لا أرى ضرورةً لسرد قصة تلميذ المسيح بطرس كاملة، وكيف صار من أهم تلامذة المسيح، وذلك لأنها مطروحة في الأناجيل وفي الكثير من المصادر، ولكن سأستعرض بعضًا من جوانب مسيرته مع المسيح باقتضاب، التي تستحق إلقاء الضوء على مفاصلها، مع بعض المقارنات مع أصحاب محمد وقت احتضاره، وحين أتته المنية.
الموضوع:
حين القبض على يسوع المسيح من قبل الجنود الرومان، دافع بطرس عن معلمه بسيفه، وقام بقطع أذن ملخس، خادم رئيس الكهنة. أما المسيح فردَّ أذن ملخس، وقال المسيح لبطرس، وفق إنجيل يوحنا: "ردَّ سيفك إلى غمده، إن الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون". وهذه فلسفة حياتية تدلّ على عمق السلام والمحبة والتسامح في نهج المسيح، رئيس السلام، وسينعكس ذلك على نهج رسل المسيح في عملية تبشيرهم برسالة الخلاص مستقبلًا.
هذا التلميذ الذي تسلّم مقاليد الكنيسة، هو أول من أنكر المسيح قبل صياح الديك ثلاث مرات! {أنكر بطرس المسيح وقت محاكمته ثلاث مرات.. تعرّفت فتاة خادمة على بطرس وقالت إنه كان مع يسوع، فأجاب بطرس: "يا امرأة، أنا لا أعرفه" (لوقا 22: 57). بعد فترة وجيزة رأى شخص آخر بطرس وقال: أنت أيضًا واحد منهم. فأجاب بطرس: "يا رجل، أنا لست!" (لوقا 22: 58). بعد حوالي ساعة، أصرّ آخر على أن بطرس كان أحد أتباع يسوع، قائلًا: "هذا الرجل كان معه، لأنه جليلي أيضًا". ولكن بطرس قال: "يا رجل، أنا لا أعرف ما الذي تتحدث عنه" (لوقا 22: 59-60).}
هذا التلميذ الذي أنكر المسيح ثلاث مرات، وقبل ذلك دافع عن معلمه بقطع أذن خادم رئيس الكهنة ملخس.. تاب وبكى، وغفر المسيح له تردده وخوفه ورعبه، وأصبح فيما بعد الأساس الذي بُنيت عليه الكنيسة، وقال المسيح له: "أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي". صخرة الكنيسة كانت نهايته كمعلمه صلبًا. "يجمع التقليد الكنسي على أن بطرس استُشهد حوالي سنة 67م، وأنه قُبض عليه في عهد الإمبراطور نيرون، وقد صُلب بطرس منكّس الرأس، بعد أن رفض أن يُصلب كمعلمه".
مقارنات:
بينما التلميذ بطرس صُلب من أجل رسالته التبشيرية بعد أن انتقل معلمه إلى السماء، نرى أن الأمور تنحّت خلاف ذلك مع أصحاب محمد، فالتراث الإسلامي يحدثنا: حين حانت الساعات الأخيرة لمحمد، أراد أن يكتب لهم وصية، ولكن أصحاب محمد خافوا أن يوصي لهم بخليفة لا يرضون عليه من بعده، فرفضوا رغبة رسولهم وهو حيّ لم يمت بعد. فمن صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، أنقل التالي بذات الصدد: (حدثنا يحيى بن سليمان قال.. عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبي وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، فقال محمد: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه). ودُعيت هذه الواقعة بـ"رزية يوم الخميس".
