لفتني قيام عدد من المواقع الالكترونية بنشر مشاركة ساذجة لأحد الهواة على أنّها "قصيدة" طه حسين- عميد الأدب العربي- في مقطع يوتيوب مدوَّن رابطه أدنى.

فأوّلًا هذه ليست قصيدة! إنما خاطرة خالية من موسيقى الشعر، لكنها مقفّاة بقافية موحَّدة؛ لأنّ أساس القصيدة العربية: كلام بليغ موزون بأحد أوزان الشِّعر الثمانية عشر (أي موسيقى الشعر) ومقفّىً بقافية واحدة. فلا وزن لهذه الخاطرة المقفّاة لكي تسمّى قصيدة، بغضّ النظر عن مستواها الأدبي.

ثانيًا: واضح أنّ مؤلِّف هذه الخاطرة ملحد من خلفيّة إسلامية. ربّما كان سبب اختياره اسمَ هذا الأديب كامنًا في أنّ أخبارًا، باعتناق طه حسين المسيحية، قد تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي. فوجد الهاوي فرصة ضرب عصفورين بحجر واحد؛ أي أن يُعلن عن إلحاده في عدد من وسائل التواصل الاجتماعي. وأن يختار إسمًا مستعارًا معروفًا، لشخصية ارتدّت عن الإسلام، كي ينشر اختباره بأسرع ما يمكن، عبر الوسائل المذكورة. لكنّ الحجر ارتدّ عليه مرتين، نظرًا لسوء اختياره الإسم المستعار؛ لعلّ الأولى انكشاف لعبته على يد أحد المعنيّين بالأدب العربي عمومًا وبأسلوب طه حسين خصوصًا.

أمّا الثانية فهي أن طه حسين انتقل إلى السماء مسيحيًّا عام 1973 والملحد المذكور لم يعلن عن اعتناقه المسيحيّة، ما دلّ على أنّ إسم طه حسين مستعار. فبِئسَتْ هذه الاستعارة في نهاية المطاف.

عِلمًا أنّ سوزان، زوجة طه حسين، فرنسية مسيحية بقيت ثابتة على دينها بعد الارتباط به بعقد زواج رسمي عام 1917 فأنجبت منه طفلين: أمينة ومؤنس. وقد التقيا عام 1915 في مدينة مونبلييه الفرنسية فرافقته أزيد من خمسة عقود حتّى قال عنها: (كانت صديقتي وأستاذًا لي، عليها تعلّمت الفرنسية، وفقهت ما أستطيع أن أفقه من أدبها، وعليها تعلّمت اللاتينية، واستطعت أن أجوز فيها امتحان الليسانس، ومعها درست اليونانية، واستطعنا أن نقرأ معًا بعض آثار أفلاطون) فلا شكّ في اطّلاع طه حسين على الكتاب المقدَّس وقد كان رجلًا ذا معرفة واسعة. وقد انتقلتْ سوزان أيضًا إلى السماء عام 1989 وربّما جعلها الرب يسوع سبب بركة لطه حسين كي يعرف المسيحية على أصولها فيعتنقها. رَحِمَهما الله.

ثالثًا: لا يمكن أن ينزل كاتب كبير، مثل طه حسين، إلى مستوى هابط لغويًّا وأدبيًّا، بغضّ النظر عن فكرة المؤلِّف وهدفه، لأنّ أسلوب طه حسين في الكتابة راقٍ ومميَّز ومحترم. أمّا الملحد المذكور فواضح لي، بدون شكّ، أنّه من فئة هواة الشِّعْر. حتّى أنّ خاطرته اقتربت من الأسجوعة لا الشعر.

رابعًا: ربّما كان طه حسين مُتقِنًا فنون الشعر ومتذوِّقًا جيّدًا. وقطعًا كان أديبًا كبيرًا، لكنّه لم يكن شاعرًا! وأغلب الظن أنه لم يكتب في حياته أيّة قصيدة. عِلمًا أنّ كثيرين، من مستوى أستاذ في اللغة العربيّة، يُتقنون بحور الشعر تمامًا لكنّهم لا يجيدون نظم بيت شعر واحد. ويوجد في المقابل شعراء مميَّزون وإن لم يتخصّصوا في اللغة العربيّة بشيء. وكاتب هذه السطور واحد من الفئة الثانية.

طه حسين

وواضح في مقطع الفيديو المذكور أنّ مستوى الرجل، الذي سجّل هذه الخاطرة بصوته، ضعيف نحويًّا في الأقلّ، إذ لم يميّز بين المرفوع والمنصوب والمجرور خلال قراءته النّصّ. ولا أستبعد احتماليّة أن يكون القارئ هو الملحد نفسه، بناء على حماسته في القراءة.

علمًا أنّ هناك شاعرًا عراقيًّا حاول بإحدى قصائده تقليد أسلوب الشاعر العراقي معروف الرصافي، فنشَرَها عدد من المواقع الالكترونية منسوبة إلى الرصافي. لكنّ الشاعر تدارك الموقف فاعترف بأن القصيدة له وأراد بها معارضة قصيدة للرصافي. والمعارضة الشعرية تعني المقابلة بالمِثل.

والحالة عينها مع الشاعر السوري نزار قباني، إذْ تأثر بأسلوبه عدد من الشعراء، من الجنسين.

أمّا المؤسف فهو جهل الأجيال الجديدة، من العالم الناطق بالعربية، بمزايا الأدب العربي ولا سيّما الشِّعر الأصيل. قطعًا باستثناء المهتمّين والمتخصِّصين. وعددهم قليل نسبيًّا. فسِواهُمْ يُعَلِّق على محتوى المقطع، بدون دراية مسبّقة بجملة من التفاصيل ممّا تقدّم. لذا فوجئت بنشر هذا المقطع، المنسوب محتواه إلى طه حسين زورًا وبهتانًا، في أزيد من موقع الكتروني محترم، سواء أكان مسيحيًّا أم عِلمانيًّا.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا