تأمل في مزمور 73 

لو نظرنا إلى الأشياء التي حولنا، ستمتلئ حياتنا بالحيرة واليأس وسنقول كآساف في هذا المزمور "لأني غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار (عدد 3).

اختبار آساف

ففي الأيام الصعبة التي نعيش فيها، كم من أمور حولنا تدعو للاضطراب إذ نرى الشرور الأدبية والخطايا التي ذِكْرها أيضاً قبيح، ونرى العالم وقد امتلأ إثماً وجوراً وظلماً. ونرى الشيطان وباعه العريض وكيف يجول ليعمي أذهان غير المؤمنين. على أن كل هذه الأمور أخبرنا عنها الكتاب من قديم الزمان "في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون مُحبين لأنفسهم... دنسين ... محبين للذات دون محبة الله" (2 تي 3: 2-6) . وهذا شيء طبيعي من وجهة نظرنا لأن العالم وضع في الشرير (1يو5: 19)، والأرض مُسلَّمة ليد الشرير( أي 9: 24).

سمح الله لآساف أن يدوّن اختباره في هذا المزمور ليكون درساً نافعاً لنا جميعاً. وقد سبب له هذا الاختبار تعباً نفسياً شديداً لا سيما أنه أدرك أنه لو تحدّث بهذه الأفكار لسبّب ضرراً كبيراً لكثير من المؤمنين، حيث قال في عدد 15 "لو قلت احدث هكذا لغدرت بجيل بنيك"، نحن لا نعرف كم طالت الفترة التي فيها قاسى آساف. ولكن شكراً لله لأنه أخيراً عمل ما كان يجب أن يعمله من البداءة، وهو ما عبَّر عنه بالقول: "حتى دخلت مقادس الله وانتبهت..." فكأنه يقول: كنت كشخص يغفل عن الحقيقة ويخلط بين الواقع والخيال والأوهام، شخص تحت تأثير المخدرات. كنت لا أعي الأمور على حقيقتها. ولكن إذ دخلت مقادس الله انتبهت إلى آخرة الناس الاشرار. حقّاً، ما أرهب ما رآه إذ دخل مقادس الله! رأى هؤلاء الذين جسمهم سمين، هؤلاء المتكبرين الذين يكثرون ثروة وإذا هم في مزالق، أي في طريق منحدر منزلق مسرعين نحو البوار، أي الخراب والدمار. والآن يا آساف، هل تحسدهم أم ترثي لهم؟ لقد قلت: "ليس في موتهم شدائد". ولكنك الآن عرفت أن موت الأشرار هو بداءة عذاب لا ينقطع في الظلمة الخارجية حيث البكاء وصرير الأسنان. وأما بخصوص ثروتهم فقد اضمحلّت وفنيت معهم تماماً، وهكذا تحقّق ما جاء في (أي 5:20) أن فرح الفاجر إلى لحظة. وما جاء في (مز 1:37) "لا تغـر من الأشرار ولا تحسد عمّال الإثم. فإنهم مثل الحشيش سريعاً يُقطعون ومثل العشب الأخضر يذبلون". وأيضاً "إذا زها الأشرار كالعشب وأزهر كل فاعلي الإثم فلكي يُبادوا إلى الدهر" (مز 7:92).

 لقد أدرك آساف خطأه ولم يكن تأثير ذلك تأثيراً سطحياً كما يحدث لنا كثيراً، بل قال: "تمرمر قلبي وانتخست في كليتيّ"، واعترف أن أفكاره السابقة لا تليق أبداً بمن يعرف الرب، فقال: "وأنا بليد ولا أعرف، صرت كبهيم عندك (عدد 22) ثم في عدد ( 26) نراه يقول : "قد فني لحمي و قلبي. صخرة قلبي و نصيبي الله إلى الدهر". لحمي".

