يسوع راجياً أن يكون المسيا المنتظر والملك الموعود به لخلاص اليهود من ظلم روما. ‏ولكن آماله خابت، فقام بالخيانة على أمل دفع المسيا إلى اللجوء إلى العنف ومقاومة القبض عليه، ولكن ذلك لم ‏يحدث.‏

‏4. مفسرون آخرون قالوا أن يهوذا لم يستطع أن يخفي حقيقته الداخلية عن الرّب يسوع. ففي محضر الرّب، عرف ‏يهوذا حقيقة نفسه بأنه عريان ومكشوف، ولا يستطيع أن يظهر أمام الرّب بمظهر البر والتقوى كبقية الرُّسل. ‏وبالتالي لجأ إلى خيانة الرّب للتخلص من إحساسه بالعار والخطيَّة.‏

‏5. إجابات أخرى مثل القول بأن يهوذا تعرض للخداع من قبل رجال الدين اليهود، أو أنهم هددوه بالقتل أو ‏الحرمان إن لم يسلمهم المسيح.‏

الأسباب الخمسة التي ذكرتها هنا هي مجرد محاولات بشرية لفهم دافع يهوذا للخيانة. ولكننا في العودة إلى الكتاب ‏المقدّس نجد أن السبب الحقيقي الاوّل للخيانة قد ذكر بكل وضوح وصراحة، وهذا السبب هو الطمع ومحبَّة المال ‏التي هي أصل لكل الشرور. فيهوذا الذي تفسير اسمه "تسبيح الله" أصبح اسمه مرتبطاً بالعار والخيانة. ارتكب يهوذا ‏حماقته التي لم تُغْفَرْ بسبب محبَّة المال والطمع تماماً كما نقرأ في متى 15:26 حين قال يهوذا لرؤساء الكهنة: "مَاذَا ‏تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ". أي أن يهوذا فاوض رؤساء الكهنة على ثمن ‏الخيانة، وحصل على 30 قطعة من الفضة، وبهذا المبلغ باع صداقته وعلاقته بالرّب يسوع، وأخذ يبحث عن ‏الفرصة المناسبة لتنفيذ خيانته.‏

باع يهوذا سيده من أجل حفنة من المال، وللأسف الشديد ما أكثر الذين يبيعون شرفهم وحياتهم وانتماءهم ‏ووطنهم من أجل المال، فيهوذا لم يكن حالة استثنائية، وما أكثر أمثاله في العالم اليوم من مرتزقة وخون يعبدون ‏ويخدمون المال.‏

نقرأ في يوحنا 1:12-8 "ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ ‏مِنَ الأَمْوَاتِ. فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ. فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَناً مِنْ ‏طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا فَامْتَلَأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ. ‏فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْ تلاَمِيذِهِ وَهُوَ يَهُوذَا سِمْعَانُ الإِسْخَرْيُوطِيُّ الْمُزْمِعُ أَنْ يُسَلِّمَهُ: لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هَذَا الطِّيبُ بِثلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ ‏وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ؟ قَالَ هَذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقاً وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى ‏فِيهِ. فَقَالَ يَسُوعُ: ﭐتْرُكُوهَا. إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي قَدْ حَفِظَتْهُ لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ ‏حِينٍ". نجد هنا أن يهوذا قد اعترض على قيام مريم بسكب الطيب على رجلي الرّب يسوع، وكانت حجته الظاهرة ‏هي الحرص على الفقراء. ولكن الإنجيل المقدّس يخبرنا بوضوح أن يهوذا كان سارقاً، وكان يأخذ لنفسه ما يلقى في ‏صندوق الجماعة المسيحية الأولى.‏

كان المال ولا يزال يعمل العجائب في حياة النّاس. محبَّة المال والطمع تدفع النّاس إلى أبشع الممارسات مثل السرقة ‏والنفاق والنصب والاحتيال والزنى والخيانة وحتى القتل. وكم أدى المال إلى فساد رجال السياسة ورجال السلطة، ‏سواء كانت سلطة مدنية أو عسكرية أو حتى دينية. يحول المال النّاس اللطفاء إلى وحوش كاسرة، ويدمر علاقات ‏إنسانية رائعة بين النّاس.‏

محبَّة المال تدفع البعض إلى خيانة أوطانهم وشعوبهم. وتدفع الموظف أو العامل إلى سرقة المؤسسة أو المصنع الذي ‏يعمل فيه. محبَّة المال تدفع القوي إلى استغلال الضعيف، وتدفع رجالاً ونساءً إلى الدعارة والسقوط في أحضان ‏الخطيَّة.‏

‏ كان يهوذا يسرق من الأموال القليلة التي كانت تلقى في الصندوق. ومع أن يهوذا سمع تعاليم الرّب يسوع ضد ‏السّرقة وضد الطمع وضد محبَّة المال، إلا أن كل ذلك لم يؤثر في حياته، لأنه أراد التمتع الوقتي بالمال والخطيَّة. ‏ورويداً رويداً أصبح بليد الشعور، ومن سرقة صغيرة إلى سرقة أكبر ثم إلى أكبر خيانة، لأن الثمن كان كبيراً جدّاً، أي ‏ثلاثين من الفضة، وهذا المبلغ كان يعادل ثمن عبد بحسب شريعة العهد القديم. (خروج 32:21). يدل عرض ‏رجال الدّين بدفع ثمن عبد للقبض على رب المجد يسوع على مقدار الكراهيّة والكبرياء في قلوبهم. ويبرهن قبول ‏يهوذا لهذا المبلغ على درجة السّقوط الرّوحي والأخلاقي التي هبط إليها. لقد أعطى يهوذا المال والطمع فرصة ‏للسيطرة على حياته. لقد أصبح عبداً للمال ولم يعد يرى أي شيء إلا مصلحته الخاصة جداً. ‏

كان يهوذا تلميذاً للرَّب، ولكن ذلك لم يمنعه من السرقة والخيانة، لأن محبته للمال فاقت محبته للرَّب. وهذا تنبيه لنا ‏أن نبقي محبتنا وثقتنا بالرّب قوية لكي لا ننهزم ونسقط بسبب الطمع ومحبَّة المال.‏

في قصة سكب مريم للطيب على قدمي الرّب يسوع نجد موقفاً صحياً ورائعاً من المال: فبالنسبة لمريم رأت في المال ‏وسيلة لتعبر عن محبتها وعبادتها وتفانيها لشخص الرّب يسوع له المجد. أي أن مريم استخدمت المال لغرض صالح ‏ومقدس. أما بالنسبة ليهوذا، فإن هذه المحبَّة الفيّاضة التي ظهرت في عمل مريم كانت خسارة، فيهوذا تحسّر على ‏المال لأنه أراده لنفسه، وكأن لسان حاله كان يقول إن الرّب يسوع لا يستحق المال.‏

عبّرت مريم عن محبتها للرَّب بالعطاء غير المحدود، أما يهوذا، فإن المال كان عائقاً أمامه. وبقي يهوذا بعيداً عن الرّب ‏لأن قلبه كان نحو المال، حتى قادته أطماعه أن يخون الرّب في سبيل المال. وهكذا فإن موقفنا من المال والممتلكات ‏الأرضية يعكس بوضوح موقفنا وعلاقتنا بالرّب. نقرأ في تيموثاوس الأولى 6:6-10 "وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ ‏تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ، لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ. فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ ‏فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا. وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ تُغَرِّقُ النّاس ‏فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ، لأَنَّ محبَّة الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ ‏بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ". أجل: محبَّة المال دفعت يهوذا إلى أن يتحالف مع الشيطان ضد رب المجد. لقد أحب المال أكثر من ‏الرّب الذي سبق وأن سمعه يعلّم قائلاً: "لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي ‏الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟" (متى 26:16). وهكذا ارتبط اسم يهوذا على مدى التاريخ بالعار والخيانة والطمع ومحبَّة ‏المال.‏

السبب الثاني لخيانة يهوذا هو إتمام نبوات الكتاب المقدّس. نقرأ في العهد القديم عدداً كبيرا من النبوات التي ‏تتحدث عن آخر أيام الرّب يسوع على الأرض، وعن صلبه، وموته، وقيامته، ثم صعوده حياً إلى السَّماء. وتوجد في ‏جملة هذه النبوات آيات تتعلق بالخيانة التي سيرتكبها شخص ضد الرّب يسوع، وبأن هذا الشخص سيكون من ‏مرافقيه، وبأنه سيقبض ثمن هذه الخيانة مبلغ ثلاثين من الفضة، وبعد ذلك يندم ويعيد المال ويموت في خطاياه. ‏

‏*. زكريا 11:11-13: "فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلاَّ فَامْتَنِعُوا". فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلاَثِينَ مِنَ ‏الْفِضَّةِ. فَقَالَ لِي الرّب: "أَلْقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الَّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ". فَأَخَذْتُ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَلْقَيْتُهَا إِلَى ‏الْفَخَّارِيِّ فِي بَيْتِ الرّب".‏
‏*. مزمزر 9:41: "أَيْضاً رَجُلُ سَلاَمَتِي الَّذِي وَثَقْتُ بِهِ آكِلُ خُبْزِي رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!".‏
‏*. مزمور 8:109: "لِتَكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ".‏
‏*.مزمور 25:69: "لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَاباً وَفِي خِيَامِهِمْ لاَ يَكُنْ سَاكِنٌ".‏
‏*. مزمور 28:69: " لِيُمْحَوْا مِنْ سِفْرِ الأَحْيَاءِ وَمَعَ الصِّدِّيقِينَ لاَ يُكْتَبُوا ".‏

يعرف الله النّهاية من البداية. وقد عرف الرّب يسوع حقيقة شخص يهوذا من بداية دعوته له، حيث قال عنه ‏لجميع التّلاميذ وبحضورة: " أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: "أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ الاِثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ. قَالَ عَنْ ‏يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ لأَنَّ هَذَا كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يُسَلِّمَهُ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ". (يوحنّا 70:6-71). لم ‏تكن خيانة يهوذا لشخص الرّب يسوع قضاءً مفروضاً عليه، بل كانت عملاً اختار يهوذا القيام به بكل إرادته، ‏وعرف الله هذه الحقيقية  حتّى قبل سقوط يهوذا في مستنقع الخيانة المخزي.‏

السّؤال الثاني: ما الذي خسره يهوذا بسبب خيانته؟

‏1. أول وأفظع خسارة أصابت يهوذا كانت خسارة حياته الأرضية بالانتحار، علماً بأن قتل النفس خطية. قادت ‏الخيانة إلى الانتحار. ينسى الإنسان أو يتناسى في لحظة ارتكاب الخطيَّة، أن نشوة ولذة الخطيَّة اللحظية تقود إلى ‏نتائج فظيعة ومدمرة وخطيرة. فعندما استلم يهوذا المال فرح بهذه الثروة الكبيرة التي أخذها من رجال الدين ‏اليهود، ولكن فرحته لم تدم، وأدرك سريعاً بشاعة ما عمله.‏
نقرأ في متى 3:27-6 "حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ ‏الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ قَائِلاً: قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً. فَقَالُوا: مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ! فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ ‏وَانْصَرَفَ ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا: لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ".‏

‏*مات يهوذا قبل أن يموت الرّب يسوع.‏
‏*عُلّق يهوذا على حبل المشنقة قبل أن يعلق الرّب يسوع على عود الصليب.‏
‏*أطلق يهوذا حكم الموت على نفسه قبل أن يطلق بيلاطس حكم الموت صلباً على يسوع.‏
‏*مات يهوذا بحبل المشنقة، قبل أن يضرب الرّب يسوع بالسياط.‏
‏*مات يهوذا في عبوديّة إبليس والخطيَّة، قبل أن يطلق سراح باراباس.‏
‏*التف حبل المشنقة على رقبة يهوذا، قبل أن يوضع إكليل الشوك على رأس الرّب يسوع.‏
‏*مات يهوذا وبقي في قبره. ومات الرّب يسوع بعده، ولكنه قام في اليوم الثالث.‏
‏*يعاني يهوذا من الدينونة والعذاب إلى الأبد، ويملك الرّب يسوع في مجده الى الأبد.‏

‏2. الشيء الثاني الذي خسره يهوذا هو غفران الرّب يسوع له. صحيح أن يهوذا أدرك أنه قد أخطأ كما قال ‏لرجال الدين في متى 4:27 "قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً". وكنا نتوقع أن يتوب يهوذا بعد إدراك خطئه، أي ‏يجب تتم  التّوبة بعد إدراك الخطأ، أما يهوذا فلم يتب؛ بل قتل نفسه مخالفاً ناموس الرّب القائل "لا تقتل" (خروج ‏‏13:20).‏

عندما عُلِّقَ الرّب يسوع على الصليب، صلى إلى الآب قائلاً: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" ‏‏(لوقا 34:23). واستجاب الآب لطلب الرّب يسوع، وغفرت خطايا من صلبوا رب المجد، إلا يهوذا فقد خسر ‏الغفران لأنه انتحر وأخذ حياته بيديه.‏

‏3. الشيء الثالث الذي خسره يهوذا هو السَّلام في القلب والنفس والرّوح. قال الرّب يسوع في يوحنا 27:14 ‏‏"سلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ". لم يعطِ المال ‏ليهوذا أي راحة أو سلام في القلب، بل إحساس بالعار والفشل، لذلك ندم على عمله وانتحر بسبب عذاب ‏الضمير. لقد خسر السَّلام وامتلأت حياته بالاضطراب. أي أنّ فقدان السَّلام قاده للانتحار. وما أكثر الذين ‏ينتحرون في أيامنا بسبب الصراع النفسي الذي يعانون منه حيث لا سلام في العقل أو القلب أو الوجدان.‏