أما الواقعة الأخرى، فبينما المسيح بعد صلبه ودفنه وقيامته من بين الأموات في اليوم الثالث، ظهر للتلاميذ، وأوصاهم: (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الأب والابن والروح القدس، وعلّموهم أن يعملوا بكل ما أوصيتكم به، وها أنا معكم طوال الأيام، إلى انقضاء الدهر / من إنجيل متى). والتلاميذ نفذوا وصية معلمهم في كل بقاع الدنيا، ولم يهتز إيمانهم بالمسيح، ولم ينكروه، بل استُشهدوا من أجله.. بينما الحال غير ذلك، فالموروث الإسلامي يخبرنا أنه كان هناك صراع حول من يخلف محمد! فبعد موت محمد تركوه، واشتد الصراع بين صحابته على من يتولى الخلافة، وذلك في "سقيفة بني ساعدة"، وصاحب الدعوة لم يُدفن بعد، لثلاثة أيام. (واقعة سقيفة بني ساعدة، وهي أول وأهم الوقائع التي حدثت بعد رحيل محمد في السنة 11 من الهجرة، والتي تمت فيها مبايعة أبي بكر الصديق خليفةً للمسلمين بعد رسول الله. بعد وفاة النبي محمد، وفي حين كانوا مشغولين بدفنه، الإمام علي بن أبي طالب وبعض الصحابة، اجتمع بعض من الأنصار برئاسة سعد بن عبادة، كبير قبيلة خزرج، في سقيفة بني ساعدة لينتخبوا خليفة لهم يملأ فراغ القيادة بعد رحيل النبي. ثم التحق بالسقيفة عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق، وفُضَّ الاجتماع باختيار أبي بكر خليفةً للمسلمين.. / نقل من ويكي شيعة). "وتشير الدكتورة التونسية هالة الوردي، في ندوة تلفزيونية مع د. خالد منتصر والباحث أحمد عصيد عام 2019، متوفرة على اليوتيوب، إلى أن اجتماع السقيفة تخلله شتائم وضرب بين المجتمعين!! كما أنها بيّنت أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب لم يحضرا جنازة الرسول!!". وطرح بالندوة أيضًا: "أن سعد بن معاذ سيد خزرج قد قُتل في الصحراء، وكانت جثته مغطاة بسعف النخيل، وذلك بعد اجتماع السقيفة!". من جانب آخر، تلامذة المسيح كلهم قُتلوا أو صُلبوا أو تُركوا فريسة للوحوش من أجل رسالة المسيح، عدا التلميذ يوحنا الذي مات في نهاية القرن الأول الميلادي.
إضاءة:
أرى مما سبق، وتأسيسًا عليه، أنه يتبلور لدينا منهجان أو طريقان:
الأول: هو طريق رسل المسيح، والذي تناولنا التلميذ بطرس نموذجًا له، الذي ظل أمينًا لرسالة المسيح سيده، في المحبة والسلام والخلاص والبشارة، بالرغم من خوفه ورعبه في أول الأمر مما نال معلمه من جلد وتعذيب، وأخيرًا صلب. لكن بطرس ندم وتاب وبكى، وأصبح رأس الكنيسة فيما بعد، ودفع حياته في سبيل بشارة المسيح، مصلوبًا منكّس الرأس، قائلًا: "لا أستحق أن أُصلب كمعلمي".
الثاني: نهج صحابة وأتباع محمد، الذين تنصّلوا منه قبل مماته، حين رفضوا أن يكتب لهم وصية؛ رزية الخميس، حيث قال أصحابه: "إن رسول الله يهجر..". وبعد مماته، تمثل الوضع بأكثر من هذا، حين تركوه ميتًا، مسجّى، في دار عائشة زوجِه، لثلاثة أيام دون دفن، والصحابة، وفي مقدمتهم رفيق دربه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، ومن جانب الأنصار سعد بن عبادة، يتنازعون على الخلافة، وذلك لأنهم متيقنون أنه لا التزام عليهم، ومحمد قد قضى!! وهذا أكبر دليل على عدم ولاء وإيمان أصحاب الرسول بمقام صاحب الدعوة. ومن جانب آخر، أن الدعوة المحمدية انتهت بموت محمد، وما تبقى منها هو من يتبوأ "مقاليد السلطة والحكم والخلافة، تحت مظلة الإسلام".
