هذا ليس مقالًا تقليديًا حول المسيح، وذلك لأنه مجرد إضاءات متفرقة، لكنها ترتبط بعضها ببعض بالأساس بمن قام من بين الأموات، وهو يسوع المسيح، الذي قهر الموت. وقد ورد في موقع / الأخبار السارة، بهذا الصدد، ما يلي: { قيامة يسوع هي المرة الأولى في التاريخ التي يقوم فيها شخص من بين الأموات ولا يموت مرة أخرى. فالآخرون قاموا من الموت، وماتوا مرة أخرى (انظر الملوك الأول 17: 17-24؛ الملوك الثاني 4: 32-37؛ مرقس 5: 39-42؛ يوحنا 11: 38-44). كانت قيامة يسوع هزيمة حقيقية وكاملة للموت. بصفته ابن الله القدوس، انتصر يسوع على الموت مرة واحدة وإلى الأبد، كما أوضح بطرس: "أقامه الله ناقضًا أوجاع الموت، إذ لم يكن ممكنًا أن يُمسك منه" (أعمال الرسل 2: 24).}.
إذًا سنكون وفق مقال، يطرح شذرات نورانية متوهجة من مسيرة المسيح الذي قهر الموت، وبقي حيًّا، وذلك مؤكد حتى قرآنيًا، وفق النص التالي: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ / 33 سورة مريم.
قيامة المسيح هي التي رسخت ركائز المسيحية على الصخر للأبد، فالمسيح لم يكن نبيًا ولا رسولًا عابرًا كالآخرين، لأنه كان (الكلمة): "«أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ»، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" / رؤيا 1: 8. كما أن كل الذين قبله والذين بعده ماتوا وقُبروا، إلا المسيح، لأنه كان الحي الوحيد، الذي قدم للعالم مفهومًا جديدًا للحياة من خلال أقواله وأفعاله في رحلته الحياتية، من أولها حتى قيامته الإعجازية من بين الأموات في اليوم الثالث.
المسيح قدم نموذجًا حياتيًا للتسامح والغفران والعفو قبل صلبه، وهو عالم بما سيجري له، فقدم الموعظة على الجبل لأتباعه. أنقل بعضًا من فقراتها: (طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات. طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون. طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض. طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يُشبعون. طوبى للرحماء، لأنهم يُرحمون. طوبى لأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله. طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون. طوبى للمطرودين من أجل البر، لأن لهم ملكوت السماوات. أنتم ملح الأرض، ولكن إن فسد الملح فبماذا يُملَّح؟ لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يُطرح خارجًا ويُداس من الناس. طوبى لكم إذا عيَّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي. لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء..) / نقل باختصار من موقع الأنبا تكلا هيمانوت. الموعظة على الجبل، بمجملها، قصة حياة ورسالة لتلاميذ المسيح ولرسله ولأتباعه، في دورهم في التبشير والكرازة برسالة الحياة، ولكل من قال إن المسيح ربي ومخلصي.
وكانت للموعظة على الجبل أصداء إنسانية، فحتى شيخ الأزهر كانت تدمع عيناه عند قراءتها، فقد جاء في موقع / القاهرة 24، التالي: { وتحدث الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في مقطع فيديو سابق له، عن موعظة الجبل للمسيح عليه السلام، قائلًا: موعظة الجبل للمسيح عليه السلام جميلة ورقيقة، وأنا أحيانًا أتغنى بها وتدمع عيناي، وكان يقول فيها: طوبى لفقراء الروح، طوبى للودعاء، طوبى للمحزونين، طوبى للجياع والعطاش إلى البر، طوبى لأنقياء القلب، طوبى لكم إذا عيَّروكم وطردوكم، وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين، ولكن طوبى لعيونكم لأنها تبصر، ولآذانكم لأنها تسمع.. وعقب الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على موعظة الجبل للسيد المسيح، قائلًا: السيد المسيح جاء ليعلم الناس ويهيئهم إلى تقبل الغير معهم في المجتمع.. هذا البرنامج الأخلاقي المتكامل جاء مثاليًا جدًا، ليعلم الناس التسامح والعطاء.. }.
المسيح غفر الخطايا والذنوب، شرط التوبة، وغفر حتى للزناة، وقصة المرأة الزانية لا تزال تهز الوجدان الإنساني، بقوله: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. (فلمّا ألحّوا عليه في السؤال، رفع رأسه وقال لهم: «مَنْ كانَ مِنكم بلا خطيئة، فليَرْمِها بأولِ حجرٍ». وانحنى ثانيةً يكتب في الأرض. فلمّا سمعوا هذا الكلام، أخذت ضمائرهم تبكتهم، فخرجوا واحدًا بعد واحد، وكبارهم قبل صغارهم، وبقي يسوع وحده والمرأة في مكانها. فجلس يسوع وقال لها: «أين هم، يا امرأة؟ أما حكم عليكِ أحدٌ منهم؟» فأجابت: «لا يا سيدي». فقال لها يسوع: «وأنا لا أحكم عليكِ. اذهبي ولا تُخطئي بعد الآن» / نقل من موقع الكتاب المقدس).