‏4. الشيء الرابع الذي خسره يهوذا هو اختبار حلول الروح القدس، والقوة التي تُحْدِث التغيير الحقيقي في حياة ‏الإنسان. فبعد أربعين يوماً من انتحار يهوذا، وعد الرّب يسوع التلاميذ الأحد عشر في أعمال الرُّسل 8:1 بأنهم ‏سينالون قوة بحلول الروح القدس عليهم ليشهدوا لكل العالم عن محبَّة الله التي تجسدت في موت الرّب يسوع وقيامته ‏وهبة الحياة الأبدية. وتم الوعد حقاً بعد عشرة أيام من صعود الرّب يسوع حياً إلى السَّماء، أي في يوم الخمسين أو ‏يوم العنصرة.‏

‏5. الشيء الأخير والأهم هو أن يهوذا خسر حياته الأبدية مع الله في ملكوت السماوات، وبدل ذلك فهو الآن ‏يتعذب في لهيب الجحيم.‏

السّؤال الثالث: ما هي الدروس التي نتعلمها من حياة يهوذا ومن خيانته للرَّب؟

‏1. الخطيَّة خادعة جداً ولا تفي بوعودها: دخل الشيطان قلب يهوذا عندما أخذ لقمته الأخيرة في عشاء الفصح مع ‏الرّب يسوع والتلاميذ، وظن يهوذا أن المال والمركز سيأتيان سريعاً، ولكن الذي جاء حقاً هو الحسرة والندم والموت ‏والانفصال الأبدي عن الله. ‏
‏2. من الممكن أن يكون الإنسان قريباً من الرّب، وأن تكون له شركة وعلاقة مع المؤمنين، وأن يشترك في الخدمة، ‏ومع ذلك لا يختبر هذا الشخص الخلاص. فمن الممكن أن يتبع إنسان معين شخص الرّب يسوع ولكن هذا الاتباع ‏يكون ظاهرياً وليس من القلب. تماماً كما قال الرّب يسوع في متى 21:7-23: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا ‏رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ". لقد اعتمد يهوذا مثل بقية التلاميذ، كما وأنه وعظ بالإنجيل، ومع ذلك فإنه لم ‏يحصل على الخلاص نهائياً. هذا الكلام يعني أن الحضور إلى الكنيسة والاشتراك في خدماتها لا قيمة له إن لم يسلم ‏الإنسان قلبه بالكامل  للرَّب، ويقبله مخلصاً شخصياً لحياته.‏
‏3. من الممكن أن تتاح للإنسان فرص عديدة للتّوبة، ومع ذلك يصرّ على عناده وعلى حياة الخطيَّة. كان لدى ‏يهوذا فرص عديدة للتّوبة. فالرّب يسوع أجلسه بجانبه في عشاء الفصح، وغسل رجليه مثل بقية التلاميذ، وأثناء ‏غسل الأرجل قال الرّب يسوع: "لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِينَ" (يوحنا 11:13)، ولا بد أن هذه الكلمة كانت كالسهم ‏الموجّه إلى ضمير يهوذا ليستقيظ ويتوب، ومع ذلك أصر يهوذا على خيانته للرَّب.‏
‏4. يترك الله الإنسان ليسير في الطريق الذي اختاره، وينفذ القرارات التي يتخذها. فالرّب لا يفرض نفسه على ‏أحد، بل  يتركنا لنعيش بحسب قراراتنا وأرادتنا. نقرأ في يوحنا 27:13 "مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ". فالرّب ‏ترك يهوذا ليعمل ما يريده، وهذا ما حصل فعلاً. ‏
‏5. الندم والحسرة بدون توبة حقيقية تقود إلى اليأس والفشل. تنتج الخطيَّة إحساساً فظيعاً في قلب الإنسان بالذنب ‏والعار والأسف، ولكن ذلك لا يكفي، لأن الذي يعيد علاقتنا مع الله هي التّوبة، أي تغيير الفكر والعقل وطريق ‏الحياة، والبدء مع الله من جديد بالاعتراف بالخطيَّة وطلب الغفران.‏

سيرة يهوذا تتحدانا اليوم: ‏
هل نبق أمناء للرَّب في كل شيء، أم نخونه في وقتنا وأموالنا وسيرتنا؟
هل نبيع الرّب مقابل حفنة من المال وشهوات العالم، أم نسير معه حتى النهاية؟‏
يدعونا الله الى أن نكون امناء دائماً، لكي نحصل على السعادة الحقيقية وبالتّالي على الحياة الأبدية.‏

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا