يهتم الأهل عادة باحتياجات أولادهم الخاصة، مثل الطعام واللباس والتعليم وأمور كثيرة أخرى، لذلك على الأبناء أن يُقدّروا تضحيات الأهل لأجلهم.
لكن الله يهتم بخليقته بقدر لا يُقارن، ويُقدّم الطعام والشراب بشكل يومي، حتى لمن لا يؤمن به، لأن الله كامل بمحبته لجميع الأمم والشعوب، وهو لا يبخل علينا باحتياجاتنا الخاصة. وحتى لو كانت بعض الدول في العالم تفتقد إلى أمور الحياة الأساسية، فإن الله لا يبخل بإرسال المعونة لهم من خلال خدامه والمرسلين من أنحاء العالم.
نقرأ في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس تركيزًا على الأمور الروحية قبل الأرضية، فنرى الرسول يشجعهم أن يطلبوا الأمور السماوية قبل الأرضية المادية. لذلك تكررت عبارة "في السماويات" في هذه الرسالة خمس مرات، وهذا ما أوصى به يسوع بأن نطلب أولًا ملكوت الله وبره، وجميع هذه الأشياء تُزاد لنا.
نتأمل ما كتب الرسول بولس في هذه الرسالة عن واقع السماويات:
1- بركة روحية في السماويات - أفسس 1:3
بارك بولس الله، أبا ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. ونحن يجب علينا جميعًا أن نُدرك بأرواحنا وكياننا البركات الروحية التي قدمها الله لأولاده وشعبه، وكل من يقبل هذه العطايا الثمينة التي نمتلكها فقط بالإيمان بيسوع المسيح ابن الله، يجب عليه أن يبارك الله من كل القلب على عطاياه الروحية قبل المادية.
وأثمن هذه العطايا هي غفران الخطايا، والخلاص، والحياة الأبدية في المسيح يسوع ربنا، كذلك عطية الروح القدس وعمله في حياة المؤمن، مثل ثمر ومواهب الروح القدس، وعطية الله لنا بأن نكون أولاد الله، وبأن نخدم ملكوته الأبدي.
2- يسوع عن يمين الله في السماويات - أفسس 1:20
أكمل يسوع عمل الفداء على عود الصليب، مات، وفي اليوم الثالث أقامه الله من الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماويات.
إنه إعلان مبارك وعظيم، أن الله أقام ابنه يسوع من الأموات، بمعنى أن الله الآب القدوس يُعلن قبوله ورضاه بعمل المسيح الكفاري على عود الصليب، ورفعه وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو كل ركبة، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو ربٌ لمجد الله الآب.
كذلك هذا إعلان واضح عن سمو المسيح كونه ابن الله، صاحب الطبيعة الإلهية، الذي دُفع إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض.
3- أجلسنا معه في السماويات - أفسس 2:6
نقرأ في رسالة أفسس، الأصحاح الثاني، عن عمل يسوع المسيح العظيم والمبارك في حياة كل مؤمن حقيقي، لأن يسوع وهبنا بالإيمان الخلاص والحياة الأبدية. كذلك نقرأ أنه أقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع.
لأننا في الماضي كنا أمواتًا بالذنوب والخطايا، وكان لنا الاسم والمظهر الخارجي أننا أحياء، لكن الحقيقة أننا كنا أمواتًا بالروح. لكن يسوع أقامنا معه، أقامنا من نومنا، بل من موتنا الروحي، وأجلسنا معه في السماويات.
ومع أننا بالجسد ما زلنا على الأرض، إلا أننا نطلب ما فوق، حيث المسيح جالس عن يمين الله. نطلب مشيئته وملكوته وبره ومحبته وسلامه وفرحه، وأن نشابه ابنه يسوع المسيح، ونرفض الأرضيات مثل الخطية والكبرياء والزنى والكذب والخصام والأنانية.
4- الرؤساء والسلاطين في السماويات - أفسس 3:10
نقرأ في الأصحاح الثالث أنه يُعرَّف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات، بواسطة الكنيسة، بحكمة الله المتنوعة، حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا.
نلاحظ من خلال إعلان الكتاب المقدس بشكل عام، وكذلك في رسالة أفسس، أن مركز إيماننا وصخرته وأساسه هو يسوع المسيح. والله يُعلن حكمته من خلال كنيسته، أي من خلال جماعة المؤمنين.
نُعلن حكمة الله وقداسته وبره وفداءه المُعلن في يسوع المسيح، كما نقرأ في كورنثوس الأولى، الأصحاح الأول. وهذا الإعلان يُعرَّف الآن عند الرؤساء والسلاطين، أي أمام الملائكة.
وهذه مسؤولية كبيرة على الكنيسة بأن تعلن حكمة الله وقصده أمام الجميع، وأمام ملائكة الله، لكي نسلك بقداسة وبر، ونكون شهادة حسنة أمام الجميع. كذلك فإن رؤساء وسلاطين الظلمة يلاحظون أعمال الكنيسة لكي يشتكوا علينا أمام الله.
لكن من يشتكي على أولاد الله؟ إن كان الله هو الذي يُبررنا، وكما قال ميخا النبي: لا تشمتي بي يا عدوتي، إن سقطت أقوم، والرب نور لي في الظلمة.
5- أجناد الشر الروحية في السماويات - أفسس 6:12
نقرأ في الأصحاح السادس عن الحرب الروحية التي يخوضها كل مؤمن في حياته، فيقول الرسول إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، ليست مع البشر، وليست مع جيراني وأقربائي وزملائي في العلم والعمل، وليست مع العربي أو اليهودي أو الإيراني أو الأمريكي أو اللبناني أو الإسرائيلي، بل حربنا مع الرؤساء والسلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات.
ونحن نغلب الشر بسلاح الله الكامل الذي تحدث عنه بولس: حزام الحق، ودرع البر، وحذاء إنجيل السلام، وترس الإيمان، وخوذة الخلاص، وسيف الروح الذي هو كلمة الله. وكذلك الصلاة، التي هي مفتاح كل بركة روحية.
صلاتي أن نُدرك مكانتنا في المسيح يسوع الرب، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات، وهو الآن جالس عن يمين العظمة في السماويات، وأقامنا وأجلسنا معه في السماويات، لكي نُعلن للملائكة في السماويات حكمة الله المتنوعة، ولكي نهزم الشيطان وأعوانه ومملكته في السماويات بسلاح الله الكامل.
فيا له من إعلان مبارك لنا جميعًا عمّا نحن عليه في يسوع المسيح في السماويات.
فهل نُصدّق؟ هل نقبل؟
هل نحيا في السماويات أم في الأرضيات؟