من جانب آخر، أخر رسول الإسلام رجم حتى المرأة التي كانت حاملًا، على أن تضع مولودها: { عن مالك، عن يعقوب بن زيد بن طلحة، عن أبيه زيد بن طلحة، عن عبد الله بن أبي مليكة؛ أنه أخبره أن امرأة جاءت إلى رسول الله، فأخبرته أنها زنت، وهي حامل.. فقال لها رسول الله: "اذهبي حتى تضعي". فلما وضعت جاءته، فقال لها رسول الله: "اذهبي حتى تُرضعيه"، فلما أرضعته جاءته فقال: "اذهبي فاستودعيه". قال: فاستودعته، ثم جاءت فأمر بها فرُجمت / نقل من موقع المكتبة الإسلامية}. هنا نتيقن من أن سيرة المسيح تتمثل بغفران الخطايا، أما سيرة محمد فلا تتسامح حتى مع المرأة التي وضعت طفلًا حديثًا لا يزال يحتاج للرعاية والرضاعة.
في حدث إنساني يدل على العفو ومحو الذنوب، من أجل خلق حياة أخروية جديدة للفرد، المسيح يغفر للمصلوب على يمينه، خلافًا للص المصلوب على يساره، الذي كان يستهزئ بالوضع، كما جاء في إنجيل لوقا: { "في إنجيل لوقا 23، يقول أحد اللصَّين المصلوبين بجانب يسوع: «يا يسوع، اذكرني متى جئت في ملكوتك». فيجيبه يسوع: «الحق أقول لك: اليوم تكون معي في الفردوس» (الآيتان 42–43)". }. وفي واقعة لا يمكن أن تصدر إلا من رب المجد، يسوع يغفر لصالبيه، وهو على الصليب. من إنجيل لوقا أنقل التالي: { فقال يسوع: "اغفر لهم يا أبي، لأنهم لا يعرفون ما يعملون".. واقتسموا ثيابه مقترعين عليها }. وفي رواية من الموروث الإسلامي، قد يجوز أن تكون غير مرتبطة بما ذكر في إنجيل لوقا، ولكنها تبين أن محمد لا يغفر ولا يسامح ولا يمنح المذنبين حتى فرصة للهداية والصلاح، بل يشدد على المعاملة بالمثل: { يقول أنس بن مالك، كما في الصحيحين: "قدم أناس من عُكل أو عُرينة، فاجتووا المدينة"، أي: كرهوها لسقم أصابهم، "فأمرهم النبي بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا، قتلوا راعي النبي، واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار، جيء بهم". وهنا اقتصر المصنف على قول أنس: "إنما سمل النبي أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاة"، وسمل أعينهم، أي: فقأها، معاقبةً بمثل ما فعلوه في الراعي / نقل باختصار من موقع الدرر السنية}. هنا نتأكد من مقابلة الشر والعنف بمثله، وهذا الفعل خلاف للمسيحية. فالمسيح، وفق إنجيل لوقا، غفر ذنوب اللص، وقال له: "اليوم تكون معي في الفردوس"، وغفر حتى لصالبيه: "لأنهم لا يعرفون ما يعملون"، بينما محمد فقأ عيون الرعاة عقابًا لهم ومعاملةً لهم بالمثل.
إضاءة:
نحن نتكلم عن المسيح، الذي وُلد غير مخلوق، بقوة ربانية، والذي جُلِد فيما بعد، ثم صُلب ومات ودُفن وقهر الموت. المسيح الذي يعد حقبة تاريخية تختلف بكل المقاييس عن كل الحقب التي سبقته أو التي تلته. فهل البشرية، تاريخيًا، تحدثنا عن رسول أو نبي أو إنسان بهذه المميزات والصفات الإلهية؟ المسيح غيَّر كل القواعد والنواميس والشرائع في قضايا الغفران والعفو والمسامحة من أجل محبة الآخر. المسيح أوجد نموذجًا للحياة لا مثيل له. إن ما ورد أعلاه هو فقط غيض من فيض من سيرة المسيح الإعجازية، بينما الآخرون لا يزالون يقدسون موروثًا ماضويًا ويعيشون في جلبابه، ولا يزالون مهوسين بعقائد تتخللها سيوف مخضبة بالدم.