 يقول جون بايبر معلقاً على العدد الاخير: أولا، "لحمي" هذا يعني أن هناك عنصر مادي في حالة اليأس. الجسد متعب، هناك اعياء وأحساس بالخمول والفتور. ثانياً، "و قلبي"– هذا يعني أن هناك بُعد روحاني عاطفي لليأس. قلوبنا محبطة، و مكتئبة، و سوداوية و منهكة. ثالثاً، " فَنَيِ " الكلمة تعني الوصول الى النهاية، إستنفاذ الموارد. كما لو كانت حياتك عبارة عن حوض فيه ماء وأنت في حاجة لهذا الماء لإنعاشك. لكن هناك شخص ما سحب السداد الموجود في اسفل الحوض و بالتالي نفذ كل الماء. هذه الكلمة بالعبرية "كالا" تعني الوصول الى النهاية، واستهلاك واستنفاذ المصادر لمعالجة المشاكل والحياة.. " قد فني لحمي و قلبي". حرفياً تعني "فنى" و ليس " ربما فنى" . ليس هناك كلمة"ربما" في النص العبري. انها تقول " قد فني لحمي و قلبي، و أنا محبط و يائس، واستنزفت كل مصادري العقلية".

 لكن الهجوم الروحي المضاد يأتي في الجملة التالية: "لكن الله صخرة قلبي". هذا الرجل هنا يفقد الأمان في نهاية حياته. قلبه و لحمه على وشك الاستنفاذ يقول ربما في انفاسه الاخيرة- "لكن الله هو الصخرة لقلبي الضعيف و حياتي البائسة و نصيبي إلى الدهر"... ان عدم الايمان لا يبني أي مقاومة و لا يتسلح بدرع الايمان و يأخذ سيف الروح و يحارب. انا أعتقد أن هذا ما نستطيع أن نقوله بوضوح من الكتاب المقدس. جسدي مقتول و قلبي تقريبا ميت، لكن لأي سبب من الأسباب أنا لن أستسلم. سوف أثق بالرب حتى لو أسُتنزفت قوتي. "ناموس الرب كامل يرد النفس". (مز 19: 7).

كلمة الرب تعُطى لانعاش النفس ترد و تحفظ. هذا يعني عندما يداهمنا اليأس تأتي كلمة الرب فتعيدنا وتردنا..

ليتنا نمتحن أنفسنا. لا يكفي أن نعجب بما نتعلمه من كلمة الله. بل يجب أن يكون له تأثير عميق في قلوبنا، بل يجب أن يسبب لنا حزناً وندماً على أخطائنا سواء بالفكر أو بالقول أو بالعمل. "لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة" (2كو 10:7). عندئذ يمكن لكل منا أن يهتف مع آساف قائلاً: "لكني دائماً معك. أمسكت بيدي اليُمنى".(عدد 23) يا له من ضمان جميل وجليل يملأ القلب سلاماً واطمئناناً. ليس ذلك فقط بل أضاف قائلاً في عدد 24 "برأيك تهديني وبعد إلى مجد تأخذني".

إن دخوله إلى مقادس الله حوّل الحزن والتعب إلى هتاف الفرح والنصرة. ونحن نعرف ان معنى الدخول إلى مقادس الله. هو التقدم بثقة إلى عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد نعمة، عوناً في حينه (عب 16:4). هو القراءة والتأمل في كلام الله بروح الصلاة وبمعونة الروح القدس. وأما إهمال مقادس الله فلا بدّ أن يؤدي إلى الضعف الروحي والهزيمة. في مقادس الله يهتف المؤمن قائلاً كما في عدد 25 "من لي في السماء ومعك لا أريد شيئاً في الأرض". يختتم آساف هذا المزمور بالمقارنة السليمة التي تعلمها داخل مقادس الله إذ يقول في عدد 27 "هوذا البعداء عنك يبيدون... 28 أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي. جعلت بالسيد الرب ملجأي لأخبر بكل صنائعك.

يا رب: اعطنا أن نكون حقيقيين كما كان آساف حقيقي مع نفسه إذ قال "حقاً قد زكيت قلبي باطلاً" (عدد 13).. نعم فلنلقي بكل خداع وتقمص فى حياتنا، ولنتمسك بكل حقيقة وضعها الله فينا ونثبت فيه، ونسكن دائماً في مقادس الله.

حقًا ان «فرح الفاجر إلى لحظة» لأنه وإن تمتعوا بالخطية، وتلذذوا بالإثم، لكن بانتهاء العمر أو بمجيء المسيح ـ أيهما أقرب ـ تنتهي لذتهم ولا يبقى لهم سوى الشقاء.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا